الأربعاء، 26 أغسطس 2026

11:32 م

حدث تاريخي.. هل تعيد مصر والصين رسم قواعد اللعبة؟

 الشراكة الاستراتيجية الصينية المصرية

الشراكة الاستراتيجية الصينية المصرية

في عالمٍ تتسارع فيه التغيّرات وتتداخل الأزمات، من اضطراب سلاسل الإمداد إلى إعادة رسم موازين النفوذ، تبدو الزيارة المرتقبة بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني شي جين بينغ أكثر من مجرد محطة دبلوماسية؛ إذ تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة القاهرة وبكين على تحويل التحديات الدولية إلى فرص أوسع للتنسيق وتحقيق مكاسب مشتركة.

استثمارات صينية وتنمية مصرية

عضو لجنة آسيا وعضو اللجنة الاقتصادية بالمجلس المصري للشؤون الخارجية، الدكتور ضياء الدين حلمي، وصف اللقاء المرتقب بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني بـ“الحدث التاريخي”، معتبرًا أن أهميته تتجسّد في  خطورة توقيته الحساس على الساحة الدولية، وفي انعكاساته السياسية والاقتصادية.

وفسّر حلمي لـ"تليجراف مصر" أن دلالة الزيارة تتبلور في أن العالم يمر بأزمات كبرى أثّرت على الجميع، ومن بينها مصر والصين، لذا بات تبادل الخبرات والمشاورات الرئاسية ضرورة عملية؛ إذ تعكس الزيارة حرص السيسي وشي جين بينغ على التنسيق لفتح آفاق واسعة للتعاون الثنائي بين مصر والصين.

عضو اللجنة الاقتصادية بالمجلس المصري للشؤون الخارج
عضو اللجنة الاقتصادية بالمجلس المصري للشؤون الخارجية، الدكتور ضياء الدين حلمي

وأكد أن مصر والصين تمثلان أقدم حضارات البشرية؛ حيث ترتبطان بجسور ثقة تاريخية؛ لذلك تأتي الزيارة الحالية في سياق الحفاظ على مسارات التنمية والمكتسبات التي تحققت خلال العقد الماضي، لا سيما بعد تولي شي جين بينغ مسؤولياته عام 2013 وتولي السيسي عام 2014 في ظروف معروفة.

ورأى حلمي أن مصر الجديدة، الجمهورية الحاملة للآمال والاستقرار، تستدعي تنسيق المواقف سياسيًا؛ لتوحيد الرؤى والحفاظ على البلدين والشعبين ومسارات التنمية المستدامة، وتتجسّد هذه الدلالة في شراكة استراتيجية تركز بالأساس على التعاون الاقتصادي؛ إذ يبقى الاقتصاد عصبَ الحياة ومحركَ التقدم.

عضو اللجنة الاقتصادية بالمجلس المصري للشؤون الخارجية، أوضح أن الشراكة الاستراتيجية الصينية المصرية تتجسّد بأرقام ومبادرات ملموسة؛ فمع نحو 10 مليارات دولار استثمارات صينية مباشرة ووجود 3000 شركة صينية كبرى تعمل في مصر، تأخذ العلاقات بُعدًا عمليًا، وتؤكد العمق الاقتصادي بين البلدين؛ حيث شهد 17 أغسطس 2026 توقيع اتفاقيات تصدير بين 17 شركة مصرية وصينية بقيمة تقارب 170 مليون دولار، ما يمثل بداية واعدة لتوطين الصناعة واستقبال التكنولوجيا الصينية المتقدمة، تليها خطوة التصدير حتى إلى السوق الصينية التي رحّبت بهذه البضائع، في مناخ استثماري جاذب يدعم تعزيز الشراكة الاستراتيجية. 

مصر بوابة الأسواق الأفريقية

ونوه حلمي إلى أن مصر لا تمثل للصين سوقَ استهلاك فحسب؛ بل أصبحت قاعدةً صناعيةً كبرى؛ حيث تحوّل توطين الصناعة إلى استراتيجية راسخة برؤية القيادة السياسية التي طرحها الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ البداية، وبالتالي تفتح آفاقًا للمهندس والفني والعمالة المصرية المدربة للتنافس عالميًا عبر مصانع وصناعات على أرض مصر، كما أن مصر لها أهمية قصوى لدى الصين؛ لكونها بوابة أساسية لأفريقيا، إلى جانب حضورها القوي في القارة منذ منتصف القرن الماضي.

وأفاد بأنه إضافة إلى ذلك، تحضر مصر في كل الاتفاقيات الكبيرة مع أفريقيا (الكوميسا، الإيكواس، أغادير وغيرها)، ولذلك أصبح إرسال البضائع والمنتجات المصنّعة بتكنولوجيا صينية من مصانع على أرض مصر إلى الأسواق الأفريقية أمرًا يسيرًا.

كما أضاف أنه بفضل الاتفاقيات المصرية العربية تتحول مصر من مجرد سوق استهلاكية إلى مركز يستقبل التكنولوجيا الصينية بأيدٍ عاملة ومهندسين مدرَّبين وكفاءات سريعة التعلم بتكاليف مناسبة، ما يمكّن تصدير المنتجات المتقدمة من مصر إلى الأسواق العربية والأفريقية.

