السبت، 19 سبتمبر 2026

08:57 م

السبت، 19 سبتمبر 2026

08:57 م

لبنان يطارد التعافي.. الأرقام تعيد الاقتصاد إلى نقطة الأزمة

الاقتصاد اللبناني

الاقتصاد اللبناني

يواجه الاقتصاد اللبناني في 2026 انتكاسة جديدة، بعدما توقع صندوق النقد الدولي انكماش النشاط الاقتصادي بشكل كبير، تحت ضغط استمرار الصراع في المنطقة والتوترات الأمنية، وما خلفته من أضرار واسعة في البنية التحتية وتدهور ظروف المعيشة.

ويأتي ذلك بعد عام واحد فقط من تسجيل الاقتصاد نموًا بنسبة 4.2% في 2025، وهو أعلى معدل نمو منذ انهيار 2019، في تحول بدا في ظاهره كأنه بداية لمسار تعافٍ بعد سنوات من الأزمة الاقتصادية والمالية.

لكن الأرقام تكشف مسارًا أكثر تعقيدًا، فالنمو الذي تحقق في 2025 اعتمد بدرجة كبيرة على الاستهلاك المدعوم بتحويلات المغتربين، وانتعاش السياحة جزئيًا، إلى جانب نشاط محدود في العقارات والبناء، بينما ظلت الإصلاحات الهيكلية في القطاع المصرفي وإدارة الدين العام دون حسم.

ومع تصاعد التوترات في 2026، تعرضت محركات النمو لضربة جديدة، ليتحول الاقتصاد من نمو 4.2% إلى انكماش متوقع بـ6.4%، وفق البنك الدولي، في انعكاس لحجم الصدمة التي تعرض لها النشاط الاقتصادي.

2025.. نمو بأكثر من 4% بعد سنوات الانهيار

سجل الاقتصاد اللبناني نموًا بنسبة 4.2% خلال 2025، ليكون بذلك أعلى معدل نمو منذ انهيار 2019، مدفوعًا بتحسن نسبي في الاستهلاك والسياحة وتحويلات اللبنانيين في الخارج.

وساعدت تحويلات المغتربين في دعم الإنفاق المحلي، بينما استعاد القطاع السياحي جزءًا من نشاطه، إلى جانب تحسن محدود في العقارات والبناء.

لكن هذا النمو لم يترافق مع عودة كاملة لدورة الائتمان المصرفي أو معالجة نهائية للخسائر المتراكمة في القطاع المالي، ما أبقى الاقتصاد معتمدًا على محركات خارجية أكثر من اعتماده على توسع مستدام في الإنتاج والاستثمار.

وبالتالي، لم يكن معدل النمو البالغ 4.2% كافيًا وحده لإغلاق ملفات الأزمة التي بدأت منذ 2019، وإنما جاء في اقتصاد لا تزال مؤشرات القطاع المصرفي والمالية العامة فيه تحت ضغط كبير.

2026.. انكماش يمحو مكاسب عام كامل

مع دخول 2026، تغير المشهد الاقتصادي بصورة حادة، بعدما أدت التطورات الأمنية والعسكرية إلى تعطيل قطاعات رئيسية، وعلى رأسها السياحة، فضلًا عن الأضرار التي لحقت بالمساكن والبنية التحتية.

وأدت التطورات العسكرية التي بدأت في 2 آذار إلى تشريد نحو 1.2 مليون شخص، في وقت تعرضت فيه البنية التحتية والمساكن لأضرار جديدة.

وفي ظل هذه التطورات، توقع البنك الدولي انكماش الاقتصاد اللبناني بنسبة 6.4% خلال 2026، ما يعني انتقال معدل النمو من +4.2% في 2025 إلى -6.4% في 2026، بفارق يبلغ 10.6 نقطة مئوية خلال عام واحد.

ويعكس هذا التحول حجم اعتماد الاقتصاد على قطاعات شديدة الحساسية للأوضاع الأمنية، خصوصًا السياحة والاستهلاك المرتبط بالتدفقات الخارجية، في وقت تحتاج فيه عملية التعافي إلى استثمارات وإصلاحات طويلة الأجل.

السياحة.. أحد أهم محركات النمو تحت الضغط

كانت السياحة أحد أبرز القطاعات التي دعمت النشاط الاقتصادي خلال 2025، إلى جانب تحويلات المغتربين والاستهلاك.

لكن التصعيد العسكري في 2026 أدى إلى توقف النشاط السياحي الذي كان يمثل أحد مصادر النمو والعملة الأجنبية، لتتراجع بذلك إحدى القنوات الرئيسية التي ساعدت الاقتصاد على تسجيل نمو خلال العام السابق.

العملة اللبنانية
 توقف النشاط السياحي في لبنان بسبب الحرب

ويأتي تراجع السياحة في وقت يعتمد فيه الاقتصاد اللبناني بدرجة كبيرة على تدفقات الأموال من الخارج، سواء من خلال السياحة أو تحويلات اللبنانيين العاملين في الخارج.

ومع تضرر البنية التحتية وتشريد نحو 1.2 مليون شخص، انتقل تأثير الصراع من الضغط على النشاط الاقتصادي إلى زيادة الاحتياجات المالية والإنسانية، ما يرفع تكلفة التعافي وإعادة الإعمار في الوقت نفسه.

المالية العامة.. فائض 3.9% من الناتج

رغم الضغوط الاقتصادية، سجلت الحكومة اللبنانية فائضًا إجماليًا يعادل 3.9% من الناتج المحلي خلال 2025.

وجاء ذلك بعدما ارتفعت الإيرادات العامة بنسبة 49%، مقابل زيادة النفقات بنسبة 27%، ما سمح بتحقيق فائض مالي رغم استمرار تداعيات الأزمة الاقتصادية.

