السبت، 26 سبتمبر 2026

02:34 م

السبت، 26 سبتمبر 2026

02:34 م

للصمت موعد ينتهي حين ترى مصر أن وقت الرد قد حان

مصر لا تقبل المساومة، ولا تنحني لأسلوب ليّ الذراع، مهما تعددت الضغوط وكبرت التضحيات، وقد يخطئ البعض حين يظن أن صمت القاهرة تراجع، أو أن صبرها ضعف، أو أن منح السياسة والدبلوماسية وقتها يعني أن الدولة لا ترى ما يدور حولها.

مصر ترى.. وتراقب.. وتحسب كل شيء بدقة.

فالدولة التي تعرف قيمة الحرب، تعرف أيضًا قيمة ألا تبدأها بلا حساب، والدولة التي تمنح الدبلوماسية فرصتها كاملة، لا يعني ذلك أنها نسيت ما حدث أو تنازلت عن حقها.

لكن للصبر حدودًا، وللتجاوز ثمنًا، وهناك لحظة يصبح فيها الرد ضرورة لا انفعالًا.

والتاريخ المصري يحمل في طياته أكثر من دليل على ذلك.

ثلاثة مشاهد تفصل بينها سنوات طويلة، اختلفت فيها الظروف واختلف الأطراف، والقادة، لكن يجمعها شيء واحد: أن مصر قد تصمت طويلًا.. لكنها لا تنسى دماء أبنائها، ولا تسمح بأن تتحول كرامتها وأمنها إلى ورقة ضغط في يد أحد.

من لارنكا.. إلى لوكا.. وصولًا إلى ليبيا

ثلاثة مشاهد تكشف كيف يكون صمت مصر حكمة، ومتى تتحرك حين يصبح التحرك ضرورة.

وهنا تبدأ الحكاية.

المشهد الأول: لارنكا 1978

في 18 فبراير 1978، كان الكاتب والسياسي المصري يوسف السباعي في قبرص للمشاركة في مؤتمر التضامن الأفرو-آسيوي، قبل أن تتحول زيارته إلى واحدة من أكثر الوقائع دموية في تاريخ العلاقات المصرية القبرصية.

داخل فندق هيلتون في نيقوسيا، أطلق مسلحان فلسطينيان النار على يوسف السباعي، فأردياه قتيلًا.

لم يكن السباعي مجرد كاتب معروف؛ فقد كان شخصية سياسية بارزة، وشغل منصب وزير الثقافة، وكان من المقربين للرئيس أنور السادات، كما رافقه في زيارته إلى القدس عام 1977.

بعد اغتياله، احتجز المسلحان عددًا من المشاركين في المؤتمر كرهائن، ثم اقتاداهم إلى طائرة وتوجها بها إلى مطار لارنكا في قبرص.

هنا تحركت مصر.

أرسلت قوة من قواتها الخاصة، في محاولة لإنهاء أزمة الرهائن وإعادتهم إلى مصر.

لكن العملية لم تجرِ وفق الخطة المصرية.

فالقوة المصرية تحركت دون تنسيق مسبق مع السلطات القبرصية، التي كانت تتفاوض مع الخاطفين.

وبمجرد وصول القوة المصرية إلى الطائرة، اندلع اشتباك مع قوات الحرس الوطني القبرصي، بعدما اعتقد الجانب القبرصي أن القوة المصرية تمثل خطرًا على العملية.

وخلال الاشتباك، قُتل 15 من أفراد القوة المصرية  وانتهت أزمة الرهائن باستسلام الخاطفين للسلطات القبرصية.

كانت النتيجة مأساوية، لكن لارنكا تركت خلفها مشهدًا شديد الدلالة: مصر تحركت لإنقاذ رهائنها بعد اغتيال أحد أبرز رموزها، إلا أن غياب التنسيق حوّل عملية الإنقاذ إلى مأساة بين قوات مصرية وقبرصية.

ومن هنا نصل إلى المفارقة التي تقودنا إلى المشهد التالي:فالمنظمة التي اغتالت يوسف السباعي هي نفسها التي ستظهر بعد سبع سنوات في عملية اختطاف رحلة مصر للطيران 648.

ولفهم ما حدث في لارنكا، وما سيأتي بعدها في لوكا، لابد من معرفة المنظمة التي وقفت وراء العمليتين بعد سنوات من النفي الفلسطيني والتعتيم الإعلامي.

منظمة أبو نضال، أو «فتح–المجلس الثوري»،

أسسها صبري البنا، المعروف باسم «أبو نضال»، عام 1974 بعد انشقاقه عن حركة فتح.

اتخذت المنظمة من العراق مقرًا لها منذ تأسيسها وحتى 1983، ثم انتقلت إلى سوريا، قبل أن تنتقل إلى ليبيا عام 1987، حيث حظيت بدعم النظام الليبي لسنوات.

وجاء ذلك في مرحلة شديدة التوتر عربيًا، خصوصًا بعد توقيع مصر معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979، حين دخلت القاهرة في مواجهة سياسية حادة مع عدد من الدول العربية، وفي مقدمتها العراق وسوريا وليبيا، التي كانت من أبرز الرافضين لسياسة السادات.

وفي هذا المناخ، تحركت منظمة أبو نضال بين هذه العواصم، مستفيدة من حالة الانقسام والصراع الإقليمي التي سادت المنطقة آنذاك.

وبعد سنوات من النشاط المسلح، صنفت الولايات المتحدة المنظمة منظمة إرهابية أجنبية عام 1997، ويشاع وفاة مؤسسها أبو نضال في بغداد عام 2002.

