الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026
08:53 م
لم تعد السوشيال ميديا مجرد مساحة للتواصل، بل تحولت إلى مسرح واسع تُعرض عليه تفاصيل الحياة، وأصبحت منصات مثل «إنستجرام» و«تيك توك» و«فيسبوك» تؤثر في اختياراتنا ونظرتنا لأنفسنا وللآخرين.
كل يوم نشاهد بيوتًا فاخرة وملابس باهظة وسيارات حديثة ورحلات ومطاعم ومناسبات قد تبدو مثالية في زمن آخر. فنبدأ دون أن نشعر في مقارنة حياتنا بحياة الآخرين. لماذا لا أعيش مثلهم؟ ولماذا لا أملك ما يملكون؟
المشكلة أن ما نراه على الشاشة ليس الحياة كاملة، وإنما لحظات منتقاة بعناية منها. صورة جميلة أو فيديو قصير قد يقدمان حياة مليئة بالرفاهية، بينما الواقع أكثر تعقيدًا بكثير.
ومع تكرار المقارنة يبدأ الإنسان في النظر إلى ما ينقصه بدلًا مما يملكه. ويتحول الاستهلاك تدريجيًا من تلبية الاحتياج إلى محاولة الظهور بصورة معينة أمام الآخرين.
لم يعد السؤال عند البعض هل أحتاج هذا الشيء؟ بقدر ما أصبح كيف سأبدو إذا امتلكته؟ وهل سيلاحظه الآخرون؟
وهنا يتحول الاستهلاك من وسيلة لتلبية الاحتياجات إلى وسيلة لإثبات الذات والمكانة الاجتماعية. الهاتف والملابس والسيارة والمطعم وحتى السفر قد تتحول من أشياء نستخدمها ونستمتع بها إلى أدوات لصناعة صورة معينة أمام الآخرين.
ومع انتشار الترند أصبح التقليد أسرع والرغبة في مواكبة الآخرين أقوى. نشتري لأن غيرنا اشترى ونذهب لأن المكان أصبح حديث الناس وننفق أحيانًا لا لأننا نحتاج وإنما حتى لا نشعر أننا أقل من غيرنا.
وهكذا لم تعد السوشيال ميديا تعرض أنماطًا للحياة فقط، بل أصبحت في بعض الأحيان تصنع معايير جديدة للنجاح والقبول الاجتماعي. معيارها الأبرز ماذا تملك وكيف تبدو وكم شخصًا يراك؟
ولا يتوقف هوس المظاهر عند الملابس والهواتف والسفر، بل امتد إلى حفلات الزفاف والمناسبات التي تحولت عند البعض إلى مساحة لاستعراض القدرة المادية بما تحمله من تجهيزات وتكاليف مبالغ فيها ثم عرض كل هذه التفاصيل على منصات التواصل أمام جمهور واسع.
بالطبع من حق كل إنسان أن يفرح ويحتفل بما يملك. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الفرح إلى استعراض، خصوصًا في مجتمع يعيش فيه كثير من البسطاء والكادحين ظروفًا صعبة ويكافحون من أجل توفير احتياجاتهم اليومية الأساسية.
والأغرب أن نسمع أحيانًا من أصحاب هذه المظاهر اتهامات لمن ينتقدها بالحسد والغيرة والحقد.
لكن السؤال هنا بسيط
من الذي وضع هذه المشاهد أمام الناس؟
أليس أصحابها هم من اختاروا تصويرها ونشرها وتحويل تفاصيلهم الخاصة إلى محتوى عام؟
ليس كل من انتقد البذخ حاقدًا وليس كل من شعر بالضيق من هذه المظاهر حاسدًا. فهناك فرق بين الحسد وبين التساؤل عن مسؤولية من يختار عرض البذخ أمام مجتمع يعاني فيه كثيرون من أجل أبسط متطلبات الحياة.
فالنعمة لا تحتاج إلى أن تتحول إلى استعراض والفرحة لا تحتاج إلى جمهور حتى تكون حقيقية.
الأخطر أن هوس المظاهر لم يغيّر سلوك الاستهلاك فقط، بل بدأ يغيّر مفهوم النجاح نفسه. فبعد أن كان النجاح يرتبط بالعلم والعمل والمهنة والمهارة والموهبة والإنتاج أصبحنا نرى نموذجًا آخر يزداد حضورًا.
