الثلاثاء، 04 أغسطس 2026

07:36 م

"الدعم النقدي" في موقف حرج قُبيل تطبيقه: من هم فقراء مصر؟

سيدة تحمل عدد من أرغفة الخبز

سيدة تحمل عدد من أرغفة الخبز

عاد ملف التحول من الدعم العيني إلى النقدي ليتصدر المشهد الاقتصادي في مصر، بعد إعلان الحكومة الانتهاء من إعداد “التصوّر العام” للمنظومة الجديدة وعرضه على رئيس الجمهورية، مع التأكيد على أن التطبيق لن يتم إلا بعد استكمال الدراسات الفنية والمالية والاجتماعية وإجراء حوار مجتمعي شامل.

ورغم أن الحكومة تؤكد أن الهدف هو ضمان وصول الدعم إلى مستحقيه بكفاءة وتحقيق العدالة الاجتماعية، فإن خبراء اقتصاد يحذرون من أن نجاح المنظومة لا يرتبط فقط بقيمة المبلغ الذي سيحصل عليه المواطن، وإنما بقدرة الدولة على تحديد المستحقين بدقة، والحفاظ على القوة الشرائية للدعم في ظل استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع أسعار السلع الأساسية.

وبينما تدرس الحكومة الانتقال إلى نظام جديد يغيّر شكل منظومة الدعم التي استمرت لعقود، تبرز تساؤلات عديدة حول معايير الاستحقاق، وآليات الاستبعاد، وقدرة الدعم النقدي على تعويض المواطنين عن الدعم العيني، ومدى استعداد الأسواق لاستقبال هذا التحول دون أن يتحول إلى عبء إضافي على الأسر المصرية.

الحكومة: لا تطبيق قبل انتهاء الدراسات والحوار المجتمعي

وأكد وزير التموين والتجارة الداخلية، الدكتور شريف فاروق، أن الوزارة انتهت بالفعل من إعداد التصور العام لمنظومة الدعم النقدي السلعي، وتم عرضه على الرئيس عبد الفتاح السيسي، موضحًا أن الحكومة ما تزال تستكمل الدراسات الفنية والاقتصادية والاجتماعية والمالية الخاصة بالمنظومة.

وأوضح أن جميع نتائج الدراسات يتم عرضها بشكل دوري على رئيس الجمهورية، مشددًا على أن القيادة السياسية تولي هذا الملف اهتمامًا بالغًا، باعتباره أحد أكثر الملفات ارتباطًا بالحماية الاجتماعية مشيرًا إلى أن الحكومة لن تبدأ تطبيق المنظومة الجديدة إلا بعد الانتهاء الكامل من الدراسات، وإجراء حوار مجتمعي واسع خلال العام الجاري، خاصة وأن الهدف هو الوصول إلى منظومة تحقق العدالة الاجتماعية، وتحافظ على حقوق المواطنين، وتضمن وصول الدعم إلى مستحقيه بأعلى كفاءة ممكنة.

وأضاف أن الدولة تسعى في الوقت نفسه إلى تطوير منظومة الأمن الغذائي، لافتًا إلى أن مشروع "المخابز الاستراتيجية" يمثل أحد أهم المشروعات التي تستهدف زيادة الطاقة الإنتاجية للخبز وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين.

من جانبها، أكدت أستاذ الاقتصاد ومساعد وزير المالية السابق، الدكتورة شيرين الشواربي، أن الجدل الدائر حول قيمة الدعم النقدي المقترح، سواء كانت 300 أو 400 جنيه، لا يمثل القضية الأساسية، مشددة على أن الأهم هو تحديد الهدف من منظومة الدعم الجديدة، لأن معايير استحقاق الدعم يجب أن تنطلق من الهدف الذي تسعى الدولة إلى تحقيقه.

41_2026-639166366660912412-91
أحد الأسواق المصرية

وقالت الشواربي، لـ"تليجراف مصر"، إن هناك طريقتين لتحديد المستفيدين من أي منظومة دعم، الأولى تقوم على تحديد الفئات التي يراد مساعدتها بشكل مباشر، بينما تعتمد الثانية على تحديد الهدف من الدعم أولًا، ثم اختيار الفئات التي تحقق هذا الهدف.

وأوضحت أن برنامج "تكافل وكرامة" استهدف منذ البداية تخفيف حدة الفقر ومساندة الأسر الأكثر احتياجًا، لذلك كانت الفئات المستهدفة واضحة، مشيرة إلى أن الوضع يختلف بالنسبة لدعم البطاقات التموينية ورغيف الخبز، حيث يظل السؤال الأهم: هل تستهدف المنظومة الفقراء فقط أم تشمل أيضًا شرائح من الطبقة المتوسطة؟ مؤكدة أن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد معايير الاستحقاق والاستبعاد.

وأضافت مساعد وزير المالية السابق أن الاعتماد على معيار مثل استبعاد من يتجاوز راتبه الشهري 24 ألف جنيه يثير العديد من التساؤلات، لأن الأسرة قد تضم أكثر من فرد يعملون برواتب مختلفة، وبالتالي لا يمكن تقييم مستوى معيشتها بناءً على دخل شخص واحد فقط.

وأشارت إلى أن الدولة تمتلك بيانات دقيقة عن رواتب العاملين في الجهاز الإداري، لكنها لا تمتلك بالضرورة معلومات كاملة عن دخول جميع المواطنين، لافتة إلى أن قواعد البيانات الحالية تعتمد في كثير من الأحيان على مؤشرات مثل امتلاك سيارة أو نوع المدرسة التي يدرس بها الأبناء، وهي مؤشرات قد لا تعكس القدرة الاقتصادية الحقيقية للأسرة.

استبعاد نحو 850 ألف من منظومة الدعم

وفيما يتعلق بإعلان استبعاد نحو 850 ألف من منظومة الدعم، قالت الشواربي إنه يجب أولًا توضيح ما إذا كان الرقم يشير إلى أفراد أم بطاقات تموينية، لأن البطاقة الواحدة قد تضم أكثر من فرد، وهو ما يغيّر حجم المستبعدين بشكل كبير، مضيفًة امتلاك سيارة حديثة لا يعني بالضرورة أن الأسرة غير مستحقة للدعم، موضحة أن كثيرًا من الأسر المتوسطة اضطرت إلى شراء سيارات بالتقسيط أو لاستخدامها في العمل مثل خدمات النقل الذكي، كما أن ارتفاع أسعار السيارات جعل كثيرًا من الطرازات العادية تتجاوز قيمتها مليون جنيه دون أن تكون سيارات فارهة.

وضربت مثالًا بأسرة تعولها أرملة أصبحت مسؤولة عن سداد أقساط سيارة كان يستخدمها زوجها في العمل، مؤكدة أن وجود السيارة في حد ذاته لا يعكس مستوى الرفاهية، ولا ينبغي أن يكون سببًا تلقائيًا لاستبعاد الأسرة من الدعم.

وشددت على أن الاستبعاد لا يجب أن يتم بمجرد توافر شرط واحد، مؤكدة أن تجربة تصميم معايير برنامج "تكافل وكرامة" أثبتت أن بعض الأسر قد تتوافر لديها أحد مؤشرات الاستبعاد، لكنها تظل من الفئات الفقيرة والمستحقة للمساندة وتحقق أحد معايير الاستبعاد قد يكون مؤشرًا يستدعي إجراء مزيد من الفحص، لكنه لا يجب أن يؤدي تلقائيًا إلى حرمان الأسرة من الدعم، لأن تقييم الاستحقاق ينبغي أن يعتمد على مجموعة متكاملة من المؤشرات وليس على معيار منفرد.

التحول إلى الدعم النقدي

وحول التحول إلى الدعم النقدي، أوضحت الشواربي أن التجربة السابقة أثبتت أن تثبيت قيمة الدعم النقدي لفترات طويلة يؤدي إلى تآكل قيمته الشرائية بفعل التضخم، مشيرة إلى أن المواطن كان يحصل في السابق على سلع تموينية متنوعة، ثم جرى استبدالها بمبلغ نقدي بدأ بنحو 13 جنيهًا قبل أن يرتفع إلى 50 جنيهًا، لكنه ظل ثابتًا لسنوات، ما أفقده جزءًا كبيرًا من قدرته على شراء السلع الأساسية.

وأكدت أن منح المواطن 300 جنيه اليوم قد يغطي احتياجاته وفق الأسعار الحالية، لكن التحدي الحقيقي يتمثل في الحفاظ على القوة الشرائية لهذا المبلغ مع استمرار ارتفاع معدلات التضخم، متسائلة عما إذا كانت الدولة ستربط قيمة الدعم النقدي بمعدلات التضخم أو ستتمكن من حماية المستهلك من ارتفاع الأسعار.

1661691199imageinvisible
محل بقالة في مصر

وأشارت إلى أن الاعتماد على الرقابة التقليدية لضبط الأسواق ليس حلًا كافيًا، لأن ذلك قد يفتح المجال أمام ممارسات غير سليمة، مؤكدة أن نجاح أي منظومة للدعم النقدي يرتبط بوجود آلية تضمن الحفاظ على القيمة الحقيقية للدعم بمرور الوقت.

وأضافت أن الدعم النقدي قد يحقق ميزة للموازنة العامة من خلال تقليل فرص تسرب الدعم العيني، لكنها أوضحت أن كثيرًا من المبررات التي كانت تُطرح سابقًا بشأن إساءة استخدام الخبز المدعم لم تعد بنفس الدرجة في الوقت الحالي، لأن المستهلك أصبح أكثر احتياجًا لحصته من الخبز في ظل ارتفاع الأسعار، مؤكدة أن تطوير منظومتي بطاقات التموين ورغيف الخبز يتطلب إصلاحًا شاملًا يوازن بين كفاءة الإنفاق وحماية الفئات الأكثر احتياجًا.

استقرار الأسعار

من جانبها، قالت الدكتورة عالية المهدي، عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، إن نجاح منظومة الدعم النقدي يتوقف بشكل أساسي على استقرار الأسعار، مؤكدة أن أي ارتفاع مستمر في معدلات التضخم سيؤدي إلى تآكل القيمة الحقيقية للدعم النقدي، وهو ما يجعل الدعم العيني أكثر قدرة على حماية الأسر من تقلبات الأسعار.

وأضافت المهدي، في تصريحات خاصة لـ"تلجراف مصر"، أن المقترح المتداول بشأن منح الأسرة دعمًا نقديًا بقيمة 300 جنيه للفرد، بما يعادل نحو 1200 جنيه للأسرة المكونة من أربعة أفراد، يحتاج إلى تقييم في ضوء تكلفة الاحتياجات الأساسية، موضحة أن تكلفة شراء الخبز وحدها قد تستهلك الجزء الأكبر من هذا المبلغ، بينما يتبقى جزء محدود لتغطية باقي السلع التموينية الأساسية.

وأوضحت أن كفاية قيمة الدعم النقدي ترتبط بشكل مباشر بمستوى الأسعار، مشيرة إلى أنه إذا ظلت الأسعار مستقرة فقد يكون الدعم مناسبًا، أما إذا استمرت موجات التضخم وارتفاع الأسعار، فإن هذا المبلغ سيفقد جزءًا من قوته الشرائية مع مرور الوقت.

وأكدت أن المشكلة الرئيسية في الدعم النقدي تتمثل في أن الحكومة تمنح المواطنين مبلغًا ثابتًا، بينما ترتفع أسعار السلع بصورة متكررة، وهو ما يؤدي إلى انخفاض القيمة الحقيقية للدعم بمرور الوقت، لافتة إلى أن أسعار السلع الأساسية مثل الخبز والزيت والسكر قد تشهد زيادات متلاحقة، في حين لا يتم تعديل قيمة الدعم بنفس الوتيرة.

وقالت إن استمرار التضخم مع ثبات قيمة الدعم يعني تلقائيًا انخفاض قدرة الأسر على شراء احتياجاتها الأساسية، وهو ما يجعل الدعم العيني أكثر كفاءة في حماية المواطنين، لأنه يضمن حصول الأسرة على كميات محددة من السلع بغض النظر عن تغير أسعارها في الأسواق.

استبعاد الأسر التي يتجاوز دخلها الشهري 24 ألف جنيه

وفيما يتعلق بالمقترح الخاص باستبعاد الأسر التي يتجاوز دخلها الشهري 24 ألف جنيه من منظومة الدعم، رأت المهدي أن هذا الحد مناسب، مؤكدة أن الأسرة التي يبلغ دخلها الشهري 24 ألف جنيه لا تُعد ضمن الفئات الأولى بالرعاية التي تستهدفها منظومة الدعم.

Egypt-inflation_bread-1
أحد المخابز المصرية

وأوضحت أن تحديد هذا الرقم يستند إلى مضاعفات الحد الأدنى للأجور، مشيرة إلى أن قيمة 24 ألف جنيه تعادل نحو ثلاثة أمثال الحد الأدنى للأجر، وهو معيار يمكن الاعتماد عليه في تحديد الفئات المستحقة للدعم.

وأضافت أن بيانات العاملين في القطاعين العام والخاص الرسمي متاحة من خلال الجهات وأصحاب الأعمال، بما يسمح بتحديد مستويات دخولهم، بينما قد يتم اللجوء إلى التقديرات بالنسبة للعاملين في القطاع غير الرسمي، مؤكدة أن آليات التطبيق التفصيلية تبقى مسؤولية الحكومة.

وأكدت “المهدي” أن الهدف الأساسي من الدعم هو حماية المواطن، إلا أن فعاليته ترتبط بالحفاظ على قيمته الحقيقية، مشيرة إلى أن استمرار التضخم مع ثبات قيمة الدعم النقدي سيؤدي إلى تراجع قدرته على تلبية احتياجات الأسر.

وشددت على أن الدعم العيني يظل الخيار الأفضل في ظل ارتفاع الأسعار، لأنه يضمن حصول الأسر على السلع الأساسية بالكميات المقررة، سواء ارتفعت الأسعار أو انخفضت، على عكس الدعم النقدي الذي تتراجع قيمته الشرائية كلما ارتفعت أسعار السلع.

اقرأ أيضًا:

رئيس شعبة المخابز: تأجيل الدعم النقدي.. وتطبيق منظومة الخصم المباشر أول أغسطس

search