الأحد، 06 سبتمبر 2026

09:21 ص

رجل الأسرار النووية.. إسرائيل تكشف تفاصيل اغتيال محمد سليمان بعد 18 عاما

 اللواء السوري محمد سليمان

اللواء السوري محمد سليمان

بعد 18 عامًا من اغتيال اللواء السوري محمد سليمان، أحد أبرز المقربين من الرئيس السوري السابق بشار الأسد، عادت تفاصيل العملية إلى الواجهة، بعدما عززت تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت الرواية التي تتهم إسرائيل بالوقوف وراء تصفيته، عقب سنوات من الغموض والتكهنات بشأن الجهة التي نفذت العملية.

ففي الأول من أغسطس عام 2008، كان سليمان يتناول العشاء في منزله الصيفي المطل على البحر بمنطقة الرمال الذهبية قرب مدينة طرطوس الساحلية، قبل أن يتعرض لإطلاق نار أدى إلى مقتله على الفور.

وأصيب المسؤول السوري بعدة رصاصات في الرأس والرقبة، بينما تمكن منفذو العملية، وفق الروايات المتداولة، من الانسحاب عبر البحر دون الدخول في اشتباك أو ترك أدلة مباشرة تكشف هويتهم.

من هو محمد سليمان؟

لم يكن محمد سليمان ضابطًا سوريًا عاديًا، بل كان من أكثر الشخصيات الأمنية والعسكرية قربًا من بشار الأسد، وتولى ملفات شديدة الحساسية داخل النظام السوري.

كما ارتبط اسمه بملفات الأسلحة الاستراتيجية والمشتريات العسكرية والعمليات الأمنية الحساسة، إلى جانب دوره في إدارة عدد من العلاقات والاتصالات المرتبطة بحزب الله ونقل الأسلحة الإيرانية عبر الأراضي السورية إلى لبنان.

وتشير وثائق أمريكية مسربة إلى أن سليمان كان مستشارًا خاصًا للأسد في قضايا الأسلحة الاستراتيجية والعمليات العسكرية الحساسة والملف اللبناني، ما جعله أحد أبرز المطلعين على أسرار النظام السوري في تلك المرحلة.

لماذا كان هدفًا لإسرائيل؟

برز اسم سليمان بصورة خاصة في أعقاب العملية الإسرائيلية التي استهدفت منشأة نووية سورية في دير الزور عام 2007.

وكان سليمان، وفق تقارير استخباراتية وإعلامية، من بين الشخصيات القليلة داخل النظام السوري التي كانت على علم بتفاصيل المنشأة، التي دمرتها إسرائيل في غارة جوية قبل اغتياله بنحو عام.

وذكرت تقارير أن سليمان كان مرتبطًا بالإشراف على البرنامج النووي السوري، الأمر الذي جعل إسرائيل تنظر إليه باعتباره شخصية تمتلك معلومات بالغة الحساسية عن المشروع النووي وقدرة دمشق على تطويره أو إعادة بنائه.

الملف النووي لم يكن وحده وراء أهميته بالنسبة إلى إسرائيل.

فقد ارتبط سليمان كذلك بإدارة ما وصف بأنه "جيش الظل" التابع للنظام السوري، وبملفات نقل الأسلحة الإيرانية إلى حزب الله، وهي قضية كانت ولا تزال من أبرز الملفات الأمنية التي تتحرك إسرائيل ضدها داخل سوريا ولبنان.

وبالتالي، فإن اغتياله لم يكن يستهدف مجرد ضابط سوري، وإنما شخصية تجمع بين أسرار البرنامج النووي السوري، وملفات الأسلحة الاستراتيجية، والعلاقات العسكرية مع إيران وحزب الله.

كيف نُفذت عملية الاغتيال؟

بحسب الرواية التي قدمها إيهود أولمرت في مذكراته، نفذت العملية وحدة كوماندوز بحرية إسرائيلية.

وقال أولمرت إن عناصر إسرائيلية خرجت من البحر ليلًا واقتربت من منزل سليمان في طرطوس، بينما كان يجلس على شرفته برفقة عدد من الضيوف.

