الخميس، 29 أكتوبر 2026

02:05 ص

الخميس، 29 أكتوبر 2026

02:05 ص

يا أيها الذين عارضوا (2)

خلال الشهور القليلة الماضية، انتشرت نميمة سياسية كالنار في الهشيم. المزارعون في الحقول هربوا من لهيب أحرق الشجر والثمر، والحطّابون في الجبال هرعوا داخل الشقوق، والعجائز حول نار المدفأة في ليالي الشتاء أدركهم صيف حارق. كل حٌبلى أجهضت، وكل عاقر تمخضت، وكل قعيد شب، وكل شابُ شابَ.

سوف يتم تعديل الدستور المصري، ويبقى الرئيس عبد الفتاح السيسي جالسًا على عرش حكم مصر حتى تحترق النجوم، وتفنى العوالم، وتذبل الشموس، وينطفئ القمر، وتجف البحار والأنهار.

الرفاق حائرون.. يفكرون.. يتساءلون في جنون، هل سنحيا إلى يوم نرى فيه رئيس يٌسلم خليفته مُفتاح قصر الحكم؟. وفي أثناء ذلك التساؤل، بايع المؤيدون، وهاجم المعارضون، وعزف المنتفعون على طبول لا تزول.

شيء واحد فقط نساه الجميع، أن كل ذلك الصخب على شيء لم يحدث من الأساس، بل مجرد نميمة سياسية فقط، وكعادتنا في براعة صناعة الضجيج دون طحين.

خرج السيسي في أعقاب كل هذا وذاك، قال إن الدستور المصري لم يٌمس، وشدد على رحيله عن حكم مصر بعد انتهاء مدته الرئاسية في 2030. فهل هدأت الأمور؟.. إن كنت مصريًا فلن تحتار في الإجابة، بالطبع لم تهدأ، فكيف تهدأ ونحن بدون كثرة الكلام يتامى.

اللافت للنظر هنا هو رد فعل المعارضة المصرية، الذين جاءتهم البشرى فلم يستبشروا، بل مارسوا عادتهم المستمرة منذ سنوات، وبقوا على العهد معنا، رجال أقوال لا أفعال.

قبل إعلان السيسي رحيله بنهاية مدته الانتخابية، كان لا حديث سوى عن الديمقراطية التي تقضي نحبها، وتداول السلطة الذي صار صرحًا من خيال فهوى، وبعد إعلان السيسي تسليم السلطة في أعقاب انتهاء مدته، أسدل الستار على مسرحية تداول السلطة وتعديل الدستور، ودخلنا كلنا فيلم "جعلوني معارضًا".

في هذا الفيلم التعيس الذي هو نسخة من الواقع وتتشابه كل أحداثه معها ولا يخضع أبدًا لخيال مؤلفه، هو بطولة جماعية لرموز من المعارضة المصرية، الذين يؤمنون بحتمية تطبيق الديمقراطية وتداول السلطة وحرية الرأي والتعبير، لكن هذا الإيمان ليس مطلقًا، فكل تلك الأشياء لا يطبقوها أصلا في أحزابهم أو حتى في حياتهم العامة، لكنهم يجيدون صعود المنابر والخطابة بلغة شعبوية، وبارعون في التنظير والمزايدات براعة "عوم القراميط في النيل".

الأستاذ فريد زهران، المعارض الكبير والسياسي المخضرم، يتحدث طيلة الوقت عن الديمقراطية وتداول السلطة والحرية وإلى آخره من مبادئ سياسية عظيمة، لكن هل يطبّقها مثلما يؤمن بها؟

يترأس زهران الحزب المصري الديمقراطي منذ 4 أبريل 2016، أي 10 سنوات في رئاسة الحزب، وكان من المفترض أن تجرى انتخابات في عام 2024، لكنها تأجلت سبحان الله.

رئيس الحزب المعارض لم يطبق الديمقراطية وتداول السلطة، ووصلت الأزمات داخل الحزب إلى اعتصامات وإنذارات على يد محضر، وإبلاغ الشرطة عن المعارضين له في الحزب.

ثم يأتي الدور على حزب الدستور، الذي منذ عام 2013 يعاني من مشكلات واستقالات اعتراضًا على طريقة إدارته وأزماته الداخلية وانفراد مجموعة دون عن آخرى بالسلطة فيه.

من يعتلون عرش الحزب يفصلون أي معارض لهم، والمعارضون يتهمون قادة الحزب بكل التهم الممكنة، وهذه هي الديمقراطية وتداولة السلطة بالحزب.

نأتي لأكبر شيء يدهشك في عالم السياسة المصرية وهو الحركة المدنية، التي أصدرت بيانًا في أعقاب إعلان السيسي عدم تعديل الدستور، ثم طرح فكرة تدريب الحاصلين على دكتوراه في الأكاديمية العسكرية، من أجل الإعداد لاسم رئيس مصر المقبل، وهو طرح يمكنك أن تناهضه كيفما تشاء فهي فكرة خاضعة لكل أشكال التقييم.

في بيان الحركة المدنية فقرة تقول: على القوى المدنية المعارضة، والحركة المدنية الديمقراطية في القلب منها، أن تبدأ فورًا الاستعداد لخوض الانتخابات الرئاسية في 2030، من خلال بلورة برنامج إصلاحي ديمقراطي وطني يفتح الطريق أمام تأسيس دولة مدنية ديمقراطية حديثة، تقوم على سيادة القانون وتداول السلطة واحترام الحقوق والحريات، ويستهدف تحولًا حقيقيًا في العلاقة بين الدولة والمجتمع، كما يعالج الأزمات البنيوية في الاقتصاد والسياسة، التي تعاني منها مصر منذ عقود، ويدفع ثمنها عموم المواطنين المصريين.

والسؤال هنا، أعضاء تلك الحركة التي يعارضون منذ 15 عامًا على أقل تقدير، ليس لديهم أي خطة لرئاسة مصر؟ هل يطرحون الإعداد لخوض الانتخابات الآن؟ والسؤال الأهم هل الحركة المدنية التي ثارت غضبًا على قصر السيد أكمل قرطام راعيها وممولها الأول قادرة أصلا على لمس مشاكل الناس ووضع حلول لها؟

بل إن الحركة ذاتها انشق عنها العديد من الأحزاب المعارضة، وإن سألت أصدقاءك على المقهى لن يعرفوها ولو على سبيل الصدفة، فمن أين الثقة لكل هذا التنظير؟

انتهت حلقة اليوم ووجب التنويه مثلما نوهت في الحلقة الأولى، أنا أكتب ما قد يلقى استحسانكم أو استهجانكم، فتلك الكلمات ليست وحيّا منزّلا، وأنا لست نبيًا أو صحابيًا، لكني كما وصف صلاح جاهين أمثالي: "لا في إيدي سيف ولا تحت مني فرس". فيا أيها الذين عارضوا عليكم تقبل ما سبق وما يجيء بسعة صدر لأن حرية الرأي والتعبير "مواصلة عامة مش ملاكي".

search