الأحد، 09 أغسطس 2026

07:24 م

من 5 موظفين إلى قمة فوربس.. هل يلعب بيزنس ساويرس بقوانينه الخاصة؟

عائلة ساويرس في مرحلة مبكرة مع الأب المؤسس "أنسي ساويرس"

عائلة ساويرس في مرحلة مبكرة مع الأب المؤسس "أنسي ساويرس"

مع الإعلان السنويّ عن قائمة "فوربس" للأغنى مصريا وعربيا وأفريقيًّا وعالميا، يبرز اسم عائلة "ساويرس"، كواحدة من أثرى العائلات حول العالم، وسط احتفاء واسع بوجود عائلة مصرية بين كبار العالم وإمبراطورياته الاقتصادية، وأيضا تجاهل لأبسط الأسئلة الاقتصادية والقانونية: من أين لك هذا؟

يتفاخر نجيب ساويرس، رأس حربة العائلة إعلاميا، في لقاءات تلفزيونية عدة، بالبدايات المتواضعة لـ"إمبراطورية" العائلة، والتي بدأت بـ5 موظفين فقط يعملون في شركة المقاولات الخاصة بهم، مستفيدة من بيئة استثمارية تزامنت مع توجه جديد للاقتصاد المصري، فرضه الرئيس السادات، عُرف وقتها بـ"سياسة الانفتاح والخصخصة" المفصلّة على مقاس "الحيتان"، وانتهاك واضح لـ"مبدأ تكافؤ الفرص".

انفتحت عائلة "ساويرس" على مجالات استثمارية جديدة، مستفيدة من طرح شركات عدة للخصخصة بأسعار زهيدة وامتيازات غير مسبوقة، مع غيرهم، ما دفع سياسيين ومفكرين إلى وصم سياسة الخصخصة في السبعينيات والثمانينيات بـ"سياسة السداح مداح"، وسط أسئلة عن مدى تربّح هؤلاء غير المشروع على حساب "المصريين الغلابة".

مع دخول مصر في أعقاب الـ25 من يناير، أزمات اقتصادية متلاحقة، أعلن آل ساويرس نقل استثماراتهم في مصر إلى الخارج، لـ"يأخذوا الجمل بما حمل" إلى مكان آخر، مع بقاء الأسئلة القانونية والاقتصادية دون جواب واضح، وأبسطها: كيف استفادت "إمبراطورية ساويرس من الدولة المصرية عبر عقود من الامتيازات وأصولها ومشروعاتها وتوسعاتها العمرانية، وهل كانت تعامل معاملة خاصة لاعتبارات ما؟

"موبينيل" قطعة الجاتوه

orange-telecom
أسئلة كثيرة حاصرت انتقال ملكية شركة “موبينيل” إلى “أورانج” الفرنسية

في 2016، باع نجيب ساويرس "قطعة الجاتوه" المفضلة لديه، شركة "موبينيل"، وغيّرت مجموعة "أورانج" الفرنسية اسم الشركة، لكن ذلك لم يغيّر من "الاتهامات الخطيرة" التي لاحقت الشركة لسنوات. 
في مايو 2001، تقدم النائب الراحل كمال أحمد باستجواب أمام البرلمان حول ظروف التعامل على أسهم شركة موبينيل، وأثار تساؤلات بشأن عملية طرح وبيع الأسهم ودور بعض المؤسسات المالية الحكومية فيها.
اتهم الاستجواب آنذاك مشاركة بنوك حكومية وهيئة التأمينات الاجتماعية في شراء أسهم بالشركة قبل أن تعاد أجزاء من تلك الأسهم للبيع، ثم شهد السهم ارتفاعات كبيرة عقب إدراجه في البورصة.

كانت القضية، في جوهرها، تعبيرًا مبكرًا عن الجدل الذي صاحب برنامج الخصخصة المصري: هل انتقلت أصول الدولة إلى القطاع الخاص وفق قواعد تحقق للدولة والمجتمع أعلى عائد ممكن، أم أن بعض المستثمرين تمكنوا من تحقيق مكاسب استثنائية بفعل طبيعة عملية التحول الاقتصادي نفسها؟

صفقة لافارج.. الـ14 مليار جنيه التي أشعلت المواجهة

في عام 2007، باعت أوراسكوم نشاط الأسمنت التابع لها إلى شركة "لافارج" الفرنسية في صفقة دولية ضخمة قدرت قيمتها حينها بنحو 12.8 مليار دولار.

