مصر والصين
حققت الصادرات المصرية إلى الصين قفزة لافتة خلال عام 2026، في مؤشر يعكس نمو حركة التجارة بين القاهرة وبكين، لكن ارتفاع قيمة الصادرات بأكثر من 200% يطرح في الوقت نفسه سؤالًا مهمًا حول طبيعة المنتجات التي تصل إلى السوق الصينية، ومدى قدرة مصر على تحويل هذا النمو إلى صادرات صناعية وزراعية ذات قيمة مضافة أعلى.
وتأتي هذه الأرقام بالتزامن مع الاستعدادات لزيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر، والتي تمثل محطة مهمة في مسار العلاقات الاقتصادية بين البلدين، خاصة في ظل تنامي الاستثمارات والتجارة والتعاون المالي والصناعي.
الصادرات المصرية إلى الصين تقفز 212.6%
ووفق أحدث بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ارتفعت قيمة الصادرات المصرية إلى الصين خلال أول 5 أشهر من عام 2026 إلى 737.6 مليون دولار، مقابل 235.9 مليون دولار خلال الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة بلغت 501.7 مليون دولار، وبنسبة نمو وصلت إلى 212.6%.
وفي المقابل، ارتفعت الواردات المصرية من الصين بنسبة 11.5%، لتسجل 8.3 مليار دولار خلال أول 5 أشهر من العام الجاري، مقابل 7.5 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام السابق.
وبذلك ارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 9.1 مليار دولار، مقابل 7.7 مليار دولار خلال الفترة المقارنة، بزيادة بلغت نحو 1.4 مليار دولار ونمو قدره 17.7%.
ماذا تصدر مصر للصين؟
تكشف تفاصيل البيانات أن الجزء الأكبر من الصادرات المصرية إلى السوق الصينية يأتي من مجموعة من السلع والمواد الأولية والمنتجات الزراعية.
وتصدر الوقود المعدني والزيوت المعدنية ومنتجات تقطيرها قائمة الصادرات بقيمة بلغت 406 ملايين دولار.
وجاءت الفواكه في المركز الثاني بقيمة 122.3 مليون دولار، ثم الألياف النسيجية بقيمة 34.6 مليون دولار.
كما تضمنت قائمة أهم الصادرات المصرية إلى الصين الملح والكبريت والأتربة والأحجار بقيمة 28.1 مليون دولار، والقطن بقيمة 25 مليون دولار.
وتوضح هذه التركيبة أن جانبًا مهمًا من الصادرات المصرية إلى الصين يعتمد على الوقود والمنتجات الزراعية والمواد الخام، وهو ما يفتح الباب أمام سؤال اقتصادي مهم: هل تستطيع مصر زيادة صادرات المنتجات المصنعة ذات القيمة المضافة بدلًا من التركيز على المواد الأولية؟
الواردات من الصين.. 8.3 مليار دولار في 5 أشهر
على الجانب الآخر، تكشف أرقام الواردات عن حجم الاعتماد الكبير للسوق المصرية على المنتجات الصينية.
وجاءت الآلات والأجهزة الكهربائية في مقدمة الواردات المصرية من الصين بقيمة بلغت نحو ملياري دولار خلال أول 5 أشهر من 2026.
وحلت المراجل والآلات والأجهزة الآلية وأجزاؤها في المرتبة الثانية بقيمة 1.3 مليار دولار، تلتها السيارات والجرارات والدراجات وأجزاؤها بقيمة 932.3 مليون دولار.
كما شملت الواردات الحديد والصلب بقيمة 445.9 مليون دولار، واللدائن ومصنوعاتها بقيمة 396 مليون دولار.
وتكشف هذه الأرقام أن التجارة بين البلدين لا تزال تميل بشكل كبير لصالح الواردات المصرية من الصين، رغم القفزة الكبيرة في الصادرات المصرية.
هل قفزة الصادرات تعني أن العجز التجاري يتراجع؟
رغم الزيادة الكبيرة في الصادرات المصرية، فإن الفجوة التجارية لا تزال واسعة.
فخلال أول 5 أشهر من 2026، بلغت الصادرات المصرية إلى الصين 737.6 مليون دولار، مقابل واردات بقيمة 8.3 مليار دولار.
وهذا يعني أن قيمة الواردات الصينية إلى مصر تجاوزت قيمة الصادرات المصرية إلى السوق الصينية بفارق يتخطى 7.5 مليار دولار خلال الفترة نفسها.
وبالتالي، فإن ارتفاع الصادرات بنسبة تتجاوز 200% يعد تطورًا إيجابيًا، لكنه لا يعني وحده انتهاء مشكلة العجز التجاري، وإنما يوضح وجود فرصة لزيادة الصادرات المصرية بوتيرة أكبر خلال السنوات المقبلة.
وماذا تكشف بيانات النصف الأول من 2026؟
وتشير بيانات أخرى حديثة للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى استمرار الاتجاه التصاعدي خلال النصف الأول من العام.
فقد ارتفعت قيمة الصادرات المصرية إلى الصين خلال أول 6 أشهر من 2026 إلى 840.8 مليون دولار، مقابل 280.5 مليون دولار خلال الفترة نفسها من 2025، بزيادة بلغت نحو 560.3 مليون دولار، ونمو قدره 199.8%.
كما ارتفع إجمالي التبادل التجاري بين البلدين إلى 11.3 مليار دولار، مقابل 9.3 مليار دولار خلال الفترة المقارنة، بزيادة قدرها 21.5%.
وسجلت الواردات المصرية من الصين نحو 10.4 مليار دولار، مقابل 9.1 مليار دولار، بزيادة بلغت 14.3%.
