الجمعة، 06 نوفمبر 2026
08:02 م
لم تعد بعض المشاهد التي تتصدّر مواقع التواصل الاجتماعي مجرد خلافات شخصية عابرة، أو مشادات كلامية تنتهي بانتهاء لحظتها؛ فقد تجاوز الأمر حدود الاختلاف إلى مشاهد تتضمن ألفاظًا خادشة للحياء، وخوضًا في الأعراض، وإهانات تمسّ كرامة الإنسان واعتباره، ثم تتحول إلى مادة متداولة على نطاق واسع، وكأن الإساءة أصبحت وسيلة مشروعة لجذب الانتباه وتحقيق الانتشار.
وما يثير القلق أن هذه المشاهد لم تعد تُقابل بالرفض وحده، بل أصبحت تجد مَن يصورها وينشرها ويعيد تداولها، دون تقدير لما تحمله من إساءة إلى الذوق العام، أو لما تتركه من أثر على المجتمع، ولا سيما الأجيال التي تتابع هذه المنصات.
لقد عبّر كثير من المواطنين عن غضبهم ورفضهم لما شاهدوه، وهو ما يؤكد أن المجتمع لا يزال يملك حسًا أخلاقيًا يرفض تحويل الكرامة الإنسانية إلى مادة للفرجة والتسلية.
لا يمكن اختزال المشكلة في أشخاص يتلفظون بعبارات غير لائقة، مهما بلغت درجة تجاوزها؛ فهناك مسؤولية أخرى لا تقل خطورة، تقع على عاتق مَن حضروا وصوّروا ونشروا هذه المشاهد، وساهموا في توسيع دائرة انتشارها، بدلًا من رفضها أو التعامل معها باعتبارها سلوكًا لا يليق بمن يتصدر المشهد العام.
فليس كل ما يُقال يستحق أن يتحول إلى محتوى، وليس كل مشهد صادم جديرًا بالنشر لمجرد أنه يحقق مشاهدات. إن تصوير الإساءة وتداولها دون ضرورة مهنية أو مبرر يخدم الصالح العام قد يجعل من الناشر شريكًا في توسيع أثرها، حتى إن لم يكن هو مَن بدأها. وهنا يجب التمييز بين التغطية الإعلامية المسؤولة التي تنقل واقعة تهم الرأي العام، وبين الترويج للابتذال عبر إعادة نشر الألفاظ والمشاهد المسيئة بهدف الإثارة وجذب المتابعين.
المشكلة الحقيقية أن بعض الدخلاء على الإعلام اختزلوا العمل الإعلامي في كاميرا وميكروفون وصفحة على مواقع التواصل الاجتماعي، دون إدراك أن الإعلام مسؤولية مهنية وأخلاقية، وأن حرية التعبير لا تعني إهدار كرامة الآخرين أو تحويل الخلافات الشخصية إلى مادة للتشهير والإساءة. باتت بعض المنصات تمنح الأولوية للمحتوى الصادم والمثير للجدل، لما يحققه من انتشار ومشاهدات وتفاعل، على حساب مناقشة القضايا الجادة والالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية.
وبينما يسهم نشر بعض المقاطع، دون تقدير كافٍ لأثرها الاجتماعي والأخلاقي، في توسيع دائرة انتشار الإساءة وإعادة تقديمها للجمهور بما تحمله من إهدار للكرامة الإنسانية، يصبح من الضروري التوقف أمام مسؤولية مَن يختارون نشر هذه المشاهد والترويج لها. إن السعي وراء «الريتش» لا يمكن أن يكون مبررًا للتجاوز، ولا يجوز أن تتحول الإساءة إلى الآخرين إلى وسيلة لتحقيق مكاسب مادية أو معنوية. فالمهنية لا تُقاس بعدد المشاهدات، ولا بقوة الصوت، ولا بقدرة الشخص على إثارة الجدل؛ وإنما بقدرته على احترام عقل الجمهور وكرامة الإنسان.
وهنا يبرز سؤال آخر يطرحه المواطن المصري: لماذا لا نسمع من أصحاب هذه الأصوات العالية حديثًا جادًا عن القضايا التي تشغل الناس فعلًا؟
أين هم من ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة، ومن الأزمات الطاحنة التي تثقل كاهل المواطن؟ وأين هم من أزمات التعليم والصحة، ومن أوضاع المعاشات وأصحاب الدخول المحدودة؟ وأين مناقشة الضغوط التي تواجه الخدمات العامة والبنية التحتية، في ظل الزيادة السكانية وأعداد المقيمين واللاجئين، وما يرتبط بذلك من تحديات وأعباء تتحملها الدولة والمجتمع؟
هذه هي القضايا التي ينتظر المواطن أن يجد مَن يناقشها بجدية، ويطرح الأسئلة بشأنها، ويبحث عن حلول لها، بدلًا من إهدار الوقت والمساحة في تتبع الخلافات الشخصية وتداول الألفاظ المسيئة. فالإعلام الذي ينصرف عن هموم الناس، ويمنح الأولوية للإثارة والابتذال، يفقد دوره الحقيقي بوصفه منبرًا للتوعية والمساءلة ونقل صوت المواطن.