وبعد عدة سنوات، دخلت الشركة في واحدة من أكبر النزاعات الضريبية التي عرفها قطاع الأعمال المصري.
في عام 2012، طالبت السلطات الضريبية المصرية الشركة بمبالغ ضخمة مرتبطة بالمعاملة الضريبية لصفقة بيع نشاط الأسمنت. وتحدثت تقارير تلك الفترة عن مطالبة بلغت نحو 14 مليار جنيه.
في أبريل 2013، توصلت أوراسكوم للصناعات الإنشائية بالفعل إلى اتفاق تسوية مع مصلحة الضرائب المصرية يقضي بسداد 7.1 مليار جنيه على عشر دفعات خلال خمس سنوات. وسبق الاتفاق قرار بمنع أنسي وناصف ساويرس من السفر قبل أن يتم رفعه عقب التسوية، بحسب رويترز".

لكن القصة لم تنته عند ذلك الحد.

بعد تغير المشهد السياسي في مصر، أوقفت الشركة سداد إحدى دفعات التسوية، معتبرة أن الاتفاق السابق وقع تحت ضغوط سياسية، ودخل النزاع مرحلة جديدة.

والأهم، من الناحية القانونية والصحفية، أن النيابة العامة المصرية أصدرت في فبراير 2014 قرارًا بتبرئة شركة أوراسكوم للصناعات الإنشائية من اتهامات التهرب الضريبي، كما صدر لاحقًا قرار لمصلحة الشركة في النزاع الضريبي. ومن ثم، لا يمكن تقديم اتهامات عامي 2012 و2013 باعتبارها إدانة قضائية نهائية بالتهرب، وإنما باعتبارها نزاعًا ضريبيًا ضخمًا انتهى لاحقًا لصالح الشركة في مساره القانوني.

وهذه النقطة تحديدًا لا تغلق باب التساؤلات الاقتصادية؛ لكنها تنقل النقاش من الاتهام الجنائي إلى السؤال الأوسع: كيف تُدار ضرائب الشركات متعددة الجنسيات عندما تُوزع ملكياتها وهياكلها القانونية بين عدة دول؟

من مصر إلى هولندا ثم الإمارات

bus3-14
رجل الأعمال نجيب ساويرس

بالتوازي مع النزاع الضريبي، شرعت مجموعة ساويرس في إعادة هندسة هيكلها الدولي.

في يناير 2013 تأسست OCI N.V في هولندا، ثم أصبحت الأنشطة المختلفة للمجموعة موزعة عبر شبكة دولية من الشركات القابضة والتابعة.

وبمرور الوقت، أصبح استخدام هياكل الشركات المسجلة في هولندا وقبرص والإمارات وغيرها جزءًا من البنية القانونية الدولية للمجموعة.

وجود شركة في دولة منخفضة الضرائب لا يعني في ذاته وقوع تهرب ضريبي؛ فهناك فارق قانوني جوهري بين التهرب الضريبي غير المشروع والتخطيط أو التجنب الضريبي المشروع.

لكن استخدام شركات قابضة في ولايات تتمتع باتفاقيات ضريبية أو معدلات منخفضة للضرائب يثير عالميًا جدلًا حول قدرة الشركات متعددة الجنسيات على نقل الأرباح وتقليل العبء الضريبي في الدول التي يجري فيها النشاط الاقتصادي الحقيقي.

وهنا تصبح الحالة المصرية جديرة بالدراسة بصفة خاصة. فجزء ضخم من نشاط أوراسكوم للإنشاءات ظل مرتبطًا بالسوق المصرية، في الوقت الذي أصبح فيه المقر القانوني الأعلى للشركة خارج البلاد.

مصر.. السوق التي صنعت جانبًا كبيرًا من الأعمال

بعد عام 2014، دخلت مصر مرحلة من الإنفاق الواسع على مشروعات البنية الأساسية: طرق، أنفاق، محطات كهرباء، مياه وصرف صحي، سكك حديدية، مترو، ومشروعات عمرانية ضخمة.

وكانت أوراسكوم للإنشاءات أحد أبرز المستفيدين من هذه الموجة الاستثمارية.

بدأ ذلك مبكرًا بالمشاركة في مشروع قناة السويس الجديدة، ثم توسعت أعمال الشركة في مشروعات النقل والطاقة والمياه والبنية الأساسية.

وتكشف البيانات الرسمية للشركة عن حجمها الهائل؛ ففي عام 2024 بلغت إيرادات أوراسكوم للإنشاءات نحو 3.255 مليار دولار، بينما بلغت قيمة الأعمال المتراكمة قيد التنفيذ نحو 7.6 مليار دولار بنهاية العام. (Orascom Construction)

وفي 2025 واصلت المجموعة توسعها، وأنهت العام بمحفظة أعمال بلغت نحو 9 مليارات دولار وإيرادات تجاوزت 5 مليارات دولار وصافي ربح منسوب للمساهمين يقارب 195 مليون دولار. (Orascom Construction)

 الشركة رغم تحولها إلى كيان دولي ذي مقر خارجي، ظلت مصر على مدار سنوات سوقًا أساسية لأعمالها، خاصة عبر عقود البنية الأساسية والمشروعات القومية.

