الإثنين، 28 سبتمبر 2026

12:01 ص

الإثنين، 28 سبتمبر 2026

12:01 ص

خارج القاعدة.. النظام الدولي بين المبادئ وموازين القوة

في أروقة الأمم المتحدة، حيث تجتمع دول العالم في لحظة واحدة، تبدو الكلمات أحيانًا أكبر من القاعة التي تقال فيها، ومع متابعة جلسات الجمعية العامة في دورتها الحادية والثمانين، وجدت نفسي أمام سؤال يتكرر في كل كلمة وكل مداخلة: إلى أين يسير هذا العالم؟

معادلات الأمن القومي

العالم تغيرت فيه موازين القوى، وتشابكت فيه الحروب مع الاقتصاد، وأصبحت التكنولوجيا والمياه والتنمية جزءًا من معادلات الأمن القومي، وهنا يبرز السؤال الأهم: هل ما زالت القواعد التي حكمت العلاقات الدولية لعقود قادرة على استيعاب هذا العالم الجديد، أم أن النظام الدولي نفسه يحتاج إلى مراجعة تعيد التوازن بين القوة والقانون؟

المشكلة ليست في وجود الأمم المتحدة أو مجلس الأمن أو مؤسسات التمويل الدولية، بل في الفجوة التي اتسعت بين المبادئ التي يفترض أن تحكم هذه المؤسسات وبين الواقع الذي يشهده العالم يوميًا، يتحدث القانون الدولي عن سيادة الدول، وحماية المدنيين، وتسوية النزاعات بالطرق السلمية، والمساواة في السيادة، غير أن الأزمات المتتالية تكشف أن تطبيق هذه المبادئ ما زال يتأثر إلى حد كبير بتوازنات القوى ومصالح الدول الكبرى.

إن إصلاح النظام الدولي لم يعد مجرد حديث عن تعديل مقاعد مجلس الأمن أو زيادة عدد الأعضاء في بعض المؤسسات، ولكن الإصلاح الحقيقي يبدأ من استعادة مبدأ بسيط لكنه جوهريًا: أن تكون القاعدة واحدة عندما يتعلق الأمر بحقوق الدول وأمن الشعوب.

الشعب الفلسطيني

تقدم القضية الفلسطينية أوضح مثال على هذه المعضلة، عندما تتحدث مصر في المحافل الدولية عن فلسطين، فإنها لا تفعل ذلك بصفتها دولة مجاورة لمنطقة الصراع فحسب، بل تنطلق من تصور أوسع يرى أن استمرار الصراع بهذا الشكل يختبر قدرة المجتمع الدولي على حماية القواعد التي وضعها بنفسه.

وقف الحرب، وحماية المدنيين، وإدخال المساعدات، ورفض التهجير، ليست مطالب منفصلة، بل حلقات مترابطة في مسار سياسي ينبغي أن ينتهي إلى تسوية عادلة تضمن للشعب الفلسطيني حقه في دولته المستقلة، وفقا للمرجعيات والقرارات الدولية.

المياه قضية وجودية

وحين تتحدث مصر عن المياه بوصفها قضية وجودية لا تحتمل المساومة، فإنها تتحدث عن مسألة تمس جوهر الدولة وحياة المجتمع ومستقبل أجياله، النيل في الوعي المصري ليس مجرد مورد تحكمه أرقام الحصص وحسابات التوزيع، بل هو النهر الذي تشكلت على ضفافه ملامح الدولة، واستقرت حوله حياة المصريين، وظل عبر آلاف السنين جزءًا من الجغرافيا والاقتصاد والذاكرة والهوية.

لذلك تظل قضية المياه بالنسبة إلى مصر دفاعا عن حق الحياة، وعن مقومات دولة ارتبط أمنها واستقرارها ومستقبلها بهذا النهر، وهذه الحقيقة تفرض على النظام الدولي أن يتعامل مع قضايا المياه بمنطق القانون والمصالح المشتركة، لا بمنطق الأمر الواقع، وأن حق الدول في التنمية لا يجوز أن يتحول إلى ذريعة للإضرار بحقوق دول أخرى، كما أن التعاون بين الدول المتشاطئة لا يمكن أن يقوم دون قواعد واضحة تضمن عدم الإضرار وتحترم المصالح المتبادلة، غير أن أزمة النظام الدولي لا تقتصر على السياسة والأمن، هناك جانب آخر ربما لا يحظى بالقدر نفسه من الاهتمام، لكنه يمس حياة الناس بصورة مباشرة: من يدفع فاتورة التنمية؟

