السبت، 26 سبتمبر 2026
12:55 ص
هناك أناس ناجحون جداً، لكنك لن تجد صورهم على صفحات التواصل الاجتماعي، فهم لا يكتبون عن كل خطوة قطعوها، ولا يخبرونك كم مرة فشلوا قبل أن يصلوا، ولا يصورون مفاتيح البيت الجديد، أو السيارة الحديثة، ولا يكتبون بسماجة كل صباح عن أهدافهم وخططهم للسنوات الخمس المقبلة.
هؤلاء ليسوا بالضرورة نماذج تقليدية، فربما تجدهم في المكتب نفسه الذي يذهبون إليه منذ عشرين عامًا، أو في بيت صغير نجحوا في أن يجعلوه آمنًا ودافئًا لأبنائهم، أو في مقعد بجوار سرير أم مريضة، أو خلف مقود سيارة يعودون بها آخر الليل بعد يوم طويل.
هؤلاء أيضًا ناجحون، لكننا، في زمن أصبحت فيه الحياة نفسها قابلة للنشر، وصارت تفرض علينا ثقافة بالغة السوء والخطر، قوامها أن النجاح هو ما يمكن للآخرين أن يروه.
النجاح في العصر الحالي، أصبح صورة، وسفرًا، وسيارة، ومنصبًا، وشهادة معلقة على الحائط، وعددًا من المتابعين، وعنوانًا وظيفيًا لامعًا، أما الأشياء التي لا تُلتقط لها صورة، فقد خرجت تدريجيًا من قاموس النجاح.
لا أحد ينشر صورة أم وحيدة أنهت تربية أبنائها رغم كل ما مرت به، ولا أحد يضع إطارًا لإنسان خسر عمله، أو ماله، أو علاقة مهمة في حياته، ثم استطاع أن يبدأ من جديد.
ولا أحد يعرف كم مرة جلس شخص عادي على حافة سريره ليلًا، وهو يشعر أنه لم يحقق شيئًا، بينما كان في الحقيقة قد حقق أهم شيء على الإطلاق وهو أنه "لم يستسلم".
المشكلة أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تكتفِ بتغيير الطريقة التي نتحدث بها عن النجاح، بل ساهمت في تغيير الطريقة التي نقيسه بها، فأصبحنا نرى النتيجة ولا نرى الطريق..
نرى السيارة ولا نرى سنوات العمل التي سبقتها، ونرى السفر ولا نرى الديون التي ربما دفعت ثمنه، ونرى المنصب ولا نحسب السنوات الطويلة التي قضاها صاحبه وهو يتعلم ويخطئ ويحاول، ونرى الابتسامة، ولا نعرف شيئًا عن الأيام التي سبقتها من قلق وحزن..
والأخطر أننا لا نكتفي بالمشاهدة، بل نقارن حياتنا الحقيقية، بكل ما فيها من تعب وفوضى وإخفاقات، بالنسخة المنتقاة من حياة الآخرين.
نفتح الهاتف لدقائق، فنجد عشرات الأشخاص يعلنون نجاحاتهم، واحد اشترى منزلًا، وآخر حصل على ترقية، وثالث بدأ مشروعًا، ورابع سافر إلى مكان جميل، وخامس أعلن عن إنجاز جديد، وسادس يتباهى بالتحاق ابنه بكلية الطب!
وبعد دقائق من المشاهدة، يغلق أحدنا هاتفه وهو يسأل نفسه بحسرة ماذا فعلت أنا؟!
وهنا تكمن المفارقة، إذ ربما يكون قد قضى يومه في العمل، ثم عاد إلى أبنائه، وساعد ابنه في دراسته، واطمأن على والده المريض، وسدّد فاتورة، وأنجز مسؤولياته، ونام وهو متعب، لكنه لا يشعر أنه حقق شيئًا، لأن حياته لم تنتج "محتوى" يمكن للآخرين مشاهدته والانبهار به.
ما يجب أن ندركه جيداً أن هناك نجاحات لا تصلح للعرض، وبعض أهم انتصارات الإنسان لا تصلح أصلًا لمنشور على فيسبوك، مثل أن تسامح شخصًا رغم أنك كنت قادرًا على الانتقام منه، وأن تربي أبناءك بصورة جيدة، وأن تبدأ من جديد بعد خسارة مؤلمة، أن تدفع ديونك بعد سنوات من الضغط، وأن تتعلم شيئًا جديدًا وأنت في الأربعين أو الخمسين، وأن ترفض أن تصبح نسخة قاسية من نفسك بسبب ما فعله بك الآخرون، وأن تطلق مشروعاً يعمل فيه عشرات من الشباب الحالمين دون أن تنسب الفضل لنفسك، أو تدعي أنك المنقذ الجبار، فهذه كلها نجاحات، لكنها بلا جمهور، ولا تحتاج إلى جمهور أصلًا..
أدرك أننا جميعاً نحتاج في لحظة ما إلى التصفيق، ربما لأن الإنسان بطبيعته يحب الاعتراف، ولأننا نريد أن يشعر الآخرون بأن ما فعلناه له قيمة، وهذه ليس عيباً على الإطلاق، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الاعتراف الخارجي هو المقياس الوحيد لقيمة ما نفعله، الأمر الذي يشعرنا بالنقص ويحدد قيمة إنجازاتنا ونجاحاتنا وأفكارنا بعدد اللايكات التي نحصل عليها.
عندها يصبح الإنسان محتاجًا إلى أن يثبت نجاحه باستمرار، بصورة جديدة، إنجاز جديد، سيارة جديدة، رحلة جديدة، منصب جديد، سيجد نفسه في سباق لا ينتهي، وفي حاجة إلى شيء جديد ليشعر أنه لا يزال ناجحاً.
قناعتي الشخصية أن أعظم ما يحققه الإنسان يحدث في صمت، بعيدًا عن الكاميرات، ولا يعرف به أحد، إلا صاحبه، وربما يكون هذا، في النهاية، هو النجاح الذي يستحق فعلًا أن نحتفظ به.
19 سبتمبر 2026 06:00 م
13 سبتمبر 2026 02:00 م
06 سبتمبر 2026 07:21 م
04 سبتمبر 2026 05:18 م
أكثر الكلمات انتشاراً