والآن نعود إلى الحكاية.

بعد سبع سنوات من لارنكا، كانت منظمة أبو نضال على موعد مع مصر مرة أخرى.

المشهد الثاني: لوكا 1985

في 23 نوفمبر 1985، وبعد سبع سنوات من لارنكا، اختُطفت رحلة مصر للطيران رقم 648 بعد دقائق من إقلاعها من أثينا متجهة إلى القاهرة.

كان على متن الطائرة 92 راكبًا و6 من أفراد الطاقم، اختطفها ثلاثة مسلحين من منظمة أبو نضال، وأجبروها على الهبوط في مطار لوكا بمالطا.

حاول ضابط الأمن المصري مصطفى كمال مقاومة الخاطفين، وتمكن من إطلاق النار على أحدهم، قبل أن يُقتل هو نفسه.

وخلال ساعات الاحتجاز، أطلق الخاطفون النار على عدد من الركاب، بينهم أمريكيون وإسرائيليون، قبل أن تقتحم قوات مصرية خاصة الطائرة في اليوم التالي لإنهاء عملية الاختطاف.

انتهت العملية بمقتل اثنين من الخاطفين، بينما نجا عمر محمد علي رضاك، وأُصيب وأُلقي القبض عليه. وأسفرت عملية الاختطاف ومحاولة تحرير الطائرة عن مقتل نحو 60 شخصًا.

حُوكم رضاك في مالطا وصدر بحقه حكم بالسجن 25 عامًا، لكنه أُفرج عنه بعد نحو سبع سنوات. وبعد خروجه، أُلقي القبض عليه في نيجيريا وسُلّم إلى الولايات المتحدة، حيث حُكم عليه عام 1996 بالسجن المؤبد على خلفية اختطاف الرحلة.

لارنكا كانت إنذارًا.. ولوكا كانت مواجهة أخرى بين مصر ومنظمة أبو نضال الإرهابية.

المشهد الثالث: ليبيا 2015

في 15 فبراير 2015، لم يكن المصريون أمام خبر جديد عن الإرهاب، بل أمام مشهد دموي صادم: تسجيل مصور لتنظيم داعش الإرهابي في ليبيا يوثق ذبح 21 مصريًا قبطيًا اختُطفوا هناك.

انتشر الفيديو، واشتعل الغضب في مصر.

وفي تلك اللحظات، ألقى الرئيس عبدالفتاح السيسي كلمة واضحة ومباشرة، وقال إن مصر تحتفظ بحقها في الرد بالأسلوب والتوقيت المناسبين

الجملة كانت واضحة.. لكن ما لم يكن واضحًا لأحد هو كيف ومتى سيكون الرد؟

كان من الطبيعي أن يتوقع المصريون وغيرهم أيامًا من التحرك السياسي، والاجتماعات، والاتصالات، وربما انتظارًا طويلًا قبل أي خطوة عسكرية.

لكن مصر اختارت أن تجيب بالفعل لا بشيء أخر .

وفي الساعات الأولى من فجر 16 فبراير، كانت الطائرات المصرية تنفذ ضربات جوية ضد مواقع لتنظيم داعش في ليبيا، بالتنسيق مع الجانب الليبي، مستهدفة معسكرات تدريب ومخازن أسلحة وذخائر.

لم تكن المسألة مجرد ضربة عسكرية؛ كانت رسالة وصلت في التوقيت الذي اختارته القاهرة.

21 مصريًا قُتلوا في ليبيا.. وفي اليوم التالي كان الرد المصري فوق ليبيا.

وبعدها بأيام، قال الرئيس عبد الفتاح السيسي: «إن القوات المسلحة قامت بما ينبغي القيام به ردًا على قتل المصريين، وإنه لم يكن قادرًا على تقديم التعازي إلا بعد أن قامت القوات المسلحة بالثأر وبمنتهى الحسم والقوة»

هنا لا نتحدث عن لارنكا، حيث تعقدت عملية إنقاذ الرهائن، ولا عن لوكا، حيث دخلت مصر في مواجهة لتحرير طائرة مختطفة.

هنا كان المصريون قد قُتلوا بالفعل..

فجاء الرد قويًا مدويًا.

لارنكا.. لوكا.. ليبيا!

ثلاثة مشاهد تفصل بينها عقود، اختلفت فيها الظروف والأدوات، لكن ظل بينها معنى واحد:

مصر قد تصبر.. وقد تمنح السياسة والدبلوماسية وقتها.. لكنها حين ترى أن وقت الرد قد حان، لا تجعل أحدًا ينتظر طويلًا.

في النهاية

قد تتغير السنوات، وتتبدل الوجوه والخرائط والتحالفات، لكن هناك أشياء لا تتغير.

مصر قد تصبر.. لكنها لا تنسى.

قد تفاوض.. لكنها لا تتنازل عن حقها.

وقد تصمت.. لكن صمتها ليس غفلة.

ثلاثة مشاهد تقول إن الدولة التي تعرف متى تصبر، تعرف أيضًا كيف ومتى يكون الرد

ولهذا، لا تُخطئوا قراءة الهدوء المصري..

فوراء الصمت حساب، ووراء الصبر قرار، وحين يأتي وقت القرار.. لا يكون الصدى هو المهم، بل الفعل.

هذه ليست حكايات تُروى للتاريخ..

إنها مشاهد حقيقية عاشتها مصر، وصنعت ذاكرة دولة تعرف كيف تكتب التاريخ.. دولة اسمها مصر.

رابط مختصر

تابعونا على

title

مقالات ذات صلة

search