ارتفاع تكلفة الاقتراض وأعباء الديون

تواجه الدول النامية منذ سنوات ضغوطًا متزايدة نتيجة ارتفاع تكلفة الاقتراض وأعباء الديون، وتراجع المساحات المتاحة لتمويل التنمية، في وقت تحتاج فيه إلى استثمارات ضخمة في الطاقة والتعليم والبنية الأساسية والتحول الأخضر والتكيف مع تغير المناخ، ولهذا فإن إصلاح النظام المالي العالمي لا يمكن فصله عن إصلاح النظام السياسي الدولي، وإذا كانت بعض الدول تمتلك قدرة أكبر على الوصول إلى التمويل والتكنولوجيا والأسواق، بينما تتحمل دول أخرى تكلفة أعلى لمجرد أنها تقع في موقع اقتصادي أكثر هشاشة، فإن الحديث عن تكافؤ الفرص يظل ناقصًا.


التكنولوجيا تفتح بابًا جديدًا من عدم المساواة، الذكاء الاصطناعي لم يعد صناعة مستقبلية بعيدة عن السياسة، بل أصبح أحد عناصر القوة الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية، والدولة التي تمتلك البيانات والبنية الحاسوبية والكوادر القادرة على تطوير التكنولوجيا، تمتلك في الوقت نفسه جزءًا من أدوات التأثير في الاقتصاد العالمي، وهنا تواجه الدول النامية سؤالا صعبا: هل يكون نصيبها من الثورة التكنولوجية مجرد استهلاك منتجات الآخرين، أم تستطيع أن تتحول إلى طرف يشارك في إنتاج المعرفة والتكنولوجيا؟

الإجابة لا تتعلق بشراء الأجهزة أو إطلاق المنصات الرقمية فحسب، المسألة تبدأ من التعليم والبحث العلمي وتكوين الكفاءات وبناء بيئة قادرة على إنتاج المعرفة، وفي الوقت نفسه، يحتاج العالم إلى قواعد دولية واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، تحمي الخصوصية وتمنع الاستخدامات الخطرة، وتحد من تحول التكنولوجيا إلى أداة جديدة لتوسيع فجوة القوة بين الدول.

 إصلاح المؤسسات الدولية 

إن إصلاح المؤسسات الدولية ضرورة عملية، وليس شعارًا سياسيًا، توسيع تمثيل أفريقيا والدول النامية في مؤسسات صنع القرار، وإعادة النظر في طريقة عمل مؤسسات التمويل الدولية، وإتاحة التكنولوجيا والمعرفة بصورة أكثر عدالة، كلها ملفات ترتبط ببعضها أكثر مما يبدو للوهلة الأولى، الأمن مرتبط بالموارد، والموارد مرتبطة بالتنمية، والتنمية تحتاج إلى تمويل، والتمويل أصبح مرتبطاً بالتكنولوجيا، وما يحدث في أحد هذه الملفات ينعكس بالضرورة على الملفات الأخرى.

مصر، وهي تطرح رؤيتها بشأن إصلاح النظام الدولي، لا تتحدث من موقع المتفرج على أزمة بعيدة، هي دولة تواجه بصورة مباشرة ملفات الأمن الإقليمي والمياه والتنمية والديون والتكنولوجيا، وتدرك أن عالم المستقبل لن يكون أكثر استقرارًا بمجرد تغيير أسماء المؤسسات أو زيادة عدد الاجتماعات، وأن المطلوب هو استعادة المعنى الحقيقي لفكرة النظام الدولي: أن تكون هناك قواعد يعرفها الجميع، ومؤسسات قادرة على تطبيقها، ومساحة عادلة للدول كي تدافع عن مصالحها، دون أن يتحول اختلاف موازين القوة إلى اختلاف في قيمة الحقوق نفسها.

حماية الإنسان والدولة

إن نجاح أي نظام دولي يقاس بقدرته على حماية الإنسان والدولة معا، وحين تصبح القاعدة أقوى من القوة، يمكن للعالم أن يتحدث عن نظام دولي بالمعنى الحقيقي للكلمة، أما حين تصبح القواعد قابلة للتطبيق على طرف واستثناء طرف آخر، فإن الأزمة لا تكون في مؤسسة بعينها، بل في الثقة التي يقوم عليها النظام كله.

وهنا تحديدا تبدأ معركة الإصلاح: ليس على المقاعد فقط، وإنما على القواعد التي تحدد من يجلس، ومن يملك القرار، ومن يدفع الثمن.

اقرأ أيضا:

د. رضا فرحات يكتب .. الصمت الإستراتيجي

search