حين تحارب الصحافة أوهام الصحافة
ليست الصحافة مجرد بطاقة تعلق على الصدر، ولا لقبا يشترى ببضعة جنيهات، ولا ختما يمنح لمن يدفع أكثر، ولا شهادة تستخرج من مكان لا يعرف للصحافة قانونا ولا للمهنة أصولا.
الصحافة مهنة لها حرمتها، ورسالتها، ومسؤوليتها، وتاريخها الطويل الذي دفع ثمنه أجيال من الصحفيين، ولذلك فإن مواجهة الكيانات الإعلامية الوهمية ومنتحلي صفة الصحفي ليست معركة نقابية عابرة، وإنما دفاع عن مهنة وعن مجتمع وعن حق المواطن في أن يعرف من يتحدث باسمه ومن يملك حق تقديم نفسه باعتباره صحفيا!
ما أعلنته نقابة الصحفيين من حزمة قرارات جديدة لمواجهة هذه الظاهرة يفتح الباب أمام قضية أخطر من مجرد بطاقات مزيفة أو كيانات لا سند لها من القانون. القضية تتعلق بشباب يبحثون عن فرصة، وأحلام صغيرة تكبر في نفوسهم، فيأتي من يستغل حاجتهم إلى العمل، ويبيع لهم وهما اسمه «عضوية صحفية»، أو «كارنيه إعلامي»، أو شهادة لا قيمة لها، مقابل أموال قد تكون حصيلة شهور من تعب الأسرة.!
والخطر هنا مزدوج؛ فهناك من يضلّل، وهناك من يستخدم هذا التضليل ليقدم نفسه للناس على أنه صحفي، بينما لا يعرف أحد من منحه هذه الصفة، ولا على أي أساس، ولا من يحاسبه إذا أساء إلى إنسان أو ابتز مؤسسة أو نشر خبرًا كاذبًا لأهداف شخصيا .!
ومن هنا تأتي أهمية تشكيل لجنة دائمة لمتابعة ملف الكيانات الوهمية ومنتحلي صفة الصحفي، تتولى الرصد وتلقي الشكاوى ومراجعتها واتخاذ الإجراءات القانونية. إنها خطوة مهمة قامت بها انقابة الصحفيين،لأن الظاهرة لا يمكن مواجهتها بردود الفعل المتفرقة، وإنما تحتاج إلى عين مفتوحة طوال الوقت، وإلى قاعدة معلومات، وإلى متابعة مستمرة لما يظهر من كيانات وصفحات ومواقع تمنح نفسها ألقابا ليست لها.
والأهم أن المعركة لا ينبغي أن تبقى داخل أسوار النقابة. فمواجهة هذه الكيانات مسؤولية مشتركة بين النقابة ومؤسسات الدولة والجامعات والجهات الحكومية والخاصة وكل مؤسسة يمكن أن تتعرض للتعامل مع شخص يحمل بطاقة مجهولة المصدر.
ومن القرارات المهمة أيضا تجديد مخاطبة الجهات المختصة بعدم تدوين وظيفة «صحفي» أو «محرر صحفي» في بطاقة الرقم القومي إلا بختم نقابة الصحفيين. فالمسألة هنا ليست تعقيدا لإجراءات الناس، وإنما حماية للصفة المهنية من أن تتحول إلى سلعة متاحة لكل من يستطيع دفع المقابل.!
كذلك فإن مراجعة المؤهلات الدراسية والموقف التأميني لأعضاء النقابة يجب ألا تفهم باعتبارها حملة لتصيد الأخطاء، وإنما باعتبارها محاولة لاستعادة الثقة وتنقية الجداول من أي مخالفة لشروط العضوية.!
فالنقابة التي تدافع عن حقوق الصحفيين مطالبة في الوقت نفسه بأن تحمي اسم الصحافة من أي شخص دخله بغير حق وما أكثرهم !