واستمر تسجيل الفائض خلال الربع الأول من 2026، إذ بلغت الإيرادات العامة نحو 1.6 مليار دولار، بزيادة 44% مقارنة بالفترة نفسها من 2025.

وفي المقابل، بلغت النفقات نحو 1.14 مليار دولار، بزيادة 47%، ليصل الفائض إلى نحو 469 مليون دولار خلال الربع الأول.

6 مليارات دولار.. حجم موازنة لبنان في 2026

وأقر مجلس النواب اللبناني موازنة 2026 على أساس إيرادات ونفقات متوازنة عند نحو 6 مليارات دولار لكل منهما.

وتزيد هذه الأرقام بنحو 21% عن أرقام موازنة 2025، في ظل ارتفاع الاحتياجات المالية للدولة وزيادة الضغوط المرتبطة بالإنفاق العام.

لكن ارتفاع الإيرادات لا يعني بالضرورة اتساع القاعدة الاقتصادية التي تمول الموازنة، إذ جاءت أكثر من 70% من إيرادات الربع الأول من الضريبة على القيمة المضافة والرسوم الجمركية.

ويضع ذلك المالية العامة أمام اختبار جديد مع ارتفاع الاحتياجات الإنسانية وتكاليف إعادة الإعمار، بالتزامن مع الضغوط لزيادة أجور القطاع العام.

سعر الصرف مستقر.. والتضخم يرتفع

على المستوى النقدي، استقر سعر الصرف عند نحو 90 ألف ليرة للدولار، بدعم من احتياطيات مصرف لبنان وإدارة السيولة.

لكن استقرار سعر الصرف لم يمنع استمرار الضغوط التضخمية، إذ تراجع التضخم إلى 14.6% في 2025، بينما تشير التوقعات إلى ارتفاعه إلى 17.5% خلال 2026.

ويمثل ذلك زيادة قدرها 2.9 نقطة مئوية في معدل التضخم خلال عام واحد، مع تأثر الأسعار باضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن وأسعار النفط.

718
 استقر سعر الصرف عند نحو 90 ألف ليرة للدولار

وبالتالي، فإن ثبات سعر الصرف عند نحو 90 ألف ليرة للدولار يأتي بالتوازي مع ارتفاع في تكلفة المعيشة، ما يجعل الاستقرار النقدي منفصلًا عن مستوى القوة الشرائية للأسر.

الودائع تهبط إلى 85.2 مليار دولار

يظل القطاع المصرفي أحد أكثر الملفات تعقيدًا في الاقتصاد اللبناني، مع استمرار تراجع الودائع وتعطل التسليف للقطاع الخاص.

وانخفض إجمالي الودائع المصرفية من نحو 87.2 مليار دولار في نهاية 2025 إلى نحو 85.3 مليار دولار في نهاية مارس 2026، ثم إلى نحو 85.2 مليار دولار في نهاية نيسان.

وبذلك فقدت الودائع نحو ملياري دولار تقريبًا خلال أشهر قليلة، في استمرار لمسار الانكماش المصرفي الذي بدأ مع الأزمة المالية في 2019.

وفي الوقت نفسه، لا يزال التسليف للقطاع الخاص شبه معطل، ما يحد من قدرة المصارف على تمويل الاستثمار والاستهلاك والنشاط الاقتصادي.

72 مليار دولار.. فجوة الخسائر المصرفية

شهد ملف الإصلاح المصرفي خطوات خلال السنوات الأخيرة، من بينها تعديل قانون السرية المصرفية وإقرار قانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي في تموز 2025، إلى جانب تعديلات رئيسية أُدخلت عليه بناءً على نصائح صندوق النقد الدولي.

لكن الملف الأكثر حساسية لا يزال مرتبطًا بقانون "الفجوة المالية"، الذي يفترض أن يحدد آلية توزيع الخسائر المتراكمة في النظام المالي.

وتقدر الخسائر بنحو 72 مليار دولار، مع استمرار النقاش حول كيفية توزيعها بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف والمودعين.

ويمثل حسم هذه الفجوة نقطة محورية في إعادة هيكلة القطاع المصرفي، خصوصًا مع استمرار انخفاض الودائع وتعطل التسليف للقطاع الخاص.

بين فائض مالي وانكماش اقتصادي.. أين يقف لبنان؟

تكشف الأرقام مسارًا متناقضًا للاقتصاد اللبناني في عامي 2025 و2026، فقد سجل الاقتصاد نموًا بنسبة 4.2% في 2025، وحققت المالية العامة فائضًا يعادل 3.9% من الناتج المحلي، بينما استقر سعر الصرف عند نحو 90 ألف ليرة للدولار.

لكن هذه المؤشرات جاءت بالتوازي مع استمرار أزمة القطاع المصرفي وتراجع الودائع إلى نحو 85.2 مليار دولار، وارتفاع التضخم المتوقع إلى 17.5%، ثم تحول النمو إلى انكماش متوقع بنسبة 6.4% خلال 2026.

وبين نمو 4.2% وانكماش 6.4% خلال عام واحد، تتضح كلفة الصدمات التي يتعرض لها اقتصاد لم يستكمل بعد معالجة تداعيات انهيار 2019، فيما يبقى التعافي مرتبطًا بقدرة لبنان على استعادة النشاط الاقتصادي، وإعادة بناء القطاع المصرفي، وحسم ملف الخسائر، وتمويل احتياجات إعادة الإعمار.

اقرأ أيضًا:

"تشديد نقدي طويل".. بنك شهير يصدم الأسواق: الفائدة الأمريكية قد تتجاوز 5%

search