هبوط اضطراري في ميت عقبة! | خارج حدود الأدب
في ظل الأزمات المتلاحقة التي تعصف بنادي الزمالك الكائن بميت عقبة خلال الأيام الماضية، وبعد ذلك الضجيج والصخب اللذين ملآ فضاء مواقع التواصل الاجتماعي والقنوات التلفزيونية، ما بين تأكيد لعقوبات تأديبية من جهة ونفي من جهات أخرى، كانت عموم الجماهير في انتظار كلمة من شخص مسؤول يحسم الجدل ويضع النقاط فوق الحروف.
ولحسن الحظ، استضاف الإعلامي هاني حتحوت بالأمس السيد هشام نصر، نائب رئيس نادي الزمالك، والذي يزعم بعض المغرضين أنه الرجل رقم صفر، والمدير الفعلي لكل الملفات الرياضية والاجتماعية في ميت عقبة. وللأمانة، يعتبر كثير من مشجعي نادي الزمالك هذا الرجل واحدًا من أهم الكوادر الإدارية في هذا النادي العريق.
انتظرت جماهير الزمالك، خلال حديث نائب الرئيس المطول الذي امتد لما يقارب الساعة، أن ينفي، أن يستنكر، أن يؤكد، أن يطمئن، أن يعد. انتظروا منه أن يعلن الحق الأبلج ويزهق الباطل اللجلج، ولكن يبدو أن توقعات الجماهير البيضاء، تمامًا كالطيور الجريحة، ما تكاد ترتفع إلا وسريعًا ما تقع.
ومن وسط هذا الحوار المطول لفت انتباهي، كمتابع، جملتان أتتا على لسان السيد هشام نصر. وإن جاز لي، فقد أعتبرهما من أهم الدروس في علم الإدارة، لذلك وجدت من الواجب تسليط الضوء عليهما، لتوثيقهما كدليل مرجعي وكشف استثنائي في علوم إدارة الأزمات والأعمال.
أما الأولى فكانت في معرض حديث وأسئلة المضيف عن خلفيات قضية اللاعب صلاح مصدق، والتي أثارت الجدل خلال اليومين الفائتين. وخلال إجابة الضيف أشاد باللاعب، وبحسن خلقه وتعاونه، وقال عنه ما يفيد أنه يقدر ظروف الزمالك. هنا أتى السؤال الأهم من المقدم: وما هي تلك الظروف؟
أجاب السيد نائب رئيس نادي الزمالك:
«مافيش فلوس».
ثم صمت قليلًا، وعاد ليؤكد:
«بــــــــــــس».
ليسأله المقدم باستغراب:
«بس؟!»
ليجيبه السيد هشام بكل حسم:
«بـــــــــــــــــــــــس».
وبعيدًا عن اللاعب الذي تسببت ثلاثة وثلاثون دولارًا منقوصة من راتبه في توريط الزمالك في مبلغ يتخطى الثمانمائة ألف دولار، وبعيدًا عن التقارير التي أفادت بأن اللاعب طلب من النادي أكثر من مرة الخروج إلى نادي الوداد قبل الأزمة وقوبل طلبه بالرفض، وبعيدًا عن كل الملابسات التي قُتلت بحثًا خلال اليومين الماضيين، تأتينا الدروس الإدارية المهمة من السيد هشام نصر.
أولًا: احترم خصمك، وإن أتيحت لك الفرصة فلا تخجل من الإشادة به ومدح محامده. وللصدق، تلك هي أخلاق الفرسان، ولا علاقة لهذا بدروس الإدارة على الإطلاق.
ثانيًا: انتظر قليلًا، فقد قررت تأجيل هذه النقطة إلى ما بعد عرض إجابته الثانية؛ لأن «ثانيًا» مهمة جدًا، أما «ثالثًا» فستبهرك.
ولما تطرق الحوار إلى النقطة الأهم والأصعب، والتي تشغل بال كل محب لهذا النادي، بادر المضيف ضيفه بالسؤال عن السبع عشرة قضية لدى الفيفا ضد نادي الزمالك. وحين صارحه بالحقيقة التي تؤكد أن ست عشرة قضية منها حدثت في عهد المجلس الحالي، وبسؤاله كيف يبرر للمشجعين ولجمعيته العمومية مسؤوليته عن تلك الكارثة، كان الرد سؤالًا أقل ما يوصف به أنه عبقري، حين سأل السيد هشام المقدم:
«دا كان اضطرارًا ولا تخاذلًا؟»
الآن، بعد هذه الإجابة، على هارفارد تغيير مناهجها، وعلى المتنبي وابن بُرد أن يتعلما بعض الدروس في فن الرد، لأن هذه الإجابة وهذا الانقلاب الخطير في مسار الحوار يمثلان تأسيسًا لمدرسة جديدة في فن الإدارة.
