الخميس، 17 سبتمبر 2026

10:35 ص

الخميس، 17 سبتمبر 2026

10:35 ص

الإعلام بين المسؤولية والانحدار

أتساءل، انطلاقًا مما كنا نعرفه دائمًا، وما درسناه، وما عايشناه من قيم ومبادئ: هل يحق للإعلامي، مهما بلغت شهرته، ومهما ارتفعت أرصدته المالية إلى عنان السماء، أن يمارس «الردح» على الهواء مباشرة، أمام أفئدة وأسماع أفراد المجتمع، من صغيرهم إلى كبيرهم، مستندًا إلى أعمدة بشرية مساندة له، تمتد ـ بحسب ما يبدو ـ إلى قمة الهرم الحكومي؟

هل يصح أن يقسم بأغلظ الأيمان، أو يلوّح بالتهديدات، وكأنني أشاهد مشادة لا تليق إلا بمشهد عابر بين نساء الحارة، أو بين فئات لم تنل حظها الكافي من التعليم والثقافة والوعي المجتمعي؟

وما ذنبنا نحن، كمشاهدين، أن تقع أعيننا على تلك القسمات الحادة، وأن نتابع معركة مشتعلة بين حركات الوجه وتعبيراته، وأن تسمع آذاننا نبرات الغليان المزعجة، ونبرة التشفي العالية والمنفرة؟!

لقد أصبح بعض الإعلام، وبعض مشاهيره، يأخذوننا ـ للأسف ـ إلى منحدر مسيء، خالٍ من الرمزية الراقية التي طالما سرنا على دروبها، وحاولنا أن نتعلم منها ونقتدي بها عبر أزمنة طويلة.

رحماك يا الله، ورحم الله من تقع على عاتقهم مسؤولية مراقبة هذه القنوات. فلا ينبغي أن تهيبهم الأسماء مهما علت في سماء النجومية، ولا أن ترهبهم الشهرة مهما اتسعت، طالما خرج أصحابها عن جوهر الحياد، وعن حدود الوظيفة الإعلامية التي يفترض أن تقوم على المهنية والأخلاق والمسؤولية.

فالمذيع والمذيعة، قبل الشهرة وحصد الأموال والأضواء، ينبغي أن يكونا قدوة لمجتمعهما؛ في المظهر، وفي طريقة الحوار، وفي اختيار الكلمات، وفي الحفاظ على صوت مهذب رصين، بعيد عن الصراخ والحنجورية المزعجة، وعن أي سلوك لا يليق بالظهور أمام الملايين.

لا لصوت الخناقات على الشاشات.

لا لتحريك الأيدي في الهواء بطريقة توحي بالردح أو البلطجة.

لا للانحدار الثقافي في محاورة الضيوف.

ولا لتحويل المنبر الإعلامي إلى ساحة صراع، يكون المشاهد فيها هو الطرف الذي يدفع ثمن المشاهدة من أعصابه وذوقه وقيمه.

إن الشاشة ليست مجرد مساحة للظهور، والميكروفون ليس مجرد أداة للشهرة؛ فكلاهما مسؤولية، ورسالة، وتأثير يمتد إلى بيوت كاملة، وإلى عقول أجيال تتشكل أمام أعيننا.

ولذلك، يجب أن نضع نصب أعيننا حضارتنا التاريخية العريقة، وقيم مجتمعنا، وعماد أمتنا من شباب واعد، وأثمن ما نملك من بذور المستقبل: أطفالنا، زهورنا اليانعة.

فالإعلام الحقيقي لا يعلو بالصوت، وإنما يعلو بالفكر.
ولا يثبت حضوره بالصراخ والتهديد، وإنما يفرض احترامه بالرقي والوعي والحجة.
فالنجومية الحقيقية ليست أن يسمعك الجميع، وإنما أن يحترمك الجميع.

title

مقالات ذات صلة

الرحلة الأصعب

09 سبتمبر 2026 10:04 ص

"صاروخ الإيمان"

01 سبتمبر 2026 04:51 م

مصرية من إيجيبت

18 أغسطس 2026 03:13 م

search