آلية تحرك القاهرة.. هل تستطيع مصر قيادة مسار سوداني ـ سوداني ينهي الحرب؟
الرئيس السيسي وعبد الفتاح البرهان
لم تعد الأزمة السودانية مجرد حرب داخلية بين أطراف متصارعة، بعدما تحولت تداعياتها إلى أزمة إقليمية تتشابك فيها الحسابات الأمنية والإنسانية والاقتصادية، وتمتد آثارها إلى دول الجوار وملفات استراتيجية، في مقدمتها أمن البحر الأحمر والحدود والأمن المائي وحسابات حوض النيل.
والسؤال الآن لا يتعلق فقط بما تستطيع القاهرة فعله، وإنما أيضًا بما ينبغي عليها تجنبه، خصوصًا في ظل تعدد المبادرات الدولية والإقليمية، وتشابك المصالح الخارجية داخل الأزمة السودانية.
ويرى خبراء في العلاقات الدولية والشأن الأفريقي أن القاهرة تمتلك مجموعة واسعة من الأدوات التي تؤهلها للعب دور محوري في الأزمة، تبدأ بالوساطة السياسية، وتمتد إلى الدعم الإنساني والتكامل الاقتصادي وإعادة الإعمار، مع الحفاظ على خيار دعم مؤسسات الدولة السودانية دون الانخراط في حرب مفتوحة.

لماذا مصر تحديدًا؟
قال الكاتب المتخصص في العلاقات الدولية وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، نبيل نجم الدين، إن مصر هي الدولة الأكثر تأهيلًا للقيام بدور الوساطة في الأزمة السودانية، مستندًا إلى مجموعة من الاعتبارات التاريخية والجغرافية والسياسية.
وأوضح أن مصر تمثل الامتداد الطبيعي للسودان، كما يمثل السودان العمق الطبيعي لمصر، مشيرًا إلى أن العلاقات بين الشعبين تتجاوز مفهوم العلاقات التقليدية بين دولتين.
وأضاف أن الشعبين المصري والسوداني، وفق رؤيته، يمثلان شعبًا واحدًا موزعًا بين دولتين، مستندًا إلى التاريخ المشترك بين البلدين قبل عام 1956.
وأشار إلى أن هذه الخصوصية تفسر جانبًا من طبيعة التعامل المصري مع السودانيين الذين اضطروا إلى مغادرة بلادهم بسبب الحرب، لافتًا إلى استضافة مصر أعدادًا كبيرة من السودانيين، واعتبار الرئيس عبدالفتاح السيسي لهم ضيوفًا.
ويرى نجم الدين أن هذا البعد الشعبي والتاريخي يمنح القاهرة قدرة على التواصل مع السودانيين لا تتوافر بالدرجة نفسها لدى أطراف دولية وإقليمية أخرى.
الحياد المصري.. هل يمنح القاهرة أفضلية في الوساطة؟
العامل الآخر الذي يراه نجم الدين حاسمًا يتمثل في طبيعة المصالح المصرية داخل السودان، مشيرًا إلى أن مصر ليس لها أجندة في السودان، وهدفها الأساسي يتمثل في الحفاظ على وحدة الأراضي السودانية وسيادة الدولة على كامل أراضيها، وضمان حقوق الشعب السوداني وموارده.
وأضاف أن غالبية الأطراف السودانية، بحسب تقديره، تنظر إلى مصر باعتبارها طرفًا محايدًا وقريبًا، وهو ما يمكن أن يمنح القاهرة مساحة للحركة بين الأطراف المتصارعة.
لكن هذه الميزة لا تعني أن طريق الوساطة المصرية سيكون سهلًا؛ فالأزمة السودانية تضم قوى عسكرية وسياسية متعددة، كما أن أطرافًا إقليمية ودولية بات لها حضور ومصالح داخل المشهد، ومن هنا تصبح مهمة القاهرة الأساسية هي توظيف علاقاتها دون تحويلها إلى انحياز مباشر لأي طرف.
