الإثنين، 28 سبتمبر 2026

12:01 ص

الإثنين، 28 سبتمبر 2026

12:01 ص

البابا في الصعيد.. رسائل الحركة والكلمة

بدءًا من الثلاثاء 15 سبتمبر 2026، أجرى قداسة البابا تواضروس الثاني جولة رعوية في إيبارشيات وأديرة الصعيد، استهلها بزيارة إيبارشية ملوي وأنصنا والأشمونين والأديرة التابعة لها، تلاها زيارة دير السيدة العذراء ورئيس الملائكة ميخائيل بالبهنسا، ثم دير القديس الأنبا صموئيل المعترف بجبل القلمون في المنيا، قبل أن يصل إلى إيبارشية ببا والفشن وسمسطا في بني سويف.

لا يمكن اعتبار تلك الجولة مجرد جولة رعوية دينية لرأس الكنيسة القبطية الأرثوذوكسية، بل حملت ما وطأته أقدام البابا وما نطق به فمه عدة رسائل لابد من التأمل بها.

الصعيد والطبيعة الخاصة

للصعيد طبيعة خاصة بالنسبة للمصريين المسيحيين، فالكتلة السكانية الغالبة لهم تقع هناك، والمزارات المقدسة التاريخية تجد لها سكونًا على تلك الأرض، لكن الصعيد أيضًا هو موضع كثير من الأحداث الطائفية، أو الاعتداءات الإرهابية التي شهدتها الدولة المصرية في أعقاب ثورة 30 يونيو 2013.

الزيارة الرعوية الأخيرة لقداسة البابا تواضروس الثاني إلى الصعيد ليست الأولى، بل شهدت حبرية البابا اهتمامًا شديدًا بالصعيد، إذ أجرى أولى جولاته الرعوية لإيبارشية أسيوط في فبراير 2013.

من فبراير 2013 حتى عام 2015، لم تطأ قدمي البابا الصعيد، الذي كان موقعًا لأحداث طائفية وإرهابية استهدفت المسيحيين هناك من قبل الجماعات الإرهابية، من حرق للكنائس والمنشآت حتى استهداف الأقباط بعمليات إرهابية، واستمر بعض منها حتى عام 2018، باستهداف حافلات كانت في طريقها لدير الأنبا صموئيل المعترف بجبل القلمون في المنيا مرتين على التوالي في 2017 و2018.

بعد زيارة إيبارشية أسيوط في فبراير 2013 لم يزر البابا الصعيد إلا في مارس 2015، حينما أجرى جولة رعوية في إيبارشيات المنيا وملوي وسمالوط، ثم في يناير 2016 زار البابا إيبارشيات الأقصر وقنا وإسنا وأرمنت وقوص ونقادة.

في مارس 2017 زار البابا إيبارشية بني سويف، وفي يناير 2020 زار إيبارشيات سوهاج وجرجا والبلينا وأخميم وساقلتة وطما وطهطا. وعاد البابا لزيارة الصعيد في سبتمبر 2025 بزيارة إيبارشية أسيوط، وفي أكتوبر زار إيبارشيات المحرق وقوص وأسيوط القديم والجديدة وأبو تيج ومنفلوط.

عشرات الكنائس والمنشآت تعرضت لهجمات عنيفة في أعقاب فض اعتصامي رابعة والنهضة، غالبيتها كانوا في الصعيد، فضلا عن استهدافات فردية للأقباط هناك من قبل التنظيمات الإرهابية، لذلك الصعيد ذو طبيعة خاصة للغاية وزيارة البابا له تحمل عدة رسائل.

كان الصعيد محرمًا على رأس الكنيسة القبطية الأرثوذوكسية لمدة عامين، في الوقت الذي كانت تخوض فيه الدولة حروبًا على عدة جبهات داخلية من أجل التصدي لإرهاب الجماعة والمتحالفين معها، خاصة ممن اتخذوا من جبال الصعيد ملجأ ونقطة تمركز وانطلاق لتنفيذ هجمات ضد الدولة عامة والمسيحيين خاصة.

بعد تلك الفترة عاد البابا تواضروس لجولاته الرعوية في الصعيد التي اختتمها بزيارة المنيا وبني سويف، وارتحل بسيارته بين ربوع الإقليم الواقع في جنوب مصر، ما يعكس قدرة الدولة المصرية على فرض سيطرتها في كافة ربوع الجمهورية.

على جانب آخر، البابا تواضروس شأنه شأن فضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب، كلاهما رأسا أكبر مؤسستين دينيتين في الشرق الأوسط، وبالتالي عمليات تأمين زياراتهما الداخلية شاقة، خاصة في الصعيد، لذلك تعكس أي زيارة لهما القدرة الفائقة على التأمين، مثل الصورة المثالية للحفاوة الشعبية لاستقبال كليهما، وتراجع لافت للخطاب العنصري والطائفي، وإن كان لم يختفي ولن يختفي بسهولة مطلقًا.