الشهرة أولًا ثم المال بأسرع وقت ممكن.
أصبح السؤال عند البعض ليس ماذا أستطيع أن أقدم؟ وإنما كيف أصبح مشهورًا؟ وكيف أصنع ترند؟ وكيف أحول المتابعين والمشاهدات إلى أموال؟
وهكذا امتلأت المنصات بحسابات تبحث عن الانتشار بأي وسيلة. وأصبح بعض المحتوى يعتمد على الإثارة والصدمة واستعراض الحياة الخاصة بدلًا من المعرفة أو الموهبة أو الإبداع.
وتزداد المشكلة عندما يصبح المحتوى الأكثر إثارة هو الأكثر انتشارًا. فتتحول المشاهدات إلى مكافأة والشهرة إلى مصدر دخل ويتشكل سباق لا يتوقف
إثارة ثم مشاهدات ثم شهرة ثم مال ثم مزيد من الإثارة.
ومع سباق الشهرة ظهرت أنماط من المحتوى هدفها الأساسي جذب الانتباه حتى لو كان ذلك على حساب الخصوصية والذوق العام والقيم. فكلما كان المحتوى أكثر إثارة زادت فرص انتشاره ومع الانتشار تأتي الشهرة والإعلانات والمال.
وهنا تكمن المشكلة. عندما يصبح الوصول إلى الشهرة أهم من قيمة ما يُقدَّم يصبح الاستعراض والإثارة أحيانًا أسرع طريق إلى الأضواء بينما يتراجع أصحاب العلم والمهارة والمحتوى الهادف خلف ضجيج الترند.
والأخطر أن هذا المشهد يقدم للأجيال الجديدة رسالة غير مباشرة مفادها أن الشهرة قد تكون طريقًا أسرع للمال والمكانة من سنوات الدراسة والعمل والتخصص.
والسوشيال ميديا ليست المشكلة وحدها. فنحن أيضًا شركاء في صناعة هذا المشهد لأن كل مشاهدة وتعليق ومشاركة تمنح المحتوى مزيدًا من الانتشار.
فالمجتمع لا يصنع مشاهيره من فراغ. نحن من نتابع ونشارك ونتفاعل ونرفع أرقام المشاهدة. وكلما كافأنا المحتوى المثير حصلنا على المزيد منه رغمًا عنا.
لذلك نحن بحاجة إلى إعادة النظر في معنى النجاح الذي نقدمه لأنفسنا ولأبنائنا. النجاح ليس في امتلاك ما يراه الآخرون ولا في عدد المتابعين ولا في القدرة على إثارة الجدل، وإنما في قيمة ما يقدمه الإنسان وفي الأثر الذي يتركه من حوله.
فإذا أردنا تغيير المشهد علينا أن نبدأ من الشيء الذي نملكه جميعًا وهو اختياراتنا وما نمنحه من اهتمام.
في النهاية لم تعد المشكلة فيمن يملك ومن لا يملك ولا في أن يفرح الإنسان بنعمته، وإنما في أن يتحول البذخ إلى استعراض والاستعراض إلى معيار للنجاح ثم يُطلب من البسطاء أن يصمتوا وألا ينظروا وألا يقارنوا.
نحن أمام مجتمع يُكافئ من يلفت الأنظار لا من يستحقها ومن يصنع الضجة لا من يصنع القيمة.
والأخطر أن بعضنا لم يعد يشتري لأنه يحتاج ولا يظهر لأنه سعيد ولا يشتهر لأنه موهوب، وإنما يفعل كل ذلك حتى يراه الآخرون.
فإذا كانت الشهرة تُصنع بالمبالغة والمال يُصنع بالاستعراض والترند يُصنع بالإثارة فعلينا أن نسأل أنفسنا بصدق
ماذا نُنشئ لأبنائنا؟
مجتمعًا يقدّر من يبني ويُنتج أم مجتمعًا يكافئ من يجيد الظهور؟
فحين يصبح الظهور أهم من القيمة لا تكون المشكلة في السوشيال ميديا وحدها، بل في مجتمع بدأ يصفق للضجيج ثم يشتكي من اختفاء الصوت الحقيقي.
26 سبتمبر 2026 09:08 ص
19 أغسطس 2026 03:32 م
أكثر الكلمات انتشاراً