المستشار محمد نجيب يكتب.. عندما يصبح الحسد قاتلاً!
لم يكن المال وحده هو الضحية في جريمة التجمع الخامس، ولم تكن الأرواح الأربع لتلك الأسرة البريئة مجرد أرقام في سجل الضحايا، فهناك شيء أكثر ظلمة كان يتحرك في الخفاء!
شعور بدأ بمقارنة صامتة، ثم غيرة مكتومة، ثم حسد يراقب تفاصيل النجاح في صمت، حتى تحول إلى نار لا تبحث عن المال بقدر ما تبحث عن إطفاء نور الآخرين، وعندما يصل الإنسان إلى هذه المرحلة، يصبح قتل الضحية بالنسبة إليه محاولة لقتل الشعور بالنقص الذي يسكن داخله.
لا أحد يستيقظ صباحًا وهو قاتل.. لا أحد يحمل سكينًا أو يضغط على زناد قبل أن يحمل في قلبه شيئًا أشد فتكًا من السكين والرصاص.
كل الجرائم الكبرى تبدأ من مكان لا يراه أحد .. من قلب اتشح سواداً حتى لم يعد يتسع إلا للظلام!
هناك من يرى نجاحك فيبتسم، وهناك من يراه فيحفزه ليجتهد أكثر، لكن هناك نوعًا ثالثًا، هو الأخطر، نوع لا يتمنى أن يصبح مثلك، بل يتمنى ألا تبقى أنت، وهنا يولد الحسد.
حين يتحول الحسد إلى عقيدة
ليس ذلك الشعور العابر الذي قد يمر بأي إنسان ثم ينطفئ، وإنما الحسد الذي يتحول إلى عقيدة، إلى عدسة يرى بها العالم، فيقتنع صاحبها أن كل نعمة عند غيره هي إهانة شخصية له، وأن كل ضحكة يسمعها من بيت جاره هي تذكير بفشله، وأن كل نجاح يحققه الآخرون هو سرقة لحظه.
وعندما يصل الإنسان إلى هذه المرحلة، لا يعود يرى الناس كما هم، بل كما يريدهم أن يكونوا، منكسرين وخاسرين وضعفاء!
إن أخطر ما يفعله الحسد أنه لا يحرق الضحية أولًا، بل يحرق صاحبه.. يسرق منه النوم، ويطفئ الامتنان، ويقتلع الرضا من قلبه، حتى يصبح عاجزًا عن الاستمتاع بأي شيء يملكه، لأنه منشغل طوال الوقت بما يملكه الآخرون.
المقارنات تسيطر عليه، لماذا ينجح شقيقه أو صديقه أو جاره، لماذا يمتلك هذا البيت، لماذا تحبه أسرته، لماذا يبتسم بهذه الطمأنينة، ومع كل سؤال، تتآكل قطعة جديدة من إنسانيته، حتى تأتي اللحظة التي يظن فيها أن إزالة الشخص الذي يحسده ستعيد إليه السلام.
ويا لها من كذبة، فالقاتل لا يقتل ضحيته لأنه قوي، بل لأنه هُزم أمام نفسه، لهذا لا تكون الجريمة انتصارًا، بل إعلانًا مدويًا عن انهيار الروح.
مأساة أسرة التجمع الخامس
وحين نتابع مأساة أسرة التجمع الخامس، فإن التفاصيل الجنائية، مهما كانت قاسية، ليست أكثر ما يرعبنا، فالأكثر رعبًا هو السؤال الذي يسبقها: كم من الوقت احتاج هذا القلب حتى يتحول من صديق يعرف تفاصيل الأسرة، إلى إنسان يستطيع أن يقرر محوها من الوجود؟!
كم مرة ابتسم وهو يخفي نارًا مشتعلة، وكم مرة صافحهم بينما كان يقارن حياته بحياتهم، وكم مرة أقنع نفسه بأن زوالهم سيمنحه راحة افتقدها؟
الغيرة والحسد كانا الوقود الحقيقي لهذه الجريمة، لذا نحن لسنا أمام جريمة قتل بدافع السرقة أو الطمع فقط، بل أمام جريمة ارتكبها قلب مات قبل أن تموت الضحايا.
