الأحد، 13 سبتمبر 2026

06:28 م

بيزنس الكتب الدراسية المنسوخة.. سوق تتلاعب وأموال تُهدر

مطابع الكتب الخارجية والمذكرات

مطابع الكتب الخارجية والمذكرات

قبل ساعات من انطلاق الدراسة، ضبطت أجهزة الأمن مطبعة غير مرخصة في منطقة الوراق بمحافظة الجيزة بداخلها أكثر من 77 ألف نسخة من الكتب الدراسية الخارجية وأغلفتها، جميعها مطبوعة دون تفويض من أصحاب الحقوق. 

9f2dd7a8-722b-46c5-9a71-e461e03bea98
عملية طباعة الكتب والمذكرات

لم تكن  الواقعة استثناء بل سبقتها ضبطيات أخرى لمطابع ومكتبات عثر بداخلها على آلاف الكتب والمذكرات إلى جانب ملفات إلكترونية جاهزة للطباعة، ما يكشف عن سوق موازية لا تبدأ من المكتبة، وإنما ملف رقمي يتحول إلى آلاف النسخ المطروحة للبيع في ساعات معدودة. 

فكيف تنتقل محتويات الكتب من النسخة الآلية إلى المطابع؟ ومَن يتحمل المسؤولية: صاحب الملف أم المطبعة أم المكتبة؟

من نسخة واحدة إلى 77 ألف كتاب

بحسب بيان أمني نشر في 9 سبتمبر 2026، كشفت تحريات الإدارة العامة لمباحث المصنفات وحماية حقوق الملكية الفكرية عن نشاط مطبعة غير مرخصة في الوراق، تخصصت في طباعة كتب خارجية وأغلفة تعليمية دون التصاريح المطلوبة.

وأسفرت المداهمة عن ضبط المدير المسؤول وأكثر من 77 ألف نسخة، فيما أقر المتهم، وفق البيان، بارتكاب المخالفات بالاشتراك مع مالك المطبعة بقصد تحقيق أرباح مالية.

8b73969b-b9a4-4b08-b7bb-1a51b81bdb25
 طباعة الكتب الخارجية والأغلفة التعليمية دون تصاريح

وسبقت الواقعة سلسلة من الضبطيات؛ ففي ديسمبر 2025 ضُبطت مكتبة ومطبعة تنتجان كتبًا وملازم دراسية دون تفويض، بينما شهد يونيو 2026 ضبط أكثر من 51 ألف مطبوع داخل مطبعة أخرى.

وفي يوليو ضُبطت 450 مذكرة تعليمية داخل مطبعة غير مرخصة بمدينة نصر، ثم أكثر من 10 آلاف كتاب ورواية في الوراق خلال أغسطس الماضي، قبل ضبط مكتبتين بالحوامدية وبحوزتهما أكثر من 3 آلاف كتاب خارجي وفلاشتي ذاكرة تتضمنان نسخًا ممسوحة ضوئيًا من الكتب.

وفي الوقت الذى لا توجد فيه إحصائيات واضحة لحجم سوق الكتب التعليمية غير المرخصة، فإن الضبطيات تعكس الوقائع التي وصلت إليها أجهزة الأمن.

البداية من ملف PDF

يقول صبحي الدمرداش، صاحب مطبعة "الدمرداش"، إن بعض العملاء يصلون إلى المطبعة حاملين المحتوى في ملف بصيغة PDF، لتبدأ بعدها مراحل ترتيب الصفحات والطباعة والتجليد والتشطيب.

وقد يبدو الملف نسخة إلكترونية عادية، لكنه يمثل الحلقة الأخطر في سلسلة الإنتاج، فبدلًا من تصوير كتاب ورقي نسخة بعد أخرى، يسمح الملف بإنتاج كميات كبيرة خلال وقت قصير، أو تداوله بين أكثر من مطبعة وموزع.

5f9427d9-8c8d-4cd4-9d0c-dd7aae8a10ce
 يُطلب من العميل تقديم ما يثبت أحقيته في الطباعة

ويؤكد الدمرداش أن العميل يُطلب منه تقديم ما يثبت أحقيته في الطباعة، موضحًا أنه يرفض بعض الأعمال عندما لا تتوافر مستندات أو تفويضات من صاحب الحق، مضيفًا: “بقول له لا، وهو بياخد بعضه ويمشي”.

لكن اسم المطبعة لا يظهر بالضرورة على النسخة النهائية، ما يصعب تتبع مسار الكتاب بعد انتقاله إلى التوزيع، وقد ينفصل صاحب الملف عن المطبعة، ثم تنتقل النسخ إلى موزع أو مكتبة لا تعرف بالضرورة المصدر الأول للمحتوى.

الكتاب الأصلي والنسخة الأرخص

بعد الطباعة، تنتقل النسخ إلى المكتبات التي تمثل نقطة الاتصال المباشرة بالطالب وولي الأمر، ويقول أيمن عبد العزيز، صاحب مكتبة في الفجالة، إن الكتب الخارجية الأصلية ترتبط بحقوق للمؤلف والناشر، بينما قد تعرّض المكتبة نفسها للمساءلة إذا تداولت نسخًا غير أصلية.

036c4aa0-55c4-4e04-a2a2-81e8eb9d745e
صحفية تليجراف مصر أثناء حديثها مع صاحب مكتبة في الفجالة

ويضيف أيمن عبد العزيز أن بعض النسخ المصورة تقترب في شكلها من الكتاب الأصلي، ليصبح السعر الفارق الأكثر وضوحًا أمام المشتري.

أحد البائعين في مكتبات منطقة الفجالة، محمد أيوب، يؤكد أن الإقبال على النسخ الأصلية تراجع داخل بعض المكتبات بعدما اتجه أشخاص إلى تصوير الكتب وبيعها بأسعار أقل، ما أثر في حركة السوق وحسابات التجار.

201a0b78-f8f2-4c57-ad27-6c073c61b8aa
تراجع الإقبال على الكتب الخارجية الأصلية 

تكشف شهادة البائع أحد أسباب استمرار الظاهرة: النسخة غير المرخصة لا تتحمل حقوق المؤلف والناشر، وقد تتجنب جزءًا من تكاليف الإعداد والتوزيع، ولذلك تستطيع الوصول إلى الطالب بسعر أقل.

هل كل كتاب مصور مخالف؟

لا يعني تصوير صفحة أو استخدام مادة تعليمية وقوع مخالفة تلقائيًا، كما لا تصبح إعادة طباعة كتاب كامل مشروعة لمجرد أن الغرض منها تعليمي.

ويوضح المستشار محمد مبروك، المحامي، أن القانون يفرق بين الاستعمال الشخصي المحدود وبين إعادة إنتاج المصنف وتوزيعه تجاريًا، فقد أجاز بعض الاستخدامات التعليمية بشروط، منها الاستفادة من أجزاء محدودة من المصنف، لكن هذه الاستثناءات لا تمنح ترخيصًا مفتوحًا لتصوير كتاب كامل وإنتاج عشرات أو مئات النسخ منه.

كما يؤكد المستشار أشرف مشرف، المحامي بالنقض، أن شراء كتاب يمنح المشتري ملكية النسخة المادية فقط، ولا ينقل إليه حقوق إعادة الطباعة أو الاستنساخ والتوزيع.

3b3cef59-79f4-40c4-abd2-aa6830ea642e
المستشار أشرف مشرف، المحامي بالنقض

وينطبق الأمر نفسه على ملفات PDF، فامتلاك الملف أو الحصول عليه عبر الإنترنت لا يجعل محتواه متاحًا لإعادة الطباعة أو النشر، كما لا تسقط الحماية القانونية عن الكتاب عند انتقاله من الورق إلى وسيط إلكتروني.

الكتب الحكومية والخارجية والمذكرات

تؤكد وزارة التربية والتعليم ملكية الدولة لحقوق المناهج والإصدارات التعليمية التابعة لها، بما يمنع إعادة استغلالها خارج القنوات التي تحددها الوزارة.

unnamed
 وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني 

أما الكتب الخارجية فتعود حقوقها إلى المؤلفين والناشرين أو الجهات التي انتقلت إليها حقوق الاستغلال بموجب اتفاقات مكتوبة، ويشترط القانون أن يكون نقل الحقوق المالية محددًا من حيث طبيعة الحق ونطاقه ومدته ومكان استغلاله.

ولا تخرج مذكرات المدرسين تلقائيًا من نطاق الحماية؛ فالمذكرة قد تصبح مصنفًا محميًا إذا تضمنت جهدًا إبداعيًا في الشرح أو الصياغة أو ترتيب المادة، وفي المقابل، لا يحمي القانون الأفكار والمعلومات المجردة في ذاتها، وإنما يحمي طريقة صياغتها وتنظيمها والتعبير عنها.

35f7604e-ff0e-4c1f-8a3d-d6cbd76d97ce
الكتب الخارجية تعود حقوقها إلى المؤلفين والناشرين

وبذلك لا تتحدد الحماية باسم المادة، سواء كانت كتابًا دراسيًا أو كتابًا خارجيًا أو مذكرة، وإنما بطبيعة المحتوى والحقوق القائمة عليه.

مَن يتحمل المسؤولية؟

لا تقف المسؤولية القانونية عند الشخص الذي ضُبطت الكتب بحوزته، وإنما تمتد إلى كل طرف بحسب دوره ومدى علمه بالمخالفة.

فقد تُسأل المطبعة عن إعادة إنتاج المصنف دون ترخيص، بينما يمكن مساءلة المكتبة عن بيع النسخ أو عرضها للتداول إذا ثبت علمها بأنها غير مشروعة. 

كما قد يتحمل المسؤولية الشخص الذي حصل على الملف وقدمه للمطبعة، أو تولى توزيعه أو نشره إلكترونيًا.

6599eaa8-4297-4639-a65e-e9ec360d8ee6
 المسؤولية القانونية تمتد إلى كل طرف بحسب دوره ومدى علمه بالمخالفة

ولهذا تكون هناك صعوبات أمام الأجهزة الأمنية حيث لا يقتصر التحقيق في الضبطيات على حصر الكتب الموجودة، وإنما يمتد إلى تحديد مصدر الملف، وصاحب أمر الطباعة، والجهة التي تولت التوزيع، ومدى علم كل طرف بطبيعة النسخ.

ماذا يقول القانون؟

يعاقب قانون حماية حقوق الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002 على صور الاعتداء المحددة في المادة 181 بالحبس مدة لا تقل عن شهر، وبغرامة تتراوح بين 5 آلاف و10 آلاف جنيه، أو بإحدى العقوبتين.

وفي حالة تكرار المخالفة، ترتفع العقوبة إلى الحبس مدة لا تقل عن 3 أشهر وغرامة تتراوح بين 10 آلاف و50 ألف جنيه، مع تعدد العقوبة بتعدد المصنفات محل الجريمة.

ويجيز القانون مصادرة النسخ المخالفة والمعدات المستخدمة في إنتاجها، فضلًا عن إمكان إغلاق المنشأة ونشر ملخص الحكم على نفقة المحكوم عليه في الحالات التي حددها.

f9160875-ff5a-47c0-9525-25d0d45725b1
 القانون يُجيز مصادرة النسخ المخالفة والمعدات المستخدمة في إنتاجها

كما يستطيع صاحب الحق طلب وقف الطباعة أو العرض والتوزيع، والتحفظ على النسخ والمعدات، وحصر الإيرادات الناتجة عن الاستغلال غير المشروع، إلى جانب المطالبة بالتعويض.

سوق تتحرك مع جرس الدراسة

ترتفع حركة طباعة الكتب والمذكرات خلال شهري أغسطس وسبتمبر مع استعداد الأسر للعام الدراسي، وفق شهادة صاحب المطبعة صبحي الدمرداش.

f1fe0089-d7b3-4855-8379-de426213a553
ترتفع حركة طباعة الكتب والمذكرات خلال شهري أغسطس وسبتمبر

وفي هذا الموسم تتقاطع حاجات الطلاب إلى مصادر تعليمية بأسعار مناسبة مع حقوق المؤلفين والناشرين الذين يتحملون تكاليف إعداد المحتوى وطباعته وتوزيعه.

لكن الضبطيات المتلاحقة تكشف أن المشكلة لا تبدأ عند الطالب الذي يشتري النسخة الأرخص، بل قبل ذلك بكثير؛ عندما يتحول كتاب محمي إلى ملف قابل للطباعة، ثم ينتقل بين المطبعة والموزع والمكتبة حتى يصل إلى السوق في صورة آلاف النسخ التي يصعب تعقب مصدرها.

اقرأ أيضًا:

من المقلّد إلى المصري والبراندات.. الكل يشتكي بمرارة في "سوق السبلايز"

تابعونا على

search