الجمعة، 02 أكتوبر 2026
07:54 م
في صباح ٢٨ ديسمبر ١٩٤٨، كانت مصر على موعد مع واحدة من أشهر جرائم الاغتيال السياسي في تاريخها الحديث؛ إذ اغتيل رئيس الوزراء ووزير الداخلية محمود فهمي النقراشي باشا داخل مبنى وزارة الداخلية، بعد أسابيع قليلة من صدور قراره بحل جماعة الإخوان المسلمين.
كان النقراشي قد أصدر في ٨ ديسمبر ١٩٤٨ أمرًا عسكريًا بحل الجماعة وفروعها ومصادرة ممتلكاتها، في أعقاب سلسلة من أحداث العنف والاغتيالات التي ارتبطت بالتنظيم الخاص للجماعة.
قضية (السيارة الجيب) في 15 نوفمبر من العام نفسه كشفت جانبًا من نشاط التنظيم السري في ذلك اليوم تحرك عدد من أعضاء التنظيم الخاص بسيارة جيب لا تحمل لوحات أرقام من منطقة حي المحمدي بالقاهرة إلى منطقة الوايلي بالعباسية، وكان الهدف ـ بحسب الروايات المنشورة عن القضية ـ نقل أوراق ومعدات تخص التنظيم من إحدى الشقق إلى مكان آخر.
ومن بين المشاركين أحمد عادل كمال وطاهر عماد الدين، وكانت السيارة يقودها شخص يُدعى مصطفى كمال عبد المجيد.
وعندما توقفت السيارة أمام المنزل رقم ٣٨ بشارع جنينة القوادر في الوايلي، لاحظ أحد المخبرين أن السيارة لا تحمل أرقامًا، فأثار الأمر شكه. وعندما تدخلت الشرطة، فر بعض الموجودين وتركوا السيارة ومحتوياتها.
عند تفتيش السيارة، عثرت السلطات على لغم وكميات كبيرة من المواد الناسفة من أنواع مختلفة ومادة الـ P.T.N والقنابل ولفافات من فتيل الاشعال ومدفع ستن وثلاث خزنات لمدفع ستن و27 مسدسا من انواع مختلفة واربعة خناجر وعدد كبير من الطلقات النارية والمفجرات الكهربائية والطرقية وغيرها وست ساعات زمنية وقناع اسود. وبعد أقل من ثلاثة أسابيع، وقع حادث الاغتيال.
_1755_134400.jpeg)
كيف نُفذت الجريمة؟
في العاشرة من صباح يوم الثلاثاء 28 ديسمبر 1948 دخل شاب إلى مبنى وزارة الداخلية متخفيًا في زي ضابط شرطة، وانتظر وصول النقراشي باشا. وعندما وصل رئيس الوزراء واتجه إلى المصعد، أدى الشاب التحية العسكرية له، ثم أطلق عليه ثلاث طلقات من الخلف أردته قتيلاً في الحال. القاتل كان عبد المجيد أحمد حسن، طالبًا بكلية الطب البيطري وعضوًا في جماعة الإخوان المسلمين، كما كشف التحقيقات عن وجود صلة لآخرين بالجريمة.
وكان لذلك الاغتيال أسباب ثلاثة هى كما زعم عبد المجيد أحمد حسن الذي نفذ عملية الاغتيال، تهاونه فى شأن قضية وحدة مصر والسودان، وخيانته لقضية فلسطين واعتداؤه على الإسلام بحل الإخوان المسلمين.
أعلن حسن البنا بعد الحادث مباشرة بيانًا استنكر فيه الجريمة وتبرأ من منفذيها تحت عنوان (ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين)، وكأنه لم يكن يعلم بتلك الجريمة مسبقاً.
فى يوم الخميس 13/10/1949 صدر الحكم فى القضية كالآتي:
وتم تنفيذ حكم الإعدام في عبد المجيد أحمد حسن فى يوم 25 أبريل 1950 فى عهد وزارة الوفد بعد أن رفض التماس أسرته بالعفو عنه.