وهذا هو أخطر أنواع الموت، فالإنسان لا يصبح وحشًا في لحظة، بل يتنازل، كل يوم، عن جزء من رحمته.. يتنازل عن التسامح، ثم عن الرضا، ثم عن الامتنان، ثم عن القدرة على الفرح للآخرين، حتى لا يبقى داخله إلا الغل، وعندما يمتلئ القلب بالغل، يصبح كل شيء ممكنًا ..حتى القتل.
ربما لهذا لم تكن المأساة هي أن أسرة كاملة فقدت حياتها، لكن المأساة الحقيقية أن مجتمعنا بات يرى الحسد كلمة عابرة، بينما هو في الحقيقة مرض إذا تُرك دون مواجهة، قد يتحول إلى كارثة!
رحم الله الضحايا، وألهم ذويهم الصبر، ولعل هذه الجريمة تكون جرس إنذار لنا جميعًا؛ أن نحرس قلوبنا قبل أن نحرس بيوتنا، وأن نراجع ما يختبئ في نفوسنا قبل أن نبحث عن الخطر خارجها.
فالبيوت لا يهدمها الغرباء دائمًا، بل يهدمها أحيانًا إنسانٌ أكل الحسد قلبه، حتى لم يعد يرى في الحياة إلا نعمةً يجب أن تزول.
اقرأ أيضا:
الأكثر قراءة
-
براتب يصل لـ996 ألف جنيه.. سجّل على وظيفة بالسفارة الأمريكية في القاهرة
-
فتح باب الهجرة إلى إيطاليا 2026 رسميًا.. الوظائف المطلوبة وشروط عقود العمل
-
من البيت.. قناة جديدة تنقل مباريات محمد صلاح مع طرابزون
-
اللقاء المنتظر.. موعد مباراة الأهلي وبرشلونة والقنوات الناقلة مجانا
-
أسعار الذهب اليوم الثلاثاء 11 أغسطس.. عيار 21 بكام؟
-
حج القرعة 2027.. موعد التقديم و3 طرق للتسجيل وأبرز الشروط
-
موعد صرف مرتبات أغسطس 2026.. 6 طرق لقبض المرتب بدون زحام
-
"عفشها مرصوص وحجزت الفستان".. تفاصيل اللحظات الأخيرة في حياة عروس المعادي قبل غرقها
مقالات ذات صلة
خرجوا سعيا وراء الرزق الحلال.. شيخ الأزهر يعزي أسر ضحايا حادث الإسماعيلية
11 أغسطس 2026 10:50 م
لتعزيز التعاون.. رئيس هيئة الدواء يستقبل وفد شعبة محرري الصحة
11 أغسطس 2026 10:04 م
صناع الخير تشارك في أولى قوافل المرحلة الثالثة من مبادرة «إيد واحدة»
11 أغسطس 2026 09:46 م
مدبولي يوجه بصرف تعويضات لضحايا حادث الإسماعيلية من صندوق العمالة غير المنتظمة
11 أغسطس 2026 09:35 م
يخالف الشرعية الدولية.. مصر تدين اعتراف كولومبيا بسيادة إسرائيلية على الجولان
11 أغسطس 2026 09:14 م
قبل المرحلة الثانية من التنسيق.. قائمة الجامعات والمعاهد المعتمدة في مصر
11 أغسطس 2026 08:42 م
مدبولي يوجه بسرعة صرف التعويضات لأسر ضحايا ومصابي حادث الإسماعيلية
11 أغسطس 2026 08:27 م
كلية هندسة عين شمس تقدم منحا دراسية مجانية لأوائل الثانوية العامة
11 أغسطس 2026 08:18 م
أكثر الكلمات انتشاراً