من الوساطة إلى إعادة بناء الدولة
ويرى الباحث في الشؤون الأفريقية الدكتور محمد فؤاد رشوان، أن القاهرة تمتلك أدوات اقتصادية وإنسانية وأمنية للتأثير في مسار الأزمة، لكن القيمة الحقيقية لهذه الأدوات لا تكمن في استخدامها منفردة، وإنما في دمجها ضمن استراتيجية مصرية متكاملة.
وأوضح أن الأزمة السودانية ليست أزمة عسكرية فقط، وإنما هي في الوقت نفسه أزمة دولة ومجتمع واقتصاد وإنسان، وبالتالي فإن التعامل معها عسكريًا وحده لن يؤدي إلى معالجة جذور الأزمة.
ومن هذا المنطلق، يرى رشوان أن الاستراتيجية المصرية يجب أن تنتقل من مفهوم مساعدة السودان على تجاوز الحرب إلى مفهوم أكثر اتساعًا هو المساهمة في إعادة بناء الدولة السودانية.

سودان مستقر
وأشار إلى أن وقف إطلاق النار لا يمثل نهاية الأزمة، وإنما بداية لمسار أطول يستهدف بناء سودان مستقر وموحد وقادر على إدارة مؤسساته وحدوده واقتصاده.
ماذا تفعل مصر على الأرض؟
وأكد نجم الدين أن القاهرة لم تنتظر المبادرات الأخيرة للتحرك، وإنما بدأت منذ اندلاع الأزمة في التواصل مع مختلف الأطراف السودانية.
وأوضح أن الأجهزة الرسمية وغير الرسمية المصرية تتواصل مع غالبية الأطراف، باستثناء الجهات التي لا ترغب في التواصل مع القاهرة، مؤكدًا أن مصر لا تستطيع إجبار أي طرف على الحوار، في ظل ثوابت السياسة الخارجية المصرية القائمة على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
وأشار إلى أن التحرك المصري يجري في جانب كبير منه بعيدًا عن الأضواء، بهدف تسهيل الحوار السوداني ـ السوداني.
75 ساعة من الاستماع للقوى السودانية
وكشف نجم الدين جانبا من التحرك الذي قام به المجلس المصري للشؤون الخارجية، موضحًا أن المجلس استقبل مختلف ألوان الطيف السياسي السوداني على مدار نحو أربعة أشهر ونصف، وعقد جلسات استماع امتدت لنحو 75 ساعة.
وأوضح أن هذه اللقاءات استهدفت الاستماع إلى القوى والمكونات السياسية السودانية، وانتهت إلى بلورة المبادرة المجتمعية السودانية ـ السودانية.
وقامت المبادرة، وفق نجم الدين، على أربعة مسارات رئيسية: المسار السياسي، والمسار الأمني، والمسار الإنساني، ومسار إعادة الإعمار.
ويرى أن أهمية هذه المبادرة تكمن في أنها صيغت استنادًا إلى مداخلات وآراء سودانية، بما يجعلها أقرب إلى تصور نابع من الداخل وليس مجرد وصفة خارجية للأزمة.
هل تستطيع مصر تحويل الجوار إلى تكامل؟
على المستوى الاقتصادي، يرى رشوان أن الأدوات المصرية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها أدوات ضغط تقليدية، وإنما كأدوات نفوذ وتكامل وحوافز، فالسودان، الذي تعرضت أجزاء واسعة من بنيته الاقتصادية للانهيار، يحتاج إلى منافذ وأسواق وقدرات لوجستية تساعده أولًا على الصمود، ثم على التعافي وإعادة البناء.
وهنا تملك مصر، بحسب رشوان، ميزة جغرافية واقتصادية مهمة، باعتبارها سوقًا كبيرة وقريبة، وتمتلك قدرات صناعية وزراعية ولوجستية وتسويقية يمكن توظيفها في دعم الاقتصاد السوداني، فالسودان يمتلك موارد ضخمة في الزراعة والثروة الحيوانية والقطن والسمسم والصمغ العربي وغيرها، بينما تستطيع مصر توفير التصنيع والخدمات اللوجستية والتسويق والتمويل، بما يرفع القيمة الاقتصادية لهذه الموارد.
