الجمعة، 07 أغسطس 2026

12:55 م

من دوري المدارس إلى جنون طرابزون.. رحلة الـ9 ساعات التي صنعت أسطورة محمد صلاح

محمد صلاح

محمد صلاح

لم يكن المشهد في مطار طرابزون، مجرد استقبال للاعب كرة قدم، بل كان احتفالًا بأسطورة صنعت نفسها من الصفر، آلاف الجماهير احتشدت، والهتافات لم تتوقف، ومحمد صلاح نفسه وقف مندهشًا مما يراه، ليخرج هاتفه ويوثق لحظة وصفها بأنها من أعظم لحظات مسيرته. 

لكن خلف هذا المشهد التاريخي، تختبئ قصة مختلفة تمامًا، بدأت من ملاعب المدارس، ومرت برحلات يومية استمرت 9 ساعات، ولحظات إحباط كادت تنهي الحلم، قبل أن يتحول طفل من قرية نجريج إلى أحد أعظم لاعبي كرة القدم في تاريخ العرب وإفريقيا والعالم.

البداية.. عندما وُلد الحلم

كانت الانطلاقة الأولى في دوري بيبسي للمدارس، البطولة التي منحت آلاف المواهب فرصة لإثبات نفسها، وهناك بدأ اسم محمد صلاح يتردد بين الكشافين، سرعته كانت استثنائية، ومهاراته لفتت الأنظار، وشخصيته داخل الملعب جعلت الجميع يشعر أن هذا اللاعب يملك شيئًا مختلفًا عن أقرانه، ليبدأ أول فصل حقيقي في رحلة لن ينساها التاريخ.

وبعد تألقه في دوري المدارس، انتقل صلاح إلى مقاولون طنطا، وهناك واصل العمل على تطوير مستواه، حتى لفت أنظار مسؤولي المقاولون العرب، الذين رأوا فيه مشروع نجم كبير وقرروا ضمه إلى قطاع الناشئين، بالنسبة للكثيرين، كان هذا هو الإنجاز الأكبر، لكن بالنسبة لصلاح، كانت الرحلة الحقيقية قد بدأت للتو.

d4f686f0-5d92-454b-a56a-95be4216

الانتقال إلى المقاولون العرب لم يكن مجرد تغيير نادٍ، بل كان بداية مرحلة مليئة بالتحديات اليومية. فالموهبة وحدها لم تكن كافية، وكان عليه أن يثبت نفسه كل يوم وسط منافسة قوية، وفي ظروف صعبة لم يعشها معظم اللاعبين في سنه.

رحلة الـ9 ساعات التي صنعت الأسطورة

أصعب ما واجهه محمد صلاح لم يكن التدريب، بل الوصول إلى التدريب، كان يستيقظ قبل أذان الفجر يوميًا، ويغادر قريته نجريج بمحافظة الغربية في رحلة طويلة إلى القاهرة، تستغرق نحو أربع ساعات ونصف، قبل أن يخوض المران مع زملائه في المقاولون العرب.

وبعد انتهاء التدريب، كان يعود بالطريق نفسه، ليقضي نحو تسع ساعات يوميًا في المواصلات فقط. وبعد كل هذا الإرهاق، كان لا يزال مطالبًا بالمذاكرة، والحفاظ على مستواه الدراسي، ثم النوم لساعات قليلة قبل أن يبدأ اليوم التالي من جديد، في روتين استمر لفترة طويلة دون أن يفكر في التراجع.

ورغم كل هذه التضحيات، لم يكن صلاح يحصل دائمًا على المكافأة التي ينتظرها. ففي كثير من المباريات لم يكن يبدأ أساسيًا، وكان يجلس على مقاعد البدلاء بعد يوم كامل من السفر والإرهاق، وهو ما جعله يتساءل في أكثر من مرة عن جدوى كل ما يفعله.

صلاح نفسه اعترف لاحقًا بأنه كان يعود إلى منزله مرهقًا، ويسأل نفسه: "أنا بعمل كل ده ليه؟". كان سؤالًا طبيعيًا من لاعب صغير يبذل كل هذا الجهد، لكن الفارق أنه لم يسمح لهذا الإحباط بأن يتحول إلى استسلام، بل اعتبره دافعًا ليعمل أكثر ويثبت أنه يستحق الفرصة.

