الخميس، 27 أغسطس 2026

06:54 م

صوت يصرخ في انتظار الفرج.. كيف يعيش النازح داخل خيام غزة؟ (خاص)

أهالي غزة

أهالي غزة

“أصعب شيء في العالم هو أن تعيش داخل خيمة” لم تكن المواطنة الفلسطينية “أ.م” البالغة من العمر 33 عامًا، تتحدث عن مأوى مؤقت حين وصفت حياتها بهذه الكلمات؛ كانت تصف حياةً موحشةً، غدت فيها الخيمة منزلاً، والطعام والماء والدواء هواجس يومية، بعد أن كانت من أبسط ما يستقيم به معاشها، فيما فقد العيد طعمه، ولم يعد للروتين صورته القديمة الهادئة.

بالنسبة للمواطن الغزاوي، لم تعد تفاصيل حياته اليومية كما كانت قبل الحرب؛ فمع الاستيقاظ من النوم، يبدأ تحديه مع الحياة، من الأسئلة البسيطة في ظاهرها، التي ليس لها إجابات في كثير من الأحيان: ماذا سنأكل؟ من أين نحصل على المياه؟ كيف نواجه الحر؟ كيف نستطيع النوم دون فزعة؟

وبين الخيام، يبحث النازحون وهم محملون بثقل هذه الأسئلة، عن أبسط احتياجاتهم من الطعام والدواء والمياه، وغيرهم، بينما يحمل كثير منهم خسارات لا يمكن تعويضها.

أساس الحياة .. طعام اليوم.. إن توفر

تروي "أ.م" لـ"تليجراف مصر" روتين أسرتها اليومي في تحصيل الطعام ، فتقول إنه أصبح رهنًا بما يتوفر من شحنات المساعدات، مضيفة: “حال تمكنا من الحصول على قوت يومنا من التكية أكلنا، وإلا فلا”.

وأضافت أنه منذ انقطاع التكية لنحو أسبوعين، لم تجد أسرتها ما تأكله، في ظل عدم وصول المساعدات بالكميات الكافية.

وهنا، تبادر إلى ذهننا سؤال مهم، ماذا لو غابت تكيات الطعام؟ لتجيب النازحة بأن أسرتها تضطر في هذه الحالة إلى الاعتماد على ما يتوفر لديها من البقوليات، مثل العدس، إلى جانب الطحين، لتصبح المعجنات في كثير من الأحيان قوت يومهم، في ظل ارتفاع أسعار المواد الغذائية وصعوبة الحصول على أصناف أكثر تنوعًا.

روح الحياة.. النوم في حياة المواطن الغزاوي

وفي حالة أخرى، لم تكن الخيمة وحدها ما غيرت في حياة المواطن "أ.ض"؛ فقد تعرض منزله للهدم، وأصيب عدد من أبنائه، فيما فقد زوجته وابنته وحفيدته خلال الحرب.

ووصف المواطن الحياة داخل الخيمة بأنها صعبة للغاية، موضحًا أن النوم لم يعد يحمل الراحة، بسبب القصف وإطلاق النار، إلى جانب الحر الشديد وكثرة الحشرات والجرذان، فضلًا عن عدم توافر فرشات ووسائد كافية للمبيت.

WhatsApp Image 2026-08-27 at 5.45.06 PM
 بيت المواطن “أ.ض”  بعد تدميره من قبل جنود الاحتلال خلال الحرب على غزة

كما أشار المواطن إلى أن  أكثر ما يرهقه هو وأسرته يوميًا، هو صعوبة توفير الطعام والمياه، خصوصًا في ساعات الصباح، مشيرًا إلى أن معظم ما يتناولونه حاليًا هو من المعلبات التي تصل إليهم عبر  شحنات المساعدات.

وعن أكثر ما يشتاق إليه من حياته قبل الحرب، قال: "حياتي في بيتي ومع أسرتي جميعًا"، مضيفًا: "للأسف، كما قلت سابقًا، فقدت الكثير، والعوض من الله تعالى".

 نبض الحياة.."شربة ماء" وبالكاد نجدها 

أما المياه، فقد أجمع مواطنون استمعت إليهم “تليجراف مصر” ضمن حديث واسع، على أن الحصول على المياه يمثل أزمة أخرى تضاف إلى يوميات الأسرة، قائلين إنهم يعانون من الحصول على “شربة ماء”.

 بينما لا يتاح لبعض الأسر الحصول على المياه من السيارات سوى مرتين في الأسبوع، وهو ما يجعل تأمين احتياجات الأسرة منها مهمة شاقة، فضلاً عن نقصها سواء مياه الاستخدام اليومي أو مياه الشرب، إلى جانب صعوبة تصريف المياه.

وفي محيط الخيام، تواجه الأسر أزمة أخرى؛ فالمكان الذي يعيش فيه النازحون تنتشر فيه القوارض والبعوض والحشرات، ما يتسبب في أذى جلد الأطفال، ما يجعل البيئة المحيطة بالخيام بأنها صالحة "للحيوانات" بالمعنى الحقيقي، وليست للإنسان.

العلاج والتعليم.. أزمات أخرى

لم تسلم الاحتياجات الصحية من تأثير الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة؛ حيث أوضحت نازحة بمنطقة الواسطة أن السكان يلجؤون إلى عيادات قريبة للحصول على الفحص مجانًا، إلى جانب الأدوية اللازمة للعلاج، ومن بينها عيادة "إنقاذ الطفل".