وقبل الاسترسال في أهمية تلك النقطة، أعود إلى «ثانيًا»، وهي التشخيص الدقيق للمشكلة؛ فقد استطاع السيد هشام نصر، بقيادته الحكيمة، تحديد المشكلة الأساسية التي يعاني منها الزمالك، وهي بالتأكيد:
«مافيش فلوس».
ولو كنت مكان المقدم لسألته:
«وهل دوركم كمجلس إدارة الأموال أم خلق الموارد وتطوير الأصول وجلب الاستثمارات؟»
ولكن كانت الإجابة أعمق من كل هذا، وبسيطة وشفافة وواضحة:
«مافيش فلوس».
أما ثالثًا، فقد وعدتك أنها ستبهرك، وأجزم أنها كذلك بالفعل.
ثالثًا: في فن التعامل مع الأزمات، لا تنظر إلى المسببات، ولا الخلفيات، ولا الحلول، ولا البدائل، ولا النتائج، ولا الأزمة أصلًا. فقط اختر من بين القوسين: هل أنت «مضطر - متخاذل»؟
إن كنت مضطرًا فلا حرج، فالمضطر يركب الصعب، أما إن كنت متخاذلًا فهذه هي فقط المشكلة.
لذلك، إذا وقفت أمام القاضي الذي قد يقضي بحبسك لتعثرك في سداد أقساط هاتف آيفون 17 برو ماكس، فقط اسأله:
«هل كان عدم دفعي اضطرارًا أم تخاذلًا؟»
وإذا سألك مديرك عن التارجت الذي لم تستطع تحقيقه، فعليك أن تسأله:
«هل كان عدم تحقيقي له اضطرارًا أم تخاذلًا؟»
وإذا سأل أصحاب الشركة المدير المسؤول عن الخسائر الفادحة، فعليه فقط أن يسألهم:
«هل كان هذا اضطرارًا أم تخاذلًا؟»
وهكذا يا صديقي، أسس السيد هشام نصر اثنين من أهم مبادئ الإدارة الحديثة، وربما كانت هذه المبادئ سبب نجاحه الباهر السابق في إدارة اتحاد كرة اليد، وبالتأكيد هي سبب نجاحه في قيادة الزمالك حاليًا، وربما في منصب الرئيس مستقبلًا، فبلا شك، وبتلك العقلية وهذه النظريات، لا بد أن يعتلي أهم المناصب.
وبالتالي أنصح السادة الإعلاميين والصحفيين والجماهير بترك الرجل لعمله الدؤوب، فقد أجاب بالفعل عن كل التساؤلات.
فإن سألوه عن سبب القضايا: مافيش فلوس.
سبب الخسارة: مافيش فلوس.
سبب شراء لاعبين بسبعة ملايين دولار في بداية الموسم، وعدم دفع أثمان عقودهم ومستحقاتهم: مافيش فلوس.
سبب خسارة الكونفدرالية: اضطرارًا.
سبب وقف القيد التأديبي: اضطرارًا.
سبب إخفاء الإيقافات التأديبية، رغم تدشين التطبيق وجمع التبرعات لفتح باب القيد الذي لن يُفتح: اضطرارًا.
لماذا قد يهبط الزمالك في هذا المستنقع من المشكلات: اضطرارًا.
وهكذا يا صديقي، أتمنى أن تكون قد استفدت من هذه الدروس المهمة، وأن تكون على قدر من الشجاعة والخبرة لمجابهة المشكلات وإدارتها بقواعد العلم الحديث، قبل أن يدفعك جهلك «خارج حدود الأدب».
الأكثر قراءة
-
18.50 % عائدًا سنويًا.. تفاصيل شهادات بنك القاهرة الجديدة 2026
-
تأييد حبس خال الطفل "زين" شهرا مع النفاذ في واقعة التعدي على والده
-
موعد الإعلان الجديد لـ"سكن لكل المصريين".. شروط الحجز والتقديم
-
"كارثي".. تحذيرات برلمانية من "الدعم النقدي": يهدد أمان البسطاء
-
النيابة الإدارية كشفت مفاجأة.. إغلاق مطعم شهير بكفر الشيخ يقدم أطعمة غير صالحة
-
نتيجة أولى وثانية ثانوي 2026 الترم الثاني بالقاهرة.. رابط الاستعلام والخطوات
-
السيسي يوافق على قرض صيني بـ90 مليون دولار لتمويل قطار العاشر من رمضان
-
هبوط اضطراري في ميت عقبة! | خارج حدود الأدب
مقالات ذات صلة
(اقتلوا/ ارحموا) كلاب السكك!| خارج حدود الأدب
14 مايو 2026 03:39 م
مؤمن يؤمن بـ "الطيبات"| خارج حدود الأدب
07 مايو 2026 03:20 م
كيف خسر الأهلي، وربح الزمالك؟| خارج حدود الأدب
02 مايو 2026 03:10 م
الزمالك يصنع المعجزة! | خارج حدود الأدب
24 أبريل 2026 01:19 ص
أكثر الكلمات انتشاراً