ووفق الرواية، تمركز المنفذون على مسافة تقارب 150 مترًا من جانبي الشرفة، وتمكنوا من تحديد سليمان بدقة رغم وجود أشخاص آخرين في المكان.

وبعد صدور الأمر، أطلق المهاجمون النار، فأصابت ثلاث رصاصات مؤخرة رأس سليمان، قبل أن ينسحب المنفذون سريعًا باتجاه البحر ويعودوا إلى القارب الذي كان في انتظارهم.

إسرائيل كانت المشتبه الأبرز منذ البداية

في أعقاب الاغتيال، لم تعلن الحكومة السورية رسميًا هوية الجهة المسؤولة عن قتل سليمان، كما فرضت قيودًا على التغطية الإعلامية للقضية، ولم تتضح حتى هوية القتيل بشكل كامل في التقارير الأولى.

لكن الأجهزة الأمنية السورية، بحسب برقية دبلوماسية أمريكية مسربة نشرتها "ويكيليكس" لاحقًا، اعتبرت إسرائيل المشتبه الأبرز.

وكان موقع الاغتيال من بين الأسباب التي عززت هذه الشبهات، إذ إن منزل سليمان الساحلي أتاح لقوة مدربة قادمة من البحر الوصول إلى الهدف ثم الانسحاب دون الحاجة إلى عبور مناطق مأهولة أو مواجهة نقاط أمنية برية.

كما أن استخدام قناص وإصابة سليمان بدقة من مسافة بعيدة عززا فرضية أن العملية كانت مخططة مسبقًا وأن منفذيها كانوا يعرفون هوية الهدف وموقعه.

تصفية داخل النظام السوري

رغم قوة الرواية الإسرائيلية، لم تكن إسرائيل وحدها المتهمة في ذلك الوقت، فبعد اغتيال سليمان، ظهرت فرضيات تتحدث عن احتمال وجود صراع داخلي داخل النظام السوري، خصوصًا في ظل التنافس بين عدد من الشخصيات الأمنية والعسكرية النافذة.

ونقلت صحيفة "الجارديان" عام 2008 عن مصادر فرضية أن سليمان ربما كان ضحية لصراع داخلي، في ظل التوترات التي كانت قائمة آنذاك بين بشار الأسد ورئيس المخابرات العسكرية آصف شوكت.

لكن هذه الفرضية تراجعت تدريجيًا مع ظهور معلومات استخباراتية أمريكية مسربة تربط العملية بصورة مباشرة بالكوماندوز البحري الإسرائيلي.

حلقة في حرب الظل

جاء اغتيال محمد سليمان بعد أقل من عام على تدمير المنشأة النووية السورية في دير الزور، وهي العملية التي ظلت إسرائيل لسنوات تتجنب الاعتراف الرسمي بها.

وبالنسبة لإسرائيل، كان سليمان يجمع عددًا من الملفات التي جعلته هدفًا عالي القيمة: معلومات عن البرنامج النووي السوري، الإشراف على الأسلحة الاستراتيجية، العلاقات العسكرية مع إيران، ونقل الأسلحة إلى حزب الله.

ولهذا، تبدو عملية اغتياله جزءًا من حرب ظل أوسع بين إسرائيل وسوريا، تقوم على استهداف الأشخاص والمنشآت المرتبطة بالقدرات العسكرية والاستراتيجية بعيدًا عن المواجهة العسكرية المباشرة.

لماذا ظلت العملية سرية كل هذه السنوات؟

على مدار سنوات، تجنبت إسرائيل الإعلان رسميًا عن مسؤوليتها عن اغتيال سليمان، بينما بقيت دمشق بدورها حذرة في التعامل مع القضية ولم تعلن اتهامًا رسميًا مباشرًا.

لكن تصريحات أولمرت، إلى جانب الوثائق الاستخباراتية الأمريكية المسربة، جعلت الرواية التي تنسب العملية إلى إسرائيل أكثر رسوخًا.

search