لكن أسعار الأدوية، وفق شهادتها، شهدت هي الأخرى ارتفاعًا كبيرًا منذ اندلاع الحرب؛ فتقول إن شريطًا يضم 5 حبات من الأقراص المسكنة كان يبلغ سعره نحو 5 شواكل قبل الحرب، بينما وصل سعره خلال الحرب إلى 20 شيكلًا.

WhatsApp Image 2026-08-27 at 5.55.05 PM
إحدى النازحات التي تحدثت إليهم تليجراف مصر

وتشير النازحة إلى أن ارتفاع أسعار الدروس الخصوصية، التي وصلت إلى 150 شيكلًا للحصة الواحدة، إلى جانب عجزها عن سداد تلك التكاليف، أدى إلى انقطاع أبنائها عن التعليم.

أما عن الكهرباء، فليس لها وجود في غزة منذ اندلاع الحرب، وتحاول النازحة الحفاظ على اتصالها بالعالم الخارجي من خلال التقاط شبكات إنترنت مجاورة،  عرفت كلمة مرور إحداها “مصادفةً”.

بيت مهدّم وأسرة فقدت أفرادًا

لم نكتفِ بالاستماع إلى شهادات الكبار، فبينما يحاول الآباء تضميد جراحهم، والتأقلم مع خسارتهم المريرة، لا يزال الابن"ضياء"، البالغ من العمر 13 عامًا، يبحث عن والدته وشقيقته اللتين فقدهما خلال الحرب.

فعندما سئل هذا الطفل الغزاوي عن أكثر ما يتمناه من هذه الحياة في ظل الحرب، قال بنبرة هادئة تتخللها الحسرة: “نفسي أعيش حياتي كحياة أطفال العالم، بأمن وأمان واستقرار”، مضيفًا: "كل يوم أسأل أبي سؤالاً واحدًا.. متى ستعود إليّ أمي وأختي ليحتضنوني؟".

جولة إلى أسواق غزة

في غزة، حيث لا يستطيع الجميع شراء الخضراوات والفواكه بسبب ارتفاع أسعارها، حيث يتراوح سعر اللحوم، وفقًا لشهادة نازحة الواسطة، بين 50 و60 شيكلًا.

ولا تتوقف أزمة الطعام عند الحصول عليه، فقد أصبحت طريقة إعداده نفسها تحديًا آخر؛ حيث أشارت الغزاوية إلى أن أسرتها تعتمد على الحطب في إعداد الطعام وقضاء احتياجاتها اليومية، بعد أن أصبح الحصول على الغاز أمرًا بالغ الصعوبة بسبب ارتفاع سعره، مشيرة إلى وصول سعر الكيلو منه في السوق السوداء إلى 150 شيكلًا.

وأوضحت أن أسعار إيجار المنازل في جنوب القطاع تتراوح بين 1500 و2000 شيكل، وهو ما يفوق قدرتها المادية، لتبقى الخيمة خيارًا مفروضًا عليها رغم قسوة ظروفها.

خطورة نقص الغذاء على الأطفال

وفي هذا المسار، أوضح استشاري التغذية العلاجية، الدكتور محمد حلمي، أن نقص الغذاء في غزة لا يعني فقط نقص كمية الطعام، ولكن أيضًا نقص تنوعه وجودته، وهو ما يمثل خطورة بالغة على أطفال غزة.

وأضاف حلمي لـ “تليجراف مصر” أن الطفل يحتاج إلى أكثر من مجرد سعرات حرارية؛ إلى البروتين والحديد والكالسيوم والفيتامينات والدهون الصحية لدعم النمو والمناعة وتطور المخ.

وفيما يتعلق بالمصادر الآمنة للغذاء، أكد حلمي، أن البقوليات مصدر جيد للبروتين النباتي والألياف، والمعجنات توفر الطاقة، وبعض المعلبات قد تكون مصدرًا جيدًا للبروتين أو العناصر الغذائية، لكن الاعتماد عليها لفترات طويلة؛ قد يؤدي إلى نقص بعض الفيتامينات والمعادن والعناصر الغذائية الضرورية للنمو، خاصة لدى الأطفال.

مصادر غذائية آمنة ومتاحة في ظل الظروف

وأوضح استشاري التغذية، أن العدس والفول من الخيارات الجيدة والمتاحة في غزة ، لما يوفرانه من بروتين وألياف وطاقة، لكن الاعتماد عليهما وحدهما لفترات طويلة لا يكفي احتياجات الطفل، خاصة في مراحل النمو.

وفي نهاية حديثه، أكد استشاري التغذية أن الأهم هو تنويع الطعام قدر الإمكان بإضافة البيض أو الألبان والخضراوات والفواكه عند توفرها، لأن الطفل يحتاج إلى عناصر غذائية متعددة للنمو والمناعة وتطور المخ.

صوت يصرخ.. هل من مجيب؟

هذا،  وفي خضم هذه الحرب، لا تزال تشق أصوات النازحين بأعلى نبراتها "لقد أرهقتنا الحرب وسئمنا منها.. نرغب في القليل من الحياة".

 وتواصل: "تمنينا لو  خرجنا من غزة لنلوذ بالحياة، لكن محاولاتنا باءت بالفشل بسبب قلة حيلتنا وأموالنا".

 اقرأ أيضًا

من حضن الأب إلى صفحات التاريخ.. حكاية محمد الدرة تعود إلى طلاب مصر بعد ربع قرن

من بقايا الحرب.. أثاث بدائي يروي معاناة أهالي غزة