بين صدمة النتيجة واختبارات القدرات!
لم تكن صدمة نتائج الثانوية العامة هذا العام مجرد أرقام على شاشة هاتف أو درجات على ورقة نتيجة، بل كانت زلزالًا اجتماعيا امتدت ارتداداته إلى آلاف البيوت المصرية. عشرات الآلاف من الأسر استيقظت على حقيقة قاسية؛ أبناء وبنات اجتهدوا سنوات طويلة، ثم وجدوا أنفسهم عند حاجز الخمسين في المائة، وكأن سنوات العمر كلها قد اختُزلت في رقم لا يرحم، فتحولت الأحلام الكبيرة إلى مجرد محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
ومن هنا بدأت رحلة جديدة، أكثر قسوة من رحلة الثانوية نفسها. رحلة البحث عن نافذة أمل في كليات تشترط اختبارات قدرات، مثل التربية الرياضية، والتربية الفنية، والتربية الموسيقية، والفنون الجميلة. لم يعد الأمر اختيارا نابعا من الموهبة أو الرغبة، بل أصبح مخرجا اضطراريا فرضته المجاميع المنخفضة، التي دفعت آلاف الطلاب إلى أبواب هذه الكليات.
وفي مقدمة المشهد تقف كلية التربية الرياضية، تستقبل يوميًا آلاف المتقدمين، وكل طالب يدفع مئات الجنيهات رسومًا للاختبارات، فضلًا عن تكاليف التحويل الفوري، وتصوير المستندات، والانتقالات المتكررة، وما تتحمله الأسرة من أعباء مالية أصبحت فوق طاقتها. إنها رحلة تبدأ قبل شروق الشمس، حيث يغادر الآباء والأمهات منازلهم بعد صلاة الفجر، ليقفوا ساعات طويلة أمام بوابات الكلية، تحت حرارة أغسطس اللاهبة، في انتظار دقائق معدودة يخوض خلالها الأبناء اختباراتهم.
والمشهد خارج الأسوار لا يقل قسوة عن داخله. أولياء أمور يفترشون الأرصفة، وآخرون يبحثون عن بقعة ظل، وساعات انتظار طويلة، بينما يترقب الجميع رسالة على الهاتف المحمول قد تحمل حلمًا جديدًا أو تعلن نهاية الرحلة بكلمة واحدة: "غير لائق" أو "غير مقبول".
ولا أحد يعترض على أهمية اختبارات القدرات، فالأصل فيها أن تقيس الموهبة والاستعداد الحقيقي لممارسة المهنة، لكن التساؤلات التي تتردد بين الأسر تستحق الإجابة. هل تتم إجراءات التقييم بالقدر الكافي من الشفافية؟ وهل معايير الكشف الطبي، واختبار القوام، والمقابلات الشخصية معلنة بوضوح ويمكن للجميع الاطلاع عليها وفهم أسباب القبول أو الرفض؟ وهل توجد آلية تضمن حق الطالب في معرفة أسباب عدم اجتيازه للاختبار إذا رغب في ذلك؟
هذه الأسئلة لا ينبغي أن تُفسر على أنها تشكيك، وإنما هي دعوة إلى تعزيز الثقة في منظومة تمس مستقبل آلاف الشباب. فالشفافية ليست عبئًا على المؤسسات، بل هي الحصن الذي يحميها من الشائعات وسوء الظن.
إن ما نراه اليوم ليس مجرد أزمة قبول في كلية، بل هو انعكاس لأزمة أكبر تتعلق بمستقبل التعليم وفرص الشباب. فلا يجوز أن تتحول اختبارات القدرات إلى محطة يزداد فيها الإحباط، بعد أن كانت الأمل الأخير لكثير من الأسر. ويبقى الأمل في مراجعة كل ما يحقق العدالة، ويصون كرامة الطالب وولي أمره، ويوفر بيئة تنظيمية وإنسانية تليق بأبناء مصر، وهم يبحثون عن بداية جديدة، لا عن نهاية أخرى لأحلامهم.
الأكثر قراءة
-
أحد أقارب المتهم المتوفي يكشف تفاصيل علاقته بالقاضي المزيف (خاص)
-
موعد مباراة الأهلي وبترول أسيوط اليوم والقناة الناقلة
-
تمويل كامل وراتب شهري وتذاكر سفر.. تفاصيل أشهر منحة "تشيفنينج" 2027
-
بالأسماء.. وزير الصحة يعتمد حركة مديري ووكلاء المديريات الصحية
-
"مش عاوز يرجع ويتجاهل اتصالات النادي".. نجم الزمالك يتمرد، فهل يرحل؟
-
ممرضات يسطرن ملحمة بطولية في حريق مستشفى أورام مدينة نصر (خاص)
-
بعد إعلان طرابزون سبور عن مفاوضات صلاح.. القنوات الناقلة للدوري التركي
-
"خط أحمر".. عموتة يحدد قائمة الممنوعين من الرحيل عن الأهلي في الصيف
مقالات ذات صلة
صدمة الرسوب والمجاميع المنخفضة في نتائج الثانوية العامة
04 أغسطس 2026 10:35 ص
الإعلام الأمني الرقمي في مواجهة الفساد
27 يوليو 2026 09:05 ص
الجهاز المصري للملكية الفكرية.. انتصار للعقل المبدع
13 يوليو 2026 11:01 ص
أكثر الكلمات انتشاراً