السبت، 26 سبتمبر 2026
05:50 م
العراق والكويت
العراق والكويت.. مباراة تبدو في ظاهرها مواجهة بين منتخبين جارين، لكنها في الحقيقة تحمل خلفها أكثر من ستة عقود من التاريخ.
وبدأت العلاقة بين البلدين بخلافات سياسية وحدودية، ثم تحولت في لحظة فارقة إلى واحدة من أخطر أزمات المنطقة في القرن العشرين، قبل أن تمر العلاقات بين البلدين بمراحل طويلة من القطيعة والتوتر وإعادة بناء الثقة، وصولًا إلى اليوم الذي أصبحت فيه كرة القدم واحدة من المساحات التي يلتقي فيها العراقي والكويتي من جديد.
يستعد منتخب الكويت لمواجهة نظيره العراقي، مساء اليوم السبت، ضمن منافسات الجولة الثانية من دور المجموعات ببطولة كأس الخليج العربي «خليجي 27»، المقامة حاليًا في مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية.
ولفهم حساسية أي مباراة بين العراق والكويت، يجب العودة إلى عام 1961، عندما حصلت الكويت على استقلالها عن بريطانيا، لتظهر في المقابل مطالب عراقية بالسيادة على الكويت، في أزمة دفعت بريطانيا إلى إرسال قوات إلى الكويت في إطار ترتيبات دفاعية، قبل أن تهدأ الأزمة لاحقًا وتتجه العلاقات إلى مسارات أكثر هدوءًا.
وعلى مدار السنوات التالية، ظلت مسألة الحدود والعلاقات بين البلدين حاضرة بدرجات مختلفة، لكن ذلك لم يمنع نشوء علاقة رياضية قوية بين الشعبين، خصوصًا أن العراق والكويت كانا من أبرز القوى الكروية في منطقة الخليج خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.

بعيدًا عن السياسة، كانت كرة القدم تبني قصة مختلفة تمامًا، إذ تحولت مواجهات العراق والكويت إلى واحدة من أبرز مباريات المنطقة، خاصة في بطولات كأس الخليج، إلى جانب المنافسات الآسيوية والإقليمية.
كان المنتخب الكويتي يعيش واحدة من أقوى فتراته في تلك الحقبة، بينما امتلك العراق جيلًا ذهبيًا جعل مواجهاته مع الكويت تحمل أهمية خاصة للجماهير، فتحولت المباراة من مجرد لقاء رياضي إلى منافسة جماهيرية لها طابعها الخاص.
وكانت تلك الفترة تمثل ذروة المنافسة الكروية بين المنتخبين، قبل أن تتغير الأمور بصورة جذرية مع نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات.
وفي عام 1988 انتهت الحرب العراقية الإيرانية، لكن العراق خرج من الحرب بوضع اقتصادي صعب وديون ضخمة، وبدأت الخلافات مع دول الخليج، ومن بينها الكويت، تتصاعد.
وفي عام 1990، دخلت العلاقات العراقية الكويتية مرحلة شديدة التوتر، وسط خلافات حول الديون، وإنتاج النفط، والحقول النفطية الحدودية، إضافة إلى ملفات أخرى مرتبطة بالحدود والمياه والأراضي.
ومع تصاعد الخطاب السياسي، تحولت الأزمة من خلافات دبلوماسية واقتصادية إلى مواجهة مباشرة، لتصل المنطقة إلى واحدة من أكثر اللحظات خطورة في تاريخها الحديث.
في الثاني من أغسطس عام 1990، اجتاحت القوات العراقية الكويت، وسقطت البلاد تحت الاحتلال، قبل أن تعلن الحكومة العراقية ضم الكويت، وهو قرار رفضه المجتمع الدولي بشكل قاطع.
وأصدر مجلس الأمن الدولي سلسلة من القرارات التي طالبت العراق بالانسحاب، وفرضت عقوبات واسعة، قبل أن تتشكل قوات تحالف دولية كبيرة بهدف إخراج القوات العراقية من الكويت.
وفي يناير 1991 بدأت العمليات العسكرية للتحالف، وانتهت في فبراير من العام نفسه بانسحاب القوات العراقية من الكويت، لكن نهاية العمليات العسكرية لم تكن نهاية آثار الأزمة، بل كانت بداية مرحلة طويلة من التداعيات السياسية والاقتصادية والإنسانية.
كان حجم الخسائر الناتجة عن الغزو والاحتلال ضخمًا، ولذلك أنشأت الأمم المتحدة عام 1991 لجنة التعويضات الخاصة بالعراق والكويت، بهدف معالجة المطالبات المتعلقة بالخسائر والأضرار الناتجة بصورة مباشرة عن الغزو والاحتلال.
وبحسب بيانات الأمم المتحدة، تلقت اللجنة نحو 2.69 مليون مطالبة بإجمالي مبالغ مطلوبة وصلت إلى نحو 352.5 مليار دولار، وانتهت إلى إقرار تعويضات بقيمة 52.4 مليار دولار لنحو 1.5 مليون.

