الجمعة، 21 أغسطس 2026

04:17 ص

ما زالت مصر بخير.. رغم الترند

مصر ليست فتيات على تيك توك يرقصن من أجل زيادة عدد المشاهدات، وليست شبابًا لا نرى منهم إلا مشاهد البلطجة والعنف، كما أنها ليست كل صورة صادمة أو ترند عابر تضعه منصات التواصل أمام أعيننا.

فمصر مثل أي مجتمع في العالم؛ فيها الصالح والطالح، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول النماذج الأكثر صخبًا إلى صورة تختصر مجتمعًا كاملًا.

مع انتشار وسائل التواصل، أصبح كل شيء تقريبًا قابلًا للتحول إلى محتوى، وأي واقعة، مهما كانت بسيطة، قادرة على الانتشار في دقائق. 

وفي سباق المشاهدات واللايك والشير والريتش، لا يفرق البعض بين الغث والثمين؛ المهم أن يلفت المحتوى الانتباه ويصنع ضجة، حتى لو كان تافهًا أو صادمًا أو بلا قيمة حقيقية.

وهكذا قد تطفو على السطح نماذج لا تمثل المجتمع كله، لكنها تصبح الأكثر ظهورًا، حتى يظن البعض أن ما يراه على شاشة هاتفه هو صورة مصر.

لكن خلف هذه الشاشة ملايين المصريين الذين يعملون ويكافحون ويربون أبناءهم، ويقفون بجوار الغريب وقت الشدة، بعيدًا عن الكاميرات.

هؤلاء هم أيضًا مصر.

لذلك نحتاج إلى أن نعيد ترتيب ما نمنحه الضوء؛ وأن نعرّف أبناءنا بنماذج صنعت قيمتها في الحياة الحقيقية، لا بعدد المتابعين ولا بحجم الضجة التي أحدثتها.

فأحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى أن يكون مشهورًا حتى يصبح قدوة؛ يكفي أن تأتي لحظة الاختبار، فيجد أمامه إنسانًا يحتاج إلى المساعدة.
عندها يظهر معدن الإنسان.

ومن هنا تبدأ حكاية مصر أخرى؛ مصر التي لا تظهر دائمًا على شاشة الهاتف.

حين تكلمت المواقف

ولأن الكلام عن القيم وحده لا يكفي، فلنترك المواقف تتحدث.

أوجيني أسامة.. حين رأت طفلة في خطر

في مارس 2021، رأت أوجيني أسامة عبر كاميرات المراقبة في مقر عملها رجلًا يستدرج طفلة، فخرجت للحاق بها والتدخل لإنقاذها.

وعندما سُئلت عن سبب تدخلها، قالت إنها تخيلت الطفلة مكان ابنتها.

فأحيانًا يكفي أن ترى إنسانًا في خطر حتى تتحرك إنسانيتك.

أم أسامة.. صرخة أنقذت طفلًا

في نوفمبر 2025، رأت أم أسامة محاولة لاختطاف طفل في السويس، فصرخت واستغاثت، فاجتمع الناس وتمكنوا من إنقاذه.

لم تواجه الجريمة وحدها، لكنها فعلت الأهم:
لم تصمت.

دعاء.. حين يكون الانتباه حماية

في أغسطس 2026، لاحظ الأهالي رجلًا يستدرج الأطفال في القليوبية، فراقبوه حتى ظهر وهو يصطحب طفلًا إلى شقته.

تدخلت دعاء وجارتها وطرقتا الباب حتى خرج الطفل، وأُلقي القبض على الرجل.

لم تكن البطولة في القوة، وإنما في أن يلاحظ أحدهم الخطر وألا يقول: «وأنا مالي؟».

هيا عمر.. حين يتحول العلم إلى إنقاذ

في أغسطس 2026، كانت هيا عمر، طالبة الطب، بين المصابين في مول أرابيلا، فاستخدمت ما تعلمته وقدمت لهم المساعدة.

وبينما انشغل البعض بملابسها، رأى آخرون الأهم: طالبة تمد يدها إلى إنسان يحتاج إلى المساعدة.

أحمد مجدي ندا.. لم يكن سباحًا لكنه قفز إلى الماء

في يوليو 2026، شاهد أحمد مجدي ندا سيارة تسقط في ترعة القاصد وبداخلها أسرة وطفلة رضيعة.

قفز إلى المياه رغم أنه لا يجيد السباحة، وكسر زجاج السيارة بيديه العاريتين، وأنقذ الطفلة ثم الأم، قبل أن يخرج الأب.

كان ذاهبًا إلى عمله، فإذا به يصبح بطلًا دون أن يبحث عن البطولة.

وحيد متولي.. عندما تكون حياة إنسان أهم من حياتك

في مايو 2026، رأى وحيد متولي صقر فتاة في خطر أمام قطار يقترب، فاندفع نحوها وتمكن من إبعادها عن مساره، لكنه لم يتمكن من إنقاذ نفسه.
كان رجلًا مكافحًا يعول أسرته.

رأى إنسانًا في خطر.. فتحرك، ولم يعد.

ثلاثة أطفال.. وشباب لم ينتظروا

وفي فيصل، شاهد مجموعة من الشباب حريقًا داخل عقار وعلموا بوجود ثلاثة أطفال في الداخل.

فتسلقوا العقار وأنقذوهم.

لم يكن هناك وقت للتصفيق.. كان هناك أطفال يحتاجون إلى من ينقذهم.

هذه القصص لا تحكي فقط عن أشخاص أنقذوا آخرين، 
أشخاص لم يكن أي منهم يعرف أنه مقبل على بطولة، لكن القدر وضع أمام كل واحد منهم لحظة واحدة، وكأنه يسأله: ماذا ستفعل؟

وهنا ظهر ذلك الجندي الذي يسكن داخل الإنسان؛ ليس الجندي الذي يحمل سلاحًا فقط، وإنما كل إنسان يمتلك شجاعة التحرك عندما يكون الصمت أسهل، والمخاطرة عندما يكون التراجع أكثر أمانًا.

البطولة لا تحتاج إلى زي، ولا إلى رتبة، ولا إلى كاميرا.. تحتاج فقط إلى لحظة تكشف ما بداخل الإنسان.

هؤلاء لا تصنعهم الخوارزمية.. وإنما تصنعهم الحياة

وعلينا أن نعلم أبناءنا أن القدوة ليست بالضرورة الشخص الأكثر شهرة أو متابعة، وإنما قد تكون إنسانًا بسيطًا، لا يعرفه أحد، لكنه عندما جاءت لحظة الاختبار اختار أن يكون إنسانًا.

فالشهامة ليست ترندًا.

والنخوة ليست محتوى.

والمروءة لا تحتاج إلى هاشتاج.

هي قيم تسكن الإنسان، ولا نعرف حجمها الحقيقي إلا في اللحظة الحاسمة.

ما زالت مصر بخير.. لأن داخل ملايين المصريين ذلك الجندي الذي لا يعرفون متى سيستيقظ، لكن القدر يعرف جيدًا متى يحين موعده.

هذه هي مصر التي نعرفها.. وهذه هي مصر التي تستحق أن نعيدها إلى الواجهة.

search