_1755_134423.jpeg)
النقراشي والخازندار.. سياق أوسع للعنف:
لم تكن واقعة النقراشي حادثة منفردة في تلك الفترة. ففي ٢٢ مارس ١٩٤٨ اغتيل القاضي أحمد الخازندار في حلوان، منفذي الجريمة كانا من أعضاء جماعة الإخوان، وأن الخازندار كان ينظر في قضايا متهم فيها عدد من أعضاء الجماعة.
كما قامت الجماعة بقتل حكمدار القاهرة سليم زكي في ديسمبر ١٩٤٨ في انفجار قنبلة، في سياق سلسلة من أحداث العنف التي سبقت قرار حل الجماعة.
وتذكر دراسة لمرصد دار الإفتاء المصرية أن هذه الوقائع، إلى جانب اغتيال النقراشي ومحاولات اغتيال أخرى في ١٩٤٩، شكلت جزءًا من تاريخ الصدام العنيف بين الجماعة والدولة في تلك المرحلة.
وهنا تظهر أهمية اغتيال النقراشي في قراءة تاريخ الجماعة: فالجريمة لم تقع في فراغ، وإنما جاءت في مرحلة كان فيها التنظيم الخاص يمثل الجناح السري المسلح للإخوان. وتؤكد مصادر مستقلة أن الجماعة كانت قد أنشأت في تلك الحقبة جناحًا مسلحًا شارك في أعمال عنف.
رجل دولة في مواجهة تنظيم سري
كان محمود فهمي النقراشي من رجال الحركة الوطنية المصرية، وشارك في الحياة السياسية منذ عهد سعد زغلول، وتولى رئاسة الحكومة مرتين.
وخلال إحدى فتراته في الحكم طالب بالجلاء البريطاني عن مصر، كما شهد عهده انضمام مصر إلى الأمم المتحدة.
ومن المفارقات التاريخية أن الرجل الذي اتخذ قرار حل الجماعة كان يدرك أن القرار قد يجعله هدفًا للانتقام. وتروي ابنته صفية النقراشي في حوار نشرته جريدة الأهرام أن والدها مضى في قرار الحل رغم التحذيرات التي تلقاها، ثم اغتيل بالفعل بعد نحو عشرين يومًا.
أما ما يخص وجود تحريض بريطاني على الاغتيال، فقد وردت اتهامات بهذا المعنى في تصريحات نجل النقراشي هاني النقراشي، لكنه طرحها باعتبارها رواية أو تفسيرًا للعائلة، وليس باعتبارها حقيقة قضائية محسومة؛ ولذلك ينبغي فصلها عن الوقائع الثابتة المتعلقة بمنفذ الجريمة وانتمائه.
اغتيال النقراشي.. محطة مفصلية:
أصبح اغتيال النقراشي باشا في ٢٨ ديسمبر ١٩٤٨ واحدة من أبرز الوقائع التي ارتبطت تاريخيًا بالتنظيم الخاص لجماعة الإخوان المسلمين. وبعدها بأسابيع، وفي فبراير ١٩٤٩، اغتيل حسن البنا نفسه في القاهرة في حادث آخر، لتدخل مصر مرحلة جديدة من الصدامات بين الدولة والجماعة.
وهكذا بقيت رصاصات وزارة الداخلية شاهدة على مرحلة شديدة الاضطراب من التاريخ السياسي المصري؛ مرحلة انتقل فيها الصراع السياسي، في بعض الحالات، من الجدل والمنافسة السياسية إلى التنظيم السري والسلاح والاغتيال.

المصادر:
- كتاب (النقط فوق الحروف - الإخوان المسلمون والنظام الخاص) الطبعة الاولى – الزهراء للأعلام العربي- الفصل العاشر.
- مرصد دار الإفتاء المصرية.
- محاضر تحقيقات النائب العام – محمود منصور.
- كتاب عبد الناصر والإخوان المسلمون.. عبد الله إمام.
- كتاب حسن البنا .. كيف ومتى ولماذا؟ .. د/ رفعت السعيد
29 سبتمبر 2026 08:59 ص
24 سبتمبر 2026 11:17 ص
23 سبتمبر 2026 10:24 ص
أكثر الكلمات انتشاراً