واستمر هذا الملف أكثر من ثلاثة عقود، حتى سدد العراق آخر دفعة من التعويضات في 13 يناير 2022، وبعدها أكد مجلس الأمن أن لجنة التعويضات أنهت مهمتها، قبل إغلاقها رسميًا في نهاية العام نفسه.
لكن انتهاء ملف التعويضات لم يكن معناه أن آثار عام 1990 اختفت من الذاكرة، فالحرب تركت أثرًا عميقًا في المجتمع الكويتي، كما أثرت بصورة كبيرة في العراق والمنطقة بأكملها.
وبمرور السنوات، بدأ العراق بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003 في إعادة بناء علاقاته مع دول المنطقة، وكان من بينها الكويت، التي أصبحت جزءًا من مسار جديد في العلاقات العراقية الخليجية.
ظهرت ملفات للتعاون السياسي والاقتصادي والإنساني، واستمرت أيضًا مناقشة بعض الملفات العالقة، مثل المفقودين والممتلكات والحدود البحرية، لكن العلاقة لم تعد محكومة بالشكل نفسه الذي كانت عليه في سنوات ما بعد الغزو مباشرة.
وسط هذا التاريخ الطويل، بدأت كرة القدم تلعب دورًا مختلفًا، المنافسة التي كانت في الماضي واحدة من أشهر مواجهات الخليج عادت تدريجيًا، وأصبح العراق والكويت يلتقيان مرة أخرى في البطولات الرسمية والودية، بعدما توقفت المواجهات بينهما لسنوات طويلة عقب أحداث 1990.
واحدة من أكثر الصور التي عكست هذا التحول ظهرت في مواجهة المنتخبين في الكويت ضمن تصفيات كأس العالم 2026، عندما سافر مشجعون عراقيون بأعداد كبيرة إلى الكويت لمساندة منتخب بلادهم.
بالنسبة إلى بعض هؤلاء المشجعين، لم تكن الرحلة مجرد سفر لمتابعة مباراة كرة قدم، وإنما كانت عودة إلى بلد ارتبط في ذاكرتهم بمرحلة سياسية شديدة القسوة، لكنهم هذه المرة وصلوا إليه من أجل التشجيع ومتابعة الرياضة.
وهنا ظهر اختلاف واضح بين جيل عاش أحداث 1990، وجيل جديد ينظر إلى العلاقة من زاوية مختلفة، ويرى أن كرة القدم يمكن أن تكون وسيلة للقاء بدلًا من أن تكون امتدادًا للصراع.
ورغم أن تاريخ المواجهات بين العراق والكويت يجعل من الصعب فصل الرياضة تمامًا عن السياسة، فإن المسؤولين الرياضيين في البلدين حاولوا في مناسبات مختلفة التأكيد على أن المنافسة يجب أن تبقى داخل الملعب.
أكثر ما يميز قصة العراق والكويت أن الزمن غيّر طبيعة العلاقة بين الشعبين، هناك جيل عاش الغزو والحرب وما تبعها، وهناك جيل آخر وُلد بعدها بسنوات ولم يعرف تلك الأحداث إلا من خلال الكتب وذكريات أسرته، ثم جاء جيل ثالث يتابع المنتخبين عبر البطولات ووسائل التواصل الاجتماعي ويرى المنافسة بصورة أكثر ارتباطًا بالرياضة.

وهذا لا يعني أن آثار الماضي اختفت، أو أن كل الملفات التاريخية أصبحت بلا حساسية، وإنما يعني أن العلاقات بين الدول والشعوب يمكن أن تتغير مع مرور الوقت، وأن الأجيال الجديدة قد تبحث عن مساحات مختلفة للتواصل.
ولهذا فإن أي مباراة بين العراق والكويت لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد 90 دقيقة، هناك تاريخ من المنافسة الكروية، وهناك خلافات سياسية وحدودية، وهناك حرب وغزو واحتلال وعقوبات وتعويضات، وهناك أيضًا سنوات من إعادة بناء العلاقات بين بلدين جارين.
وفي المقابل، هناك جماهير عراقية وكويتية تذهب إلى الملعب من أجل كرة القدم، ولاعبون يريدون الفوز، وأجيال جديدة تبحث عن منافسة رياضية طبيعية لا تحمل بالضرورة أعباء الماضي نفسها.
ولا يمكن اختصار قصة العراق والكويت في نتيجة مباراة، لأن كرة القدم هنا جاءت في نهاية سلسلة طويلة من الأحداث السياسية والتاريخية التي غيرت شكل المنطقة.
منذ أزمة 1961، مرورًا بمنافسة كروية وصلت إلى ذروتها في السبعينيات والثمانينيات، ثم غزو الكويت عام 1990 والحرب التي تلته، وصولًا إلى ملف التعويضات الذي أغلق رسميًا بعد سداد 52.4 مليار دولار، مرت العلاقة بين البلدين بمراحل يصعب فصل بعضها عن بعض.
العراق والكويت.. منافسة بدأت بالكرة، مرت وسط واحدة من أصعب أزمات المنطقة، ثم عادت الكرة مرة أخرى لتصبح واحدة من المساحات التي يلتقي فيها الجاران من جديد.
25 سبتمبر 2026 01:38 م
25 سبتمبر 2026 05:14 م
25 سبتمبر 2026 02:46 م
24 سبتمبر 2026 05:39 م
أكثر الكلمات انتشاراً