رسائل الكلام

اختار قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية، الصعيد تحديدًا لإطلاق عدة رسائل مهمة، بل ومهمة للغاية.

اختار البابا الصعيد ليتحدث عن العنف والتطرف والوحدة الوطنية، وهناك قال إن الشعب المصري لديه قدر عال من التوازن والوسطية، والشخصية المصرية لديها هدوء وتسكنها روح التدين والصلاة، لذا لا يمكن أن تجد مصري أصيل يميل للعنف.

بغض النظر عن تحليل الجملة الأخيرة ومدى واقعيتها وصحة مضمونها، إلا أن البابا كان لديه رغبة في الإشارة إلى نزع صبغة العنف عن التركيبة المصرية الأصيلة، ونزع صبغة الوطنية عن مرتكبي العنف جميعهم.

قناعات البابا تلك استكملها برسالة شملت كافة المؤسسات، إذ قال إنهم من المهم أن نزرع مثل تلك المفاهيم في عقول وقلوب الأطفال والشباب، وهذه مسؤولية الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والإعلامية والاجتماعية.

في سياق متصل، كان للبابا تصريحات وجدت اهتمامًا معينًا على حسابات مواقع التواصل الاجتماعي، فرأس الكنيسة القبطية الأرثوذوكسية، يُكرر ما أعلنته الكنيسة دستورًا لا يُعدل وقاعدة مقدسة أبدية في مناهجها.

ذلك التصريح كان إعلان رفض أي تدخل أجنبي واستغلال لأي شأن من شؤون المسيحيين المصريين، وأعاد البابا أقوال أسلافه على مدار عقود من الزمن: "

نحن نرفض أي تدخل أجنبي أو أي حماية من أحد.. نحن نحتمي بالله أولاً ثم بإخواننا المسلمين المصريين ثانيًا".

من الصعيد أشار البابا إلى أن ما يجمع المصريين أكبر من أي اختلاف، وأن المحبة والتعاون بين أبناء الوطن الواحد يمثلان أساسًا مهمًا لاستمرار البناء والنمو، وأن مصر وطنًا لا يضاهيه أي وطن في العالم كله.

لكن البابا في سياق حديث عن الوطن، قرر أن يشير إلى عدة أمور مهمة، أبرزها أن بناء الوطن لا يقتصر على إقامة المشروعات والمنشآت الخدمية، وإنما يتطلب بالتوازي الاهتمام ببناء الإنسان وإعداده للمستقبل.

يرى البابا أن إعداد المواطن الصالح مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة، ثم المدرسة، والمؤسسة الدينية، والمسجد والكنيسة، والمؤسسات الاجتماعية، والإعلام والثقافة، حيث تتكامل هذه الأدوار في تشكيل وعي الإنسان وشخصيته وانتمائه لوطنه. 

بابا الكنيسة الأرثوذوكسية أكد أن الإنسان يمثل محور عملية البناء، وأن الاستثمار في وعيه وتعليمه وتكوينه يسهم في بناء مجتمع قادر على مواصلة مسيرة التنمية وتحمل مسؤولية المستقبل.

ثم تطرق البابا للحديث عما تشهده مصر من مشروعات قومية، لافتًا إلى ما تم تنفيذه خلال أكثر من 10 سنوات في مجالات البنية الأساسية والطرق والمدن الجديدة والطاقة والخدمات والتنمية العمرانية.

البابا قال إن هذه المشروعات تمثل جزءًا من رؤية أوسع لبناء دولة حديثة، لا تستهدف تلبية احتياجات الحاضر فقط، وإنما تهيئة مقومات الحياة والعمل والاستثمار للأجيال القادمة.

مشيرًا إلى أن الإنسان الناجح والدولة الناجحة لا ينظران فقط إلى احتياجات اليوم، وإنما يفكران فيما يحتاجه الأبناء والأحفاد خلال السنوات المقبلة، مؤكدًا أهمية التخطيط للمستقبل مع استمرار جهود التنمية والبناء.

مثلما اشتبك البابا في الحديث عن الحاضر والمستقبل وبناء الإنسان الذي لا بد أن يسير بالتوازي مع بناء المشروعات، دخل البابا بجملة واحدة في اشتباك مؤجل.

بعض الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي شنت هجومًا على المدارس القبطية، زعامة عددًا من الأكاذيب نفاها رواد تلك المدارس من المسلمين قبل المسيحيين، لكن البابا أراد الحديث عنها.

قال البابا في هذا الشأن إن المدارس القبطية طوال تاريخها تخدم كل المصريين، وليس لها أي أبعاد طائفية، فهي فقط تعمل لأجل إعداد المواطن الصالح.

في النهاية، كثير من الرسائل كانت بين طيات زيارة البابا تواضروس الثاني الرعوية إلى الصعيد، والتي تأتي في وقت تمر به المنطقة بأسرها من حالة توتر وتشير فيه السيناريوهات المستقبلية إلى زيادة ذلك التوتر بتطرف. فهل وصلت الرسائل؟

search