الوقود والفواكه والقطن في صدارة الصادرات
وعند النظر إلى بيانات النصف الأول من العام، جاءت الوقود والزيوت المعدنية في صدارة أهم الصادرات المصرية للصين بقيمة 494 مليون دولار.
كما سجلت الخضروات والفواكه نحو 150.6 مليون دولار، بينما بلغت قيمة القطن والألياف النباتية نحو 76.4 مليون دولار.
وضمت القائمة أيضًا فوسفات الكالسيوم الطبيعي بقيمة 31 مليون دولار، والمنتجات الكيماوية بقيمة 21 مليون دولار.
وتشير هذه الأرقام إلى استمرار أهمية السلع الأولية والزراعية في هيكل الصادرات المصرية إلى الصين، بالتوازي مع نمو إجمالي القيمة المصدرة.
ماذا تستورد مصر من الصين؟
أما على مستوى الواردات خلال النصف الأول من 2026، فقد جاءت الآلات والأجهزة الكهربائية في المقدمة بقيمة 4.1 مليار دولار.
وتلتها السيارات والجرارات بقيمة 1.2 مليار دولار، ثم الحديد والصلب بقيمة 930.7 مليون دولار.
كما سجلت واردات اللدائن والمصنوعات البلاستيكية نحو 524 مليون دولار، والمنتجات الكيماوية 423.7 مليون دولار.
وهنا تظهر طبيعة العلاقة التجارية بوضوح: مصر تستورد من الصين كميات كبيرة من الآلات والمعدات والسلع الصناعية ومستلزمات الإنتاج، بينما تتركز نسبة مهمة من صادراتها في الوقود والمنتجات الزراعية والمواد الخام.
هل تستطيع مصر تغيير شكل صادراتها للصين؟
زيادة الصادرات المصرية إلى الصين بنسبة تقترب من 200% أو تتجاوزها وفق الفترة الزمنية محل القياس تمثل فرصة مهمة، لكن الاستفادة الأكبر ستكون في زيادة الصادرات الصناعية والمنتجات ذات القيمة المضافة.
وتملك مصر فرصًا في قطاعات مثل الصناعات الغذائية، والمنتجات الزراعية المصنعة، والكيماويات، والمنسوجات، والملابس، والمنتجات الهندسية، إلى جانب المنتجات التي يمكن تصنيعها محليًا والاستفادة من السوق الصينية الضخمة.
كما يمكن للاستثمارات الصينية في مصر أن تلعب دورًا في تغيير هذه المعادلة، من خلال إنشاء مصانع تستهدف السوق المحلية والتصدير في الوقت نفسه.
الاستثمارات الصينية ترتفع في مصر
وبالتوازي مع نمو التجارة، ارتفعت قيمة الاستثمارات الصينية في مصر بنسبة 31.9% خلال النصف الأول من العام المالي 2025/2026.
وسجلت الاستثمارات الصينية نحو 137.2 مليون دولار، مقابل 104 ملايين دولار خلال الفترة نفسها من العام المالي السابق.
وتكتسب هذه الاستثمارات أهمية خاصة إذا تحولت من مجرد استثمارات تستهدف السوق المحلية إلى مشروعات إنتاجية قادرة على التصدير إلى الأسواق الخارجية، وفي مقدمتها السوق الصينية نفسها.
زيارة شي جين بينج.. فرصة لإعادة ترتيب الشراكة
ومع اقتراب زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر، تتجه الأنظار إلى مستقبل الشراكة الاقتصادية بين القاهرة وبكين، خاصة أن العلاقات بين البلدين تحتفل هذا العام بمرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية.
وتأتي الزيارة في وقت تشهد فيه العلاقات الاقتصادية توسعًا في مجالات التجارة والاستثمار والبنية الأساسية والتعاون المالي، ما يفتح المجال أمام مناقشة ملفات تتجاوز مجرد زيادة حجم التبادل التجاري.
ومن أهم هذه الملفات زيادة نفاذ المنتجات المصرية إلى السوق الصينية، وجذب المزيد من الاستثمارات الصينية إلى قطاعات الإنتاج والتصنيع، وتعظيم الاستفادة من موقع مصر كبوابة للأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية.
التحدي الحقيقي.. ماذا نبيع للصين؟
الأرقام تؤكد أن الصادرات المصرية إلى الصين تسجل نموًا قويًا، لكن التحدي الحقيقي لا يتعلق فقط بتحقيق قفزة في قيمة الصادرات.
فكلما زادت حصة المنتجات المصنعة وذات القيمة المضافة في الصادرات المصرية، أصبحت الزيادة في الصادرات أكثر تأثيرًا على الاقتصاد، وقدرتها على توفير فرص عمل وتعميق التصنيع المحلي وزيادة الإيرادات من العملة الأجنبية.
أما استمرار الاعتماد بصورة كبيرة على الوقود والمواد الخام والمنتجات الأولية، فيعني أن أمام مصر مساحة واسعة لتعظيم القيمة الاقتصادية من صادراتها إلى السوق الصينية.
ومن هنا، فإن القفزة التي تجاوزت 200% تمثل بداية إيجابية، لكن نجاح الشراكة التجارية المصرية الصينية سيقاس في النهاية بقدرة القاهرة على تحويل النمو في الصادرات إلى تحول حقيقي في هيكلها، وزيادة المنتجات المصرية المصنعة التي تحمل قيمة مضافة أعلى إلى السوق الصينية.
اقرأ أيضًا:
اتفاقية الـ30 مليار يوان.. هل يستطيع المستورد المصري الاستغناء عن الدولار؟