الخميس، 08 أكتوبر 2026

10:39 م

الخميس، 08 أكتوبر 2026

10:39 م

محمد عبد اللطيف.. وزير القرارات السريعة.. عبورٌ مأمول وارتباكٌ مستمر

منذ أن تولّى محمد عبد اللطيف مسؤولية وزارة التربية والتعليم، وبينما كنت أقرأ سيرته الذاتية، علمت أنه حفيد المشير أحمد إسماعيل، القائد العام للقوات المسلحة ووزير الحربية المصري خلال عبور أكتوبر 1973؛ فازددت تفاؤلًا بشخصه، وقلت في نفسي: لا بد أن الجينات الوراثية سوف تلعب دورها؛ فكما كان لجده لأمه، المشير أحمد إسماعيل، دور رئيسي في إتمام عملية عبور قناة السويس، سيكون للحفيد دور مهم في العبور بمنظومة التربية والتعليم إلى بر الأمان، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.
تستحق تجربة محمد عبد اللطيف في وزارة التربية والتعليم المصرية، التي لم تكتمل ولا نتمنى لها أن تستمر إن بقيت على هذا المنوال، نقدًا يتجاوز شخص الوزير إلى طريقة إدارة التعليم نفسه.

فمنذ تولّيه المسؤولية، بدأ الجدل مبكرًا حول مؤهلاته، ثم فوجئنا بسرعة إعادة هيكلة الثانوية العامة، وصُدمنا بأعباء التقييمات الأسبوعية التي تُقيِّم وليّ الأمر أكثر مما تُقيِّم الطالب، ثم تزايدت المخاوف من تفاوت فرص الطلاب في نظام البكالوريا.

بدأت أزمة الثقة مبكرًا مع سيادة الوزير، حين أُثير الجدل في يوليو 2024 حول شهادة الدكتوراه المنسوبة إليه من جامعة (كارديف سيتي) الأمريكية. وإن كنت أعتقد أن هذه النقطة تحديدًا ليست جوهر الخلاف معه، ولا حتى معاناة المدارس من ميزانيات صفرية لا تفي باحتياجاتها المليونية؛ فهذه تركة توارثها وزراء التربية والتعليم على مدار خمسين سنة مضت، مع تراجع ميزانية التعليم قياسًا بالزيادة السنوية في أعداد الطلاب.

التسرع في تغيير المناهج دون استعداد كافٍ للتنفيذ

النقطة الأبرز والأكثر اتصالًا بحياة الطلاب هي سرعة إعادة هيكلة الثانوية العامة في أغسطس 2024؛ فقد شملت التغييرات تقليل عدد المواد، ودمج بعضها، وإخراج بعضها الآخر من المجموع.

حدث ذلك سريعًا، دون دراسة متأنية أو مراعاة كافية لمصلحة الطالب، وكأن المهم هو إحداث تغيير يُحسب للوزير فحسب. فالتغيير الصحيح لا يبدأ من القمة وحدها، بل من القاعدة أولًا، ويتطلب سنوات من الإعداد حتى لا يُحدث خللًا مفاجئًا في المنظومة يدفع الطالب ثمنه.

كان لا بد أولًا من التأكد من جاهزية الكتب والمناهج، وتوافر المعلم المؤهل لتدريس المواد الجديدة؛ فقد اتُّخذ القرار بصورة مفاجئة في أغسطس 2024، قبل شهر واحد فقط من بدء الدراسة. ولم تكن الاعتراضات رفضًا مطلقًا للتخفيف؛ إذ رحّب بعض ممثلي أولياء الأمور بالفكرة، بينما ربط آخرون نجاحها بوضوح آليات التنفيذ والاستعداد له.