لكن المعركة الحقيقية لا تكتمل بالقانون وحده. هناك معركة وعي يجب أن تبدأ من الشباب أنفسهم. على كل شاب يحلم بأن يصبح صحفيا أن يسأل قبل أن يدفع: من هذا الكيان؟ هل هو قانوني؟ هل يعترف به القانون؟ هل يمنحني حقا صفة مهنية أم يبيع لي بطاقة تعلق على الحائط؟
إن أخطر ما تفعله الكيانات الوهمية أنها تسرق الحلم قبل أن تسرق المال. تبيع للشاب صورة زائفة عن المستقبل، ثم تتركه أمام واقع قاس عندما يكتشف أن البطاقة التي دفع ثمنها لا تمنحه حقا ولا حماية ولا اعترافا!
والصحفيون الحقيقيون أيضا عليهم مسؤولية كبيرة. عليهم ألا يصمتوا أمام من ينتحل الصفة، وألا يسمحوا بتحويل المهنة إلى سوق مفتوح، وألا ينظروا إلى الأمر باعتباره مشكلة تخص النقابة وحدها. السكوت عن المزيف هو، في لحظة ما، ظلم للحقيقي. وكل كيان وهمي يجد من يتعامل معه ويمنحه الشرعية الاجتماعية، يقترب خطوة من أن يصبح خطرا على الناس وعلى سمعة الصحافة.
إن نقابة الصحفيين، باعتبارها الإطار القانوني الذي يمثل الصحفيين المصريين، تؤكد من خلال هذه الإجراءات أن الصفة المهنية ليست مشاعا، وأن العمل الصحفي ليس لعبة ألقاب، وأن من يملك القلم يجب أن يملك معه المسؤولية.
نحن لا نحتاج إلى مزيد من اللافتات التي تحمل أسماء كبيرة، ولا إلى كيانات تمنح عشرات المسميات لمن يدفع. نحن نحتاج إلى صحافة حقيقية، وصحفيين حقيقيين، ومؤسسات تعرف أن احترام القانون هو أول الطريق إلى احترام المهنة.
وفي النهاية، فإن محاربة الكيانات الإعلامية الوهمية ليست حربا ضد الشباب، وإنما حرب من أجل الشباب؛ حتى لا تتحول حاجتهم إلى العمل إلى باب لاستغلالهم. وليست حربا ضد الإعلام، وإنما دفاع عن إعلام نظيف يعرف حدوده ومسؤولياته. وليست دفاعا عن مبنى أو بطاقة أو اسم، وإنما دفاع عن معنى الصحافة نفسها.
فالصحافة التي تبنى على الحقيقة لا يمكن أن تسمح بأن يُبنى حولها عالم كامل من الأوهام والسلام!
الأكثر قراءة
-
بث مباشر مباراة الأهلي ويوروبا الإسباني بشكل مجاني
-
"جبت حق مراتي".. كواليس إنهاء حياة أخ لشقيقه بالمنوفية
-
"الحب في الزنزانة".. فضيحة ضابطة إسرائيلية بإقامة علاقة مع مسجون
-
وظيفة شاغرة في الإمارات براتب يصل إلى 41 ألف جنية مصري.. الشروط وطريقة التقديم
-
عامل ينهي حياة طليقته أمام المارة في الشارع بكفر الشيخ
-
برواتب تصل إلى 50 ألف جنيه إسترليني.. سجل الآن على وظائف في بريطانيا
-
"السكة الحديد" تحذر المواطنين بعد حادث اصطدام قطار بسيارة في منوف
-
الذهب يرتفع 320 جنيهًا خلال أسبوعين.. كم بلغ سعر عيار 21؟
مقالات ذات صلة
البابل شيت.. حين تتحول وسيلة التصحيح إلى كابوس
12 أغسطس 2026 01:54 م
بين صدمة النتيجة واختبارات القدرات!
05 أغسطس 2026 11:07 ص
صدمة الرسوب والمجاميع المنخفضة في نتائج الثانوية العامة
04 أغسطس 2026 10:35 ص
الإعلام الأمني الرقمي في مواجهة الفساد
27 يوليو 2026 09:05 ص
أكثر الكلمات انتشاراً