الخميس، 30 يوليو 2026

11:36 م

الهضبة؛ رحلتي من الطرب إلى المونولوج! | خارج حدود الأدب

في رحلته من السويس إلى القاهرة في أوائل الثلاثينيات، كان الشاب الصغير، الذي لم يبلغ بعد العشرين من عمره، يحمل في جيبه خلال تلك الرحلة حلمًا وحيدًا، هو كل زاده وزواده، بل كل ما يملك حرفيًا. حلمٌ هرب به من بيت الأب السجين بسبب الديون، ومن الفقر والعوز، إلى فسيح شوارع القاهرة وميادينها.

كان هذا الحلم يتعلق بفكرة، بفن، بل بشخص واحد: «محمد عبد الوهاب». نعم، كان ذلك الشاب يرى في الموسيقار محمد عبد الوهاب قدوته، ويحلم أن يقتفي أثره ويتبع خطواته. وكان لديه صوت، ربما لم يكن الأكثر طربية، لكنه كان يعتقد أنه يملك من الإمكانات ما يؤهله لخوض تلك الرحلة.

ولم يكن يدري أن القدر يخبئ له مصيرًا آخر. وبعد نحو نصف قرن، سيحمل شاب آخر حلمًا مشابهًا، وستقوده الرحلة نفسها إلى القاهرة، لكن المفارقة أن نهاية الرحلتين ستسير في اتجاهين متعاكسين تمامًا.

بدأ الشاب الأول رحلة بحث مضنية عن السبيل الذي يبدأ منه هذا المشوار، فعمل في أعمال بسيطة داخل البيئة الفنية بشارع محمد علي، ثم انضم إلى فرقة الأسطى نوسة، قبل أن يعمل فترة في أحد مكاتب المحاماة، ثم عاد من جديد يطارد حلمه الفني باحثًا عن فرصة يثبت فيها نفسه كمطرب.

إلى أن قادته رحلته تلك إلى أهم محطات حياته، حينما شاهده أبو السعود الإبياري، لكنه لم يره مطربًا، بل رأى فيه ما هو أعمق من ذلك؛ رأى خفة الظل، وحلاوة الروح، والقبول، والفكاهة، فرشحه لتقديم المونولوج في فرقة بديعة مصابني.

ومنذ تلك اللحظة انطلق نجمٌ يضيء حتى يومنا هذا، وتربع على عرش الكوميديا سنوات طويلة، وعلى عرش القلوب لعقود. كان ذلك هو الفنان العبقري «إسماعيل ياسين».

وتبدو تلك الرحلة غاية في المنطقية؛ فالبديهي أن يستثمر الإنسان مقوماته الحقيقية لاختيار مستقبله، وبناء إرثه، وكتابة تاريخه.

وربما شابهتها رحلة أخرى لشاب أتى من بورسعيد إلى القاهرة في أوائل الثمانينيات، بعد نحو خمسين عامًا من بداية رحلة إسماعيل ياسين، بحثًا عن فرصة مماثلة. وعلى غرار القصة الأولى، يعبر ذلك الشاب أهم محطات رحلته تباعًا، حتى يصبح هضبة الغناء في جيله، ثم في الأجيال التي تلته، ويحتفظ بمكانته على قمة الطرب لأكثر من أربعة عقود.

لكن هنا تبدأ المفارقة، فإسماعيل ياسين جاء إلى القاهرة ليصبح مطربًا، فاكتشف أن موهبته الحقيقية ليست في الطرب، بل في المونولوج، فلم يتردد في أن يترك حلمه الأول ليصبح نفسه.

أما الرحلة الثانية، فتبدو وكأنها تسير في الاتجاه المعاكس.

فبعد تاريخ يمتد لعقود، مبني على رحلة كفاح مشهودة، وإرث مفعم بالنجاحات، وبعد أن تتربع طوال تلك السنوات على قمة هضبة الطرب، وتصبح النموذج الذي تتهافت الملايين على اتباعه وتقليده، يبدو وكأنك تهجر كل ذلك، متجهًا إلى لون أقرب إلى المونولوج منه إلى الأغنية.