وهنا يظهر السؤال المركزي: إذا كانت السوق المصرية والمشروعات الحكومية تمثل عنصرًا رئيسيًا في نمو أعمال مجموعة ضخمة، فما النصيب العادل الذي يجب أن تحصل عليه الخزانة المصرية من القيمة الاقتصادية المتولدة داخل البلاد؟

إنه سؤال يتجاوز ساويرس نفسه إلى قضية عالمية تتعلق بالعدالة الضريبية، ومكان تسجيل الأرباح، والفارق بين موقع تنفيذ المشروع وموقع تسجيل الشركة المستفيدة منه.

مؤسسة ساويرس.. الوجه الاجتماعي للإمبراطورية

IMG-20251227-WA0208
مؤسسة ساويرس للتنمية الاجتماعية” الذراع الثقافي للعائلة

في المقابل، بنت العائلة منذ عام 2001 ذراعًا اجتماعية واسعة من خلال “مؤسسة ساويرس للتنمية الاجتماعية”، التي توسعت في التعليم والمنح الدراسية والتمكين الاقتصادي والثقافة والجوائز الأدبية.

أصبحت المؤسسة واحدة من أبرز مؤسسات العمل الأهلي المرتبطة بالقطاع الخاص في مصر.

هنا تتشكل مفارقة أخرى في نموذج الرأسمالية المصرية الحديثة: شركات تحقق ثروات هائلة، ثم تعيد جزءًا من تلك الثروة إلى المجتمع عبر العمل الخيري والتنموي.

لكن العمل الخيري، مهما بلغت أهميته، يظل مختلفًا من حيث المبدأ الاقتصادي عن الضرائب.

فالضريبة التزام للدولة، أما التبرع فهو قرار لصاحب رأس المال.

والدولة وحدها، عبر الموازنة العامة، يفترض أن تحدد أولويات الإنفاق العام وفق احتياجات المجتمع، بينما يحدد المتبرع بنفسه المجال الذي يريد توجيه أمواله إليه.

ومن هنا فإن العمل الأهلي لا يمكن أن يكون بديلًا عن نظام ضريبي عادل وفعال.

“ZED”.. عندما يعود سؤال تكافؤ الفرص

WhatsApp-Image-2020-02-08-at-1.09.02-AM-780x470
مشروع ZED الشيخ زايد تابع لشركة “أورا” المملوكة لنجيب ساويرس

يبرز مشروع ZED الشيخ زايد التابع لشركة “أورا” المملوكة لنجيب ساويرس كاستثمار رياضي واعد.

يضم المشروع أبراجًا يصل ارتفاع بعضها إلى 20 طابقًا، وهو ارتفاع غير مألوف في النمط العمراني التقليدي لمدينة الشيخ زايد، وقد أثار المشروع منذ الإعلان عنه جدلًا بين بعض سكان المدينة حول الارتفاعات والتخطيط العمراني. وتؤكد المصادر العقارية والتنفيذية المنشورة بالفعل وجود أبراج بالمشروع من 20 طابقًا.

يطالب كثيرون بالإفصاح عن قواعد البناء ونشر القرار التنظيمي أو الترخيص الرسمي والوثائق الحكومية الرسمية، لحسم الأمر ومعرفة ما إذا عُدلت كانت القواعد المنظمة قد عدلت خصيصًا لمصلحة ساويرس،

ليست قضية ساويرس وحده

يرى خبراء اقتصاديون أن نموذج آل ساويرس، يعكس قصة النموذج الاقتصادي المصري نفسه على مدار أكثر من ثلاثة عقود، ويكشف عن الأمراض التي يعاني منها الاقتصاد المصري، من انسحاب الدولة تدريجيًا من قطاعات اقتصادية، وخصخصة الأصول، وفتح أبواب الاستثمار أمام رأس المال المحلي والأجنبي، لتعود بعد سنوات لتقود أضخم موجة إنفاق على البنية الأساسية في تاريخها الحديث، ويجني ثمار ذلك شركات القطاع الخاص الكبرى مرة أخرى.

وفي المنتصف تكونت ثروات هائلة. هنا لا ينبغي أن يكون السؤال: هل حصلت الدولة المصرية والمجتمع المصري على نصيبهما العادل من الثروة التي ساهمت الدولة نفسها في صناعة البيئة التي أنتجتها؟

هل كانت قواعد الضرائب والخصخصة ومنح الأراضي والتراخيص والارتفاعات وعقود المشروعات الكبرى واحدة أمام الجميع؟

هل يمكن الحديث عن “تكافؤ الفرص” إذا كان النقاش يقتصر فقط على الامتيازات التي تحصل عليها الدولة، ويتجاهل الامتيازات التي حصل عليها كبار المستثمرين عبر مراحل مختلفة؟

تابعونا على

search