الثلاثاء، 06 أكتوبر 2026
02:40 م
اللواء محمد الشهاوي
"الحرب حرب.. في كل دقيقة أنت مُعرّض للخطر، وفي كل دقيقة يجب أن تكون يقظًا".. بهذه الكلمات القاطعة التي تصبح كأنها دستور للميدان، يستهل اللواء أركان حرب دكتور محمد الشهاوي، شهادته الحية عن ملحمة العبور؛ شهادة لا تستعيد مجرد ذكريات عابرة، بل تسبر غور التاريخ العسكري الذي توقف وسيظل يتوقف طويلًا أمام العملية الإعجازية ليوم السادس من أكتوبر، بعد مرور 53 عامًا على اندلاعها في عام 1973، حيث ما زالت تفيض بالأسرار والدروس في مجالات الاستراتيجية والتخطيط العسكري.
اللواء أركان حرب دكتور محمد الشهاوي، في حديثه مع “تليجراف مصر”، قال إن لحظة العبور لم تكن وليدة المصادفة، بل سبقتها بروفة حقيقية قاسية أُطلق عليها "حرب الاستنزاف".
وأوضح الشهاوي أن الهدف الأسمى لهذه البروفة كان حاسمًا ومباشرًا وهو كسر حاجز الخوف النفسي والوهمي بين الجندي الإسرائيلي والجندي المصري، مضيفًا أن الخطة تبلورت عبر أعمال إغارة تتصاعد جسارتها يومًا بعد يوم؛ حيث يتسلل فردان فقط من كل لواء على طول خط الجبهة، يعبران الساتر المائي لقناة السويس نحو الشاطئ الشرقي المجهول، لا ليراقبا فحسب، بل ليعودا بسلاح العدو أو بأسرى من جنوده.
وتابع: “مع كل عودة سالمة ومظفرة، يتضاعف التحدي؛ التحول من فردين إلى جماعة مكونة من عشرة أبطال، ثم تتطور الإغارة إلى مستوى فصيلة، ثم سرية، حتى وصلت الجسارة إلى عبور كتيبة مشاة بكامل معداتها وآلياتها إلى الشاطئ الشرقي”.
وأكد اللواء الشهاوي أن هذه العمليات غرست بذرة الثقة اليقينية في نفس الجندي المصري، ثقة في ذاته، وفي سلاحه، وفي قيادته الميدانية، وفي المقابل، كانت تكبّد الجانب الإسرائيلي خسائر فادحة وتنهك روحه المعنوية، لتصبح حرب الاستنزاف بحق هي الحجر الرئيسي والأساس المتين للتدريب على المعركة الكبرى.
وتطرق الشهاوي إلى تدمير أسطورة "خط بارليف" القائل بأنه يتطلب قنبلة نووية لإزالته، فسقط أمام عقيدة الجندي المصري التي تحكمها معادلة واحدة: "النصر أو الشهادة"، ومزج العلم بالتكنولوجيا عبر الاستخدام العبقري لخراطيم المياه لتدمير الستر الترابي الهائل.
وروى اللواء أركان حرب دكتور محمد الشهاوي، أنه خلف هذا الصمود الميداني، كان المخطط العسكري المصري يدرس كل شاردة وواردة بعناية فائقة قبل إطلاق الشرارة، لافتًا إلى أن العقل المصري وضع خطة مُحكمة لـ"الخداع الاستراتيجي"، وتجلّت العبقرية العسكرية في اختيار توقيت "ساعة الصفر".
وحول أسباب اختيار شهر أكتوبر تحديدًا، حلل اللواء محمد الشهاوي هذا القرار التاريخي المستند لدراسات عميقة من هيئة عمليات القوات المسلحة، مضيفًا أن شهر أكتوبر تصادف مع شهر رمضان المبارك، وهو ما مثّل شحنة روحية وهائلة للقوات المصرية، وفي الوقت نفسه أرسل رسالة خداع كاملة للعدو الإسرائيلي الذي كان يقيس الأمور بمنظوره السطحي، موهمًا نفسه بأن المصريين في صيامهم لن يقدموا على أي أعمال قتالية.
وأشار اللواء الشهاوي إلى أن شهر رمضان تزامن مع ثلاثة أعياد لدى إسرائيل؛ وفي مثل هذه الأوقات الدينية لديهم، يستحيل تنفيذ تعبئة شاملة للجيش أو شن عمليات قتالية واسعة.
ومن الناحية الجغرافية والميدانية، لفت الشهاوي إلى أن الوقت كان يسبق دخول فصل الشتاء؛ حيث تتراكم الثلوج على الجبهة السورية المشتركة مع مصر في التوقيت والهدف.
كما بيّن اللواء الشهاوي أن اختيار يوم السادس من أكتوبر، الموافق للعاشر من رمضان، جاء ليكون القمر فيه بدرًا ساطعًا يضيء السماء، مما يمنح القوات القدرة على مواصلة الأعمال القتالية وتثبيت الأقدام بعد عملية العبور مباشرة.
وانتقل اللواء أركان حرب محمد الشهاوي، إلى الجبهة المعنوية، موضحًا أنه بينما كان الجيش يطور نفسه وينفذ التدريبات الشاقة على الأرض، كانت هناك جبهة أخرى لا تقل ضراوة وهي "الحرب النفسية".
وذكر الشهاوي أن العدو كان يبث الشائعات ويستعرض الموانع الحارقة على القناة؛ بهدف زرع الإحباط واليأس في النفوس وإقناع المصريين باستحالة العبور.
وقارن اللواء الشهاوي بين الماضي والحاضر، مفيدًا بأنه كما نلاحظ اليوم كيفية مجابهة الشائعات بعدم التردد وقطع دابرها عبر استقاء المعلومات من تصريحات وتقارير صحفية مصادرها موثوقة، واجهت القوات المسلحة في عام 1973 الحرب النفسية بالعمل المتواصل، والجهد، وبث روح أكتوبر القائمة على العزيمة، الصبر، والمثابرة، والروح المعنوية الشامخة.
ووصف الشهاوي، لحظة البدء بأنها كانت الأشد هيبة والأعظم أثرًا، قائلاً: "كانت أصعب الفترات وأحسن الفترات هي أثناء الضربة الجوية".
وسرد اللواء الشهاوي تفاصيل تلك اللحظة قائلًا: “ففي تمام الساعة الثانية وخمس دقائق ظهرًا، انطلقت الضربة الجوية الكاسحة بقوة 200 طائرة مقاتلة، عبرت قناة السويس في وقت واحد وعلى خط واحد رغم خروجها من قواعد مطارات مختلفة ومتفرقة”، مؤكدًا أن هذا التزامن المذهل يعكس حجمًا استثنائيًا من التخطيط والتدريب الرفيع.
وأوضح اللواء أركان حرب دكتور محمد الشهاوي أن النسور المصرية طارت على ارتفاع منخفض للغاية ضمن خطة مزدوجة الأهداف، ورفعت الروح المعنