الثلاثاء، 04 أغسطس 2026

05:12 م

ليلة سقوط جياني إنفانتينو

لم يدر في خلد جياني إنفانتينو أن كرسيه هش إلى هذا الحد، وأن قرار ما كاد يطيح به وهو من كان منذ أسابيع قليلة فقط يجلس على عرش كرة القدم بجوار الرئيس الأمريكي ليسلم للماتادور الإسباني كأس العالم بعد أن فاز به، أحسّ الرجل أن اللحظة مناسبة وهو من داعب شعور جميع الدول حين صرح أكثر من مرة أن المونديال القادم قد يشهد مشاركة 68 منتخبا، ناهيك عن مكافآته المالية وجوائزه الضخمة، لكن لأن الكوارث الكبرى لا تحتاج إلا إلى خطأ صغير، ظن رئيس "فيفا" أن تلك المغريات كفيلة ببيع بطولة كأس العالم نفسه!

نعم هذا ما حدث خلال الأيام الماضية حين طرح إنفانتينو مشروع شكّل انقلابا جذريا في هيكلة اللعبة، إذ أوضح إنه يريد تأسيس ذراع تجارية مستقلة تحمل اسم شركة "فيفا فور وارد إنتربرايز" وينتقل إلى تلك الشركة ملكية كافة الحقوق التجارية وحقوق البث التلفزيوني الفضائي والعمليات التشغيلية لبطولتي كأس العالم للمنتخبات وكأس العالم للأندية، وذلك تمهيدًا لفتح الباب أمام القطاع الخاص ومجموعات الاستثمار الأجنبية لشراء حصة أقلية تبلغ 20%.

وكان الطموح أن يؤدي ذلك إلى جذب سيولة مالية تقدر بنحو 4.2 مليار دولار بناء على تقييم إجمالي للمشروع بقيمة 20 مليار دولار، وكان المفترض أن يقود تلك العملية صندوق الاستثمار "ثرايف إيتيريال" المملوك لجوشوا كوشنر، ولتسويق مشروعه أكثر وعد السويسري بإغراءات مالية يسيل لها لعاب الاتحادات الـ211 الأعضاء واعدًا بمنح فورية تصل إلى 40 مليون دولار لكل اتحاد مقابل التوقيع قبل نهاية سبتمبر.

تلك "البيعة" لم تشتريها الاتحادات القارية والوطنية التي رأت في خطة إنفانتينو شركًا منصوبًا واعتبرتها خطوة أولى وتمهيدًا صريحًا لخصخصة بطولة كأس العالم وبيعها مستقبلا للشركات العابرة للقارات، ورغم تأكيد السويسري أن فيفا سيبقى هو المسيطر الأول والمستثمر لن يملك أي سلطة على القرار الرياضي أو هوية البطولة، إلا أن المعارضين أكدوا أن من سيدفع مليارات الدولارات لن يكتفي بدور بـ"المشاهد الصامت"، بل سيكون له الحق يومًا بعد يوم في فرض أجندته وتغيير مواعيد البطولات والتحكم في مصائر حقوق البث وتوجيه اللعبة برمتها لخدمة مصالحه التجارية البحتة على حساب عدالة وشعبية كرة القدم.

وسط تلك الحالة كشفت صحيفة "ذا تايمز" البريطانية المستور، إذ أعلنت أن خطة جياني إنفانتينو ليست وليدة اللحظة، بل هي مخطط في مخيلة السويسري منذ 10 سنوات وفجّرت الوثائق المسربة أن رئيس فيفا خطط لتنصيب نفسه رئيسًا تنفيذيًا للشركة الوليدة بعد انتهاء ولايته عام 2031 وسيتقاضى راتبًا فلكيًا يصل إلى 30 مليون دولار سنويًا غير المكافآت.

أمام تلك الوقائع والفضائح لم يكتفِ رؤساء الاتحادات الوطنية برفض فكرة جياني إنفانتينو خاصة بعد أن اتسعت رقعة التمرد التي خرجت من "يويفا" أول الرافضين، ثم وصلت إلى فيكتور مونتالياني رئيس اتحاد الكونكاكاف ورئيس الاتحاد الآسيوي الذي أعلن رفضه التام لتلك المخططات متوعدًا بالرد الحاسم إذ صمم إنفانتينو على المضي قدمًا.

لكن إنفانتينو لم يصمم وأعلن سحبه للخطة ظنًا منه أن الموجة العاتية قد مرت، لكنه فوجئ بأن ذلك أول الغيث، فبعد ساعات فقط أعلنت ويلز إنها ستسحب دعمها لترشح السويسري لولاية جديدة في رئاسة فيفا تمتد حتى 2031، وكذلك سارت على نفس النهج الاتحادات الوطنية لكرة القدم في صربيا والسويد، مؤكدة أنها لن ترشح "جياني"، وهي خطوة متوقعة من اتحادات وطنية كثيرة في مقدمتهم الاتحاد الإنجليزي، أما يويفا الذي يجمع تحت مظلته 55 اتحادًا كان أكثر شراسة حين أرسل خطابا إلى 18 مسئولا تنفيذيا في فيفا يطالبهم بالاحتفاظ بالبيانات والوثائق والرسائل الإلكترونية الخاصة بالخطة الجديدة، لأنها قد تكون أدلة محتملة في حالة الوصول إلى النزاع القضائي.

هكذا وجد من كان ملكًا على عرش كرة القدم منذ أسابيع نفسه في الفراغ وليس في وسعه سوى الاستغاثة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لكن الأخير لم يرد عليه بحسب الأخبار المنشورة حتى كتابة تلك السطور!

search