وربما حينما نتكلم عن المونولوج فإننا نتحدث عن فن له محبوه وذواقه، وكانت له رسالته وأهدافه. فلم يكن أبدًا الغرض من المونولوج الذي يقدمه إسماعيل ياسين أو شكوكو مجرد التسلية والضحك، بل كان لكل مونولوج رسالة تتجاوز حدود الفكاهة.

وليست المشكلة، بالطبع، في أن يجرب الفنان لونًا جديدًا، فالفن لا يعيش إلا بالتجديد، ولا يستمر إلا بالمغامرة.

وليست المشكلة كذلك في أن يقترب من ألوان فنية أخرى.

أما المشكلة الحقيقية، فهي حين يتحول التجديد إلى تنازل، ويصبح الاختلاف هبوطًا لا تطورًا.

فإذا قدم مطرب بنى أسطورته على أغنيات امتازت كلماتها وألحانها -دائمًا، أو دعنا نقول غالبًا- بالبحث عن التجديد والمعنى، أعمالًا تبدو أقرب إلى المونولوج الركيك منها إلى الأغنية، فإننا لا نكون أمام مجرد اختلاف في الذوق.

بل أمام كارثة فنية.

لماذا، بالله عليكم، يخاطب هذا المطرب محبوبته بقوله:

«يا فراولة... أنا نفسي أشربها عصير... عطشان خالص.»

وربما تكون هذه الجملة، بهذا التركيب، غير دارجة حتى في الأحياء الشعبية؛ فالأحياء الشعبية تعج بالحكم والعبارات الجميلة التي تُكتب على السيارات و«التكاتك»، ولا تقترب، من قريب أو بعيد، من مثل هذا الكلام المبتذل.

وإن كان هذا المطرب يرى أن هذا هو الذوق العام الآن، وأن عليه استقطابه، فقد ارتكب بفعلته تلك العديد من الأخطاء؛ أولها أنه يسيء تقدير جمهوره ويختزل ذائقته، وثانيها أنه يتخلى عن نمطه وأسلوبه من أجل مكاسب ربما لم يعد في حاجة إليها، أما الخطأ الأكبر فهو أنه يسيء إلى تاريخه الفني نفسه.

لذلك يأتي السؤال:
لماذا؟

«لماذا يا وَلَا؟... يا وَلَا... يا وَلَا؟

عشان تبيع الألبوم في الدكانات؟... يا وَلَا... يا وَلَا؟»

وإن كان يستهدف «جيل Z»، فهل يعرف كثير منهم أصلًا معنى «الدكانات»؟

بل هل «الدكانات» كلمة أصلًا؟ أم اخترعها صاحبها على عجل لينقذ بها قافيته؟

ولماذا أتاح الهضبة المجال لمؤلف تلك الكلمات الركيكة -ونقول ركيكة لأنها أخف التعابير قياسًا بما تحمله من ابتذال- أن يخرج إلى الفضائيات متباهيًا بإنجازات يراها كثيرون زائفة، في حالة من الغلو والغرور تستفز أي إنسان سوي؟

لكنها لم تكن يومًا خطيئة هذا الشاب الذي يدّعي التأليف، بل هي، في المقام الأول، إحدى ابتلاءات الهضبة التي ابتلى بها جمهوره ومتابعيه.

وأظن أن الفرق بين الرحلتين هو كل ما في الحكاية.

جاء إسماعيل ياسين إلى القاهرة يريد أن يكون محمد عبد الوهاب، لكنه امتلك شجاعة الاعتراف بأن موهبته الحقيقية كانت في مكان آخر، فترك حلم الطرب، وربح نفسه، وربح الفن أحد أعظم مبدعيه.

أما المأساة، فهي حين يعرف الفنان موهبته الحقيقية، ويصنع بها مجده أربعين عامًا، ثم يبدو وكأنه يقرر، بإرادته، أن يغادرها.

تلك ليست رحلة من الفشل إلى النجاح.

وليست رحلة من المونولوج إلى الطرب.
إنها…

رحلة من الطرب إلى المونولوج .. 

رحلة «خارج حدود الأدب».

search