الأب.. البطل المجهول

في أصعب لحظات الرحلة، كان والده هو السند الحقيقي. لم يكن يملك حلولًا سحرية، لكنه كان يملك الإيمان الكامل بقدرات ابنه، وكان يحرص على دعمه نفسيًا في كل مرة يشعر فيها بالتعب أو يفكر في التوقف.

وكانت الجملة التي يرددها له باستمرار: "متفكرش في أي حاجة تانية... كمل بس." تلك الكلمات البسيطة أصبحت شعارًا في حياة محمد صلاح، وساعدته على تجاوز كل لحظات الشك، حتى تحولت إلى واحدة من أهم الرسائل التي يرويها دائمًا عند الحديث عن بداياته.

مع مرور الوقت، نجح صلاح في فرض نفسه داخل الفريق الأول للمقاولون العرب، وأثبت أنه يستحق فرصة أكبر. لم يمر وقت طويل حتى جاءت محطة بازل السويسري، التي كانت بوابة العبور إلى الملاعب الأوروبية، وهناك بدأت موهبته تجذب أنظار القارة بأكملها.

ومن بازل، انتقل إلى تشيلسي الإنجليزي، ثم أعاد اكتشاف نفسه في الدوري الإيطالي مع فيورنتينا وروما، قبل أن يصل إلى ليفربول، حيث كتب أعظم فصول مسيرته. 

هناك أصبح أحد أفضل لاعبي العالم، وحقق دوري أبطال أوروبا والدوري الإنجليزي، وكسر عشرات الأرقام القياسية، وتحول إلى رمز عالمي للنجاح والإصرار.

طرابزون.. استقبال يختصر سنوات الكفاح

بعد كل تلك السنوات، جاءت اللحظة التي اختصرت الرحلة كلها. مدينة طرابزون التركية عاشت يومًا استثنائيًا مع وصول محمد صلاح، حيث احتشدت آلاف الجماهير في المطار، وامتلأت الشوارع بالأعلام والهتافات، في مشهد أقرب إلى احتفال تاريخي منه إلى استقبال لاعب كرة قدم.

الأكثر إثارة أن صلاح نفسه بدا منبهرًا بما شاهده، فأخرج هاتفه المحمول وبدأ يوثق اللحظة بنفسه، قبل أن يؤكد أنه لم يشاهد استقبالًا بهذا الحجم طوال مسيرته. كانت تلك الصورة كافية لتلخص المسافة الهائلة بين الطفل الذي كان يقضي تسع ساعات يوميًا في الطريق، والنجم الذي أصبحت مدينة كاملة تنتظر وصوله.

رسالة صلاح لكل صاحب حلم

قصة محمد صلاح ليست مجرد رحلة لاعب احترف في أوروبا وحقق البطولات، بل هي قصة إنسان رفض أن تكون الظروف عائقًا أمام حلمه. فالمسافات الطويلة، والإرهاق، والجلوس على مقاعد البدلاء، كلها كانت محطات كادت توقف المشوار، لكنها تحولت مع الوقت إلى أسباب صنعت شخصية لا تعرف الاستسلام.

واليوم، عندما يهتف عشرات الآلاف باسمه في أي ملعب، أو تحتشد مدينة كاملة لاستقباله، يدرك الجميع أن ما يراه العالم الآن هو نتيجة سنوات طويلة من الصبر والعمل والتضحيات، وليس مجرد موهبة ظهرت فجأة.

بين دوري بيبسي للمدارس والاستقبال التاريخي في طرابزون، مرت سنوات مليئة بالتحديات والانتصارات الصغيرة التي صنعت في النهاية واحدة من أعظم قصص النجاح في تاريخ الرياضة العربية. لم يبدأ محمد صلاح من نادٍ أوروبي كبير، ولم يحصل على طريق سهل نحو المجد، لكنه امتلك شيئًا كان أهم من كل ذلك، وهو الإيمان بحلمه.

ولهذا تبقى قصة محمد صلاح رسالة ملهمة لكل شاب يسعى لتحقيق هدفه، فالبداية قد تكون بسيطة للغاية، والطريق قد يكون طويلًا وشاقًا، لكن الإصرار والعمل المستمر قادران على تحويل طفل من قرية صغيرة إلى أسطورة يهتف باسمه العالم بأكمله.

اقرأ أيضًا:

رد ناري من والد بيزيرا على أزمة نجله مع الزمالك (خاص)

search