لم يترك الدستور المصري مسألة الكرامة الإنسانية دون حماية؛ فقد نصت المادة (51) على أن «الكرامة حق لكل إنسان، ولا يجوز المساس بها»، وأكدت المادة (65) كفالة حرية الفكر والرأي وحق التعبير عنه بمختلف الوسائل.
وهنا يجب التأكيد أن حرية الرأي والتعبير حق أصيل، لكنها لا تعني الاعتداء على حقوق الآخرين أو إهدار كرامتهم. فالدستور يحمي حرية التعبير، كما يحمي الإنسان وحقوقه واعتباره.
المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام حماية حق المواطن في التمتع بإعلام حر ونزيه، وعلى قدر رفيع من المهنية، وضمان التزام المؤسسات والوسائل الإعلامية بمعايير المهنة وأخلاقياتها.
وتحدّد المادة (70) اختصاصات المجلس في إطار تحقيق هذه الأهداف، بما يتيح له ممارسة دوره الرقابي والتنظيمي وفقًا للقانون. ويجب هنا التمييز بين المؤسسات والوسائل الإعلامية الخاضعة للقانون، والحسابات الإلكترونية الشخصية التي استثناها القانون من نطاق سريانه العام، ما لم ينص على خلاف ذلك.
وهنا يفرض نفسه سؤال لا يمكن تجاهله: إذا كانت المادة (25) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 قد استُخدمت في وقائع سابقة لاتخاذ إجراءات قانونية بحق فتيات، وُجهت إليهن اتهامات بالاعتداء على المبادئ والقيم الأسرية بسبب محتوى منشور على مواقع التواصل الاجتماعي، من بينها مقاطع رقص، فماذا عن الخوض في أعراض الآخرين، والتلفظ علنًا بألفاظ وعبارات خادشة للحياء، وتداول هذه المشاهد على نطاق واسع عبر المنصات الرقمية؟
لسنا هنا بصدد المقارنة بين أشخاص أو وقائع مختلفة، ولا المطالبة بتطبيق عقوبة بعينها على أحد، وإنما نطرح سؤالًا مشروعًا عن اتساق معايير حماية القيم والآداب العامة والكرامة الإنسانية، وعن مدى خضوع الجميع لمعيار واحد في تطبيق القانون، دون انتقائية أو تمييز. فإذا كانت القيم الأسرية والأخلاقية تستحق الحماية القانونية، فإن كرامة الإنسان وحرمة عرضه تستحقان الحماية ذاتها، بل إن الاعتداء على الأعراض والإساءة اللفظية العلنية لا ينبغي أن يُنظر إليهما باعتبارهما مجرد مادة للضحك أو المشاهدة أو تحقيق الانتشار.
إن احترام القانون لا يكتمل إلا بتطبيقه على الجميع، وفقًا لطبيعة كل واقعة وأركانها القانونية؛ فلا يجوز أن تتحول بعض الأفعال إلى قضايا رأي عام ومساءلة قانونية، بينما تمر تجاوزات أخرى تمس كرامة الإنسان واعتباره دون نقاش جاد حول المسؤولية والمحاسبة.
إن ما نطرحه ليس خصومة مع شخص، ولا محاولة لمصادرة حرية الرأي أو التعبير، وإنما استغاثة من مواطنين يرون أن بعض المنابر خرجت عن دورها، وأن الإساءة أصبحت تُسوّق باعتبارها محتوى، وأن كرامة الإنسان باتت أحيانًا أقل قيمة من مشاهدات تحققها مقاطع صادمة.
نناشد سيادتكم التوجيه بدراسة هذه الظاهرة، والعمل من خلال المؤسسات والجهات المختصة على تفعيل القوانين والضوابط المنظمة للعمل الإعلامي، ومواجهة مظاهر الابتذال والتشهير وانتهاك الكرامة الإنسانية، مع الحفاظ الكامل على حرية التعبير وحق النقد المشروع. كما نطالب بأن يكون هناك اهتمام جاد بمراجعة أداء مَن يتصدرون المشهد الإعلامي دون التزام بالمعايير المهنية والأخلاقية، وألا يُترك المجال مفتوحًا أمام مَن يتعاملون مع الإساءة باعتبارها وسيلة للانتشار وتحقيق المكالمكاسب.
إننا لا نطالب بإعلام يصفق للسلطة، ولا بمنابر تكمم الأفواه أو تمنع النقد؛ بل نريد إعلامًا يحترم عقل المواطن وكرامته، ويناقش أزماته الحقيقية، ويمنح الأولوية لقضايا الناس بدلًا من المتاجرة بخلافاتهم وخصوصياتهم.
نريد إعلامًا يقدم الاختلاف دون ابتذال، ونقد دون أن إهانة، ونقل للحقيقة دون أن يتحول إلى أداة للتشهير أو منصة لتصفية الحسابات.
فالكلمة مسؤولية، والصورة مسؤولية، والمنبر الذي لا يحترم كرامة الإنسان لا يمكن أن يؤدي رسالته تجاه المجتمع.
فهل تتحرك الجهات المعنية لوضع حد لهذا الانحدار، أم سيظل خطاب سلاطة اللسان صوته أعلى من القانون والضمير والأخلاق؟
01 نوفمبر 2026 08:41 ص
28 أكتوبر 2026 10:50 ص
23 أكتوبر 2026 08:53 ص
22 أكتوبر 2026 11:37 ص
أكثر الكلمات انتشاراً