ودافعت الوزارة عن التغيير باعتباره وسيلة لإتاحة ساعات تدريس كافية وتنمية مهارات الطلاب، وأكدت أن الحلول استندت إلى زيارات ميدانية ومراجعات خبراء. وهذا مبرر يستحق المناقشة، لكنه يحتاج إلى دليل على تحقق نتائجه؛ فدمج المواد لا يضمن تلقائيًا ترابط المعرفة، وتقليل عددها لا يثبت وحده انخفاض العبء. ومن ثم، فإن جوهر الاعتراض يتعلق بمدى كفاية الإعداد والتدريب والتجريب قبل التعميم، ومدى قدرة الوزارة على نشر نتائج تسمح بتقييم قراراتها.

زيادة الضغط على الطلاب والمعلمين بالتقييمات الأسبوعية

وبرزت التقييمات الأسبوعية باعتبارها محورًا آخر للنقد؛ إذ زادت من أعمال التصحيح والضغوط الإدارية على المعلم، على حساب الشرح والتحضير، فضلًا عما تسببه الاختبارات المتكررة من قلق للأسرة والطالب. فهل يتناسب حجم التقييم مع الوقت والموارد المتاحة للمعلم؟

كما وسّعت التقييمات الأسبوعية سلطة معلم الفصل في منح الدرجات، بما قد يدفع الطالب إلى اللجوء إلى الدروس الخصوصية لدى معلمه، باعتبارها وسيلة آمنة لضمان درجات التقييم.

فالتقييم يكون مفيدًا حين يساعد على اكتشاف صعوبات التعلم وعلاجها. أما حين تصبح الأولوية لاستكمال الأوراق وتسجيل الدرجات، فإنه قد يستنزف الوقت المخصص للتعلم نفسه. والمطلوب من الوزير هنا مراجعة العبء الفعلي داخل الفصل، والاستماع إلى المعلمين، وتوضيح كيفية استخدام نتائج التقييم لتحسين تعلم الطلاب. فانتظام الحضور هدف مهم، لكن جودة الوقت الذي يقضيه الطالب في المدرسة تظل معيارًا أساسيًا للنجاح.

الغموض ومخاوف تكافؤ الفرص في نظام البكالوريا

ثم جاء نظام البكالوريا المصرية ليضيف نقاشًا حول العدالة واستقرار السياسات. فتغيير نظام الثانوية قد يكون مفيدًا إذا ارتبط بإصلاح يبدأ من القاعدة، لكن التغيير لمجرد التغيير، دون رؤية متكاملة لأبعاده، يُعد مقامرة بمستقبل الطلاب. كما أن رسوم إعادة الامتحانات تثير مخاوف من منح القادرين ماليًا أفضلية على حساب الفقراء والبسطاء، بما يتعارض مع أبسط مبادئ العدالة الاجتماعية.
وتعدد المحاولات يمكن أن يكون فرصة حقيقية للإنصاف، لكن عدالته تتوقف على قدرة جميع الطلاب على الاستفادة منه. وقد أعلن الوزير، أثناء الحوار حول المقترح في يناير 2025، إعفاء غير القادرين من رسوم التحسين. وهذا توجه مهم، إلا أن قيمته العملية ترتبط بوضوح شروط الإعفاء وسهولة الحصول عليه، حتى لا يظل الطالب الأقل دخلًا أقل قدرة على تحسين فرصه.

وفي ديسمبر 2025، أفادت وزارة التربية والتعليم بأن معدلات الحضور وصلت إلى 87%، وبأنها واجهت عجز المعلمين بإعادة التوزيع والتوظيف المستهدف. لكن هذه تظل بيانات صادرة عن الجهة المنفذة، وتحتاج إلى تقييم مستقل يربطها بنتائج التعلم، والفروق بين المدارس، وأعباء الأسر والمعلمين.
إن العبور الحقيقي بالتعليم يُقاس بما يتعلمه الطالب، وبما يتوافر لمعلمه من وقت وأدوات، وبما يُصان له من حق في فرصة عادلة. ومستقبل ملايين الطلاب أمانة تفرض على الوزير أن يسبق قراراته بالإعداد، وأن يُخضع نتائجها للتقييم والمساءلة.
يا سيادة الوزير، اجعل مصلحة الطالب تسبق سرعة القرار؛ فكل ارتباك في الوزارة يدفع ثمنه جيل كامل.

search