تكنولوجيا صينية لنهضة مصر

وشرح حلمي أن مصر ترى في الصين شريكًا استراتيجيًا وداعمًا سياسيًا لقضاياها العادلة، وبما أن الصين تُعرف بـ"مصنع العالم" فإنها تُمثل مصدرًا للتكنولوجيا المتقدمة التي تحتاجها سياسة توطين الصناعة في مصر، وبالتالي يصبح النقل التكنولوجي والتعاون الصناعي أمرًا حيويًا، فلا توطين حقيقيًا دون نقل تقني يسهم في بناء القدرات المحلية.

7c11ce43-c8b0-4e9a-92ac-53c5414ccdc9
شراكة استراتيجية تؤسس للتنمية

وتابع: "الصين تأتي بالتكنولوجيا طواعية، مانحةً "سرّ الصنعة"، ليصبح المنتج مشتركًا مصريًا صينيًا"، كما يسهّل نقل الخبرات الصينية تطوير الإنتاج المصري في ظل مناخ استثماري جاذب وتصدير بأرقام غير مسبوقة.

وأشار حلمي إلى أن مصر تنظر إلى الصين بوصفها شريكًا وصديقًا يحمل تكنولوجيا هائلة تمكّن تحويل توطين الصناعة من شعار إلى واقع؛ فالأمر ليس مجرد مشروعات صينية في مصر، بل نقل للتطور الصيني في مجالات عدة من الأجهزة المنزلية وأجهزة الكمبيوتر وهواتف المحمول إلى السيارات التقليدية والكهربائية، عبر شراكة مصرية صينية تقوّي قدرة مصر كأول دولة في أفريقيا والعالم العربي على توطين الصناعة وتصديرها، ما يحقق مصالح مشتركة ومعادلة إيجابية للجميع.

شراكة استراتيجية تؤسس للتنمية

الواقع السياسي يشير إلى تنافس متصاعد وحاد بين الصين والولايات المتحدة، ما يدفع بكين، من حق مشروع، للبحث عن أسواق بديلة عن أسواق قد تُغلَق في وجهها، وإذا كانت هذه الأسواق في أفريقيا والشرق الأوسط، فمصر تبقى البوابة الكبرى إلى هاتين المنطقتين، حسب عضو اللجنة الاقتصادية بالمجلس المصري للشؤون الخارجية.

وفسّر حلمي أنه بناءً على كل ما سبق، ومع امتداد جسور الثقة والتعاون الاقتصادي بين مصر والصين، تبرز أيضًا ميزة مصر الأساسية من تراكمات حضارية وصناعية وتجارية وإدارية وثروة بشرية مؤهلة؛ إذ تحولت الموارد البشرية إلى رأس مال فعلي مع تعداد سكاني مهم يضم مهندسين وكوادر فنية مؤهلة، ما يجعل مصر بيئةً ملائمةً لتوطين التكنولوجيا والصناعة وجسرًا فعالًا لتصدير المنتجات إلى الأسواق الأفريقية والعربية.

ba7eafdc-abae-413a-aa5b-99dd295a2f5c
التعاون الاقتصادي بين مصر والصين

ونفى أن مصر والصين تسعيان للصدام مع أحد، بل لكل منهما مصالح مشروعة، لأن مصر بدورها لا تختار طرفًا على حساب آخر؛ إذ تمثل سياستها الخارجية توازنًا استراتيجيًا يُحتذى به، محافظًا على علاقات طيبة مع الولايات المتحدة وأوروبا، وشراكات قوية مع الدول العربية والأفريقية، بما يخدم مصلحة الدولة والشعب وحقهما المشروع في التنمية.

توطيد العلاقات في زمن الأزمات

ويرى عضو اللجنة الاقتصادية بالمجلس المصري للشؤون الخارجية، أن الزيارة واللقاء التاريخي بين الرئيسين عبد الفتاح السيسي وشي جين بينغ لهما مكاسب غير محدودة؛ إذ يأتيان كزعيمين في توقيت عالمي بالغ التعقيد؛ فالأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية غير المسبوقة، إلى جانب التكنولوجيا المتقدمة التي يستغلها الإرهاب، وتعطّل سلاسل الإمداد في الطاقة والغذاء، والحروب ونقاط التوتر الإقليمية مثل الصراع الروسي الأوكراني ومضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس وبحر الصين الجنوبي، كل ذلك يجعل من التنسيق بين القيادتين أمرًا ذا بعد تاريخي ودولي وحاجة ملحّة في هذا المناخ الحرج.

واختتم حلمي تصريحاته قائلًا إن الأمر أوسع من اتفاقيات ومذكرات تفاهم؛ فهو بناء علاقات استراتيجية جادة، وفي الوقت ذاته دفع لمبادرة الجنوب التي تسعى إلى إقامة علاقات مالية أكثر عدلًا بدل هيمنة الشمال الغني على الجنوب الفقير، ومن ثم أرى أن العقد المُقبل سيشهد تعاونًا قويًا بين مصر والصين يصبّ في مصلحة الدول النامية ودول الجنوب، وقد يمهّد لنظام مالي عالمي أكثر عدالة يكفل للناس حقوق الحياة الكريمة والتنمية والتقدّم.

اقرأ أيضًا: 

من المقلّد إلى المصري والبراندات.. الكل يشتكي بمرارة في "سوق السبلايز"

حسابات الألعاب.. سوق خفية بملايين الجنيهات خلف الشاشات