المعابر والتجارة
ويطرح رشوان إعادة تشغيل التجارة والمعابر ووسائل النقل باعتبارها واحدة من الأدوات العملية لدعم الاقتصاد السوداني، إلى جانب تقديم تسهيلات ائتمانية للسلع الأساسية وتشجيع القطاع الخاص المصري على الاستثمار في الغذاء والدواء ومواد البناء والطاقة والخدمات.
ولا تتوقف الرؤية عند مرحلة الحرب، وإنما تمتد إلى ما بعدها، فإعادة إعمار السودان ستكون، وفق تقديره، واحدة من أكبر ساحات التنافس الدولي والإقليمي، وهو ما يفرض على مصر أن تحدد موقعها مبكرًا.
ويحذر من أن ترك هذا المجال لقوى أخرى قد يؤدي إلى ارتباط قطاعات من الاقتصاد والبنية الأساسية السودانية بمصالح دول أخرى لعقود، بينما يمكن للمشاركة المصرية المبكرة أن تجعل التكامل الاقتصادي أحد أعمدة العلاقة بين البلدين.
المساعدات الإنسانية
في المقابل، لا يقل البعد الإنساني أهمية عن الاقتصاد والسياسة، ويرى رشوان، أن الدعم الإنساني المصري للسودان لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره التزامًا أخلاقيًا فقط، وإنما يمكن أن يمثل أداة استراتيجية لبناء الثقة والحفاظ على الروابط الشعبية.
ويقترح الانتقال من نموذج القوافل الإغاثية، إلى نموذج أكثر استدامة تحت مسمى الجسر الإنساني المصري للسودان، بحيث تصبح هناك آلية مستمرة لإيصال الغذاء والدواء والخدمات الطبية ومياه الشرب والطاقة إلى المناطق الأكثر احتياجًا، بالتنسيق مع المؤسسات السودانية والمنظمات الدولية والهلال الأحمر.
لماذا يرفض الخبراء التدخل العسكري المباشر؟
رغم أهمية البعد الأمني في الأزمة، يؤكد رشوان أنه لا يؤيد تدخلًا عسكريًا مصريًا مباشرًا وواسع النطاق في الحرب السودانية مفرقًا بين دعم الدولة السودانية ومؤسساتها الوطنية وبين دخول مصر طرفًا مقاتلًا في الحرب.
فالخيار الأول يمكن أن يمثل جزءًا من استراتيجية الأمن القومي المصري، بينما يحمل الثاني مخاطر تحويل القاهرة من دولة مؤثرة إلى طرف مباشر في صراع شديد التعقيد.
وأشار إلى أن اتساع الجغرافيا السودانية، وتعدد القوى المسلحة، وتشابك التدخلات الخارجية، تجعل أي تدخل عسكري خارجي عرضة للاستنزاف.
والأخطر، بحسب رؤيته، أن يؤدي دخول مصر الحرب بصورة مباشرة إلى دفع قوى إقليمية أخرى لمزيد من التدخل، لتتحول الأزمة من حرب سودانية داخلية إلى حرب إقليمية بالوكالة على الأراضي السودانية، وهذا تحديدًا هو السيناريو الذي لا يخدم المصالح المصرية.
انتصار الدولة وليس طرفًا سودانيًا
من هنا يحدد رشوان، معادلة مختلفة للدور المصري، تقوم على ألا يكون الهدف انتصار مصر لطرف سوداني، وإنما انتصار الدولة السودانية على التفكك، وتبدأ هذه المعادلة، وفق رؤيته، من الحفاظ على وحدة السودان، ثم بناء مؤسسات دولة موحدة، وصولًا إلى مؤسسة عسكرية وطنية واحدة، وتسوية سياسية سودانية، واقتصاد قادر على البقاء والتعافي.
وهي معادلة تتقاطع مع ما يطرحه نجم الدين بشأن أهمية الحوار السوداني ـ السوداني، وضرورة أن يقبل السودانيون أنفسهم فتح صفحة جديدة تتجاوز الجرائم والانتهاكات التي شهدتها سنوات الحرب.
السودان والنيل
وأ:د أن الدور المصري في السودان لا يمكن عزله عن ملف آخر شديد الحساسية، وهو الأمن المائي وحوض النيل، فالسودان يمثل دولة محورية في منظومة النيل، بينما ترتبط مصر وإثيوبيا والسودان بمصالح متشابكة حول النهر، ما يجعل أي اضطراب طويل في السودان ذا انعكاسات محتملة على التوازنات الإقليمية.
وفي هذا السياق، يرى نجم الدين أن قضية سد النهضة لا تعني أن مصر تقف ضد التنمية الإثيوبية، مؤكدًا أن القاهرة دعمت تاريخيًا مشروعات التنمية في أفريقيا.
هل يمكن أن يصبح السودان بوابة لحل أوسع في المنطقة؟
تضع هذه المعادلات مصر أمام دور يتجاوز الوساطة التقليدية، فإذا نجحت القاهرة في دعم مسار سوداني ـ سوداني حقيقي، وساهمت في تثبيت الدولة وإعادة بناء مؤسساتها، فإن ذلك لن يخدم السودان وحده، وإنما يمكن أن يسهم في تقليل مساحة التدخلات الخارجية، وتهدئة أحد أهم بؤر التوتر في المنطقة.
كما أن إعادة بناء الاقتصاد السوداني وفتح المعابر وتنشيط التجارة يمكن أن يحولا الحدود المصرية ـ السودانية من مجرد خط أمني إلى مساحة للتكامل الاقتصادي.
وفي المقابل، فإن نجاح أي مسار سياسي يظل مرتبطًا بإرادة السودانيين أنفسهم، وقدرتهم على تجاوز الانقسام والقبول بتسوية تحفظ الدولة وتوقف الحرب.
إقرأ أيضا:
السيسي ورئيس جنوب أفريقيا يؤكدان أن فلسطين تظل القضية المركزية
الأكثر قراءة
-
نتيجة المرحلة الثالثة للتنسيق 2026 ظهرت الآن.. اعرف كليتك ورابط تقليل الاغتراب
-
"دراعاتي اتشلت".. أشهر مغسلات الموتى بالوراق تروي موقفًا مرعبًا مع فتاة أنهت حياتها
-
صلاح ضد مصطفى محمد.. بث مباشر مباراة طرابزون وكونيا سبور مجاني
-
قبل مباراة برشلونة وليفانتي.. شاهد هدف عالمي لـ حمزة عبدالكريم
-
بث مباشر مشاهدة مباراة الزمالك اليوم ضد إيه إس بورت مجانا
-
بعد تألقه.. الزمالك يقرر تجديد عقد نجم الفريق لمدة موسم
-
تقليل الاغتراب 2026.. الرابط الرسمي وخطوات التسجيل
-
الزمالك: بيزيرا لن يُباع.. وميشالاك جاء للنادي مجانًا
أخبار ذات صلة
موعد انتهاء الإيجار القديم للأشخاص الاعتباريين في 2027.. هل يجب إخلاء الوحدات؟
12 سبتمبر 2026 06:18 م
بيراميدز مع موكوينا.. هل يكرر الجنوب إفريقي إنجازات موسيماني في الأهلي؟
12 سبتمبر 2026 01:30 م
3-4-3.. هل تكون كلمة السر لإنقاذ الأهلي مع عموتة؟ "تحليل"
12 سبتمبر 2026 11:13 ص
"الفرق ليس مستحيلاً".. هل تتخلص هنا جودة من عُقدتها في مواجهة الصينيات؟
12 سبتمبر 2026 10:42 ص
على خطى رأفت الهجان وبتكليف من عبدالناصر.. حكاية إبراهيم عزت ورحلته السرية إلى تل أبيب
12 سبتمبر 2026 12:41 ص
صدمة على الهواء.. كيف عاشت كرة القدم الأوروبية أحداث 11 سبتمبر؟
11 سبتمبر 2026 04:33 م
الإصابة اللعينة.. الرباط الصليبي يدمر أحلام نجوم الأهلي خلال 10 سنوات
11 سبتمبر 2026 03:09 م
بعد تصريحات طارق الشناوي.. ماذا قدم محمود عبدالمغني للسينما والدراما؟
11 سبتمبر 2026 10:00 ص
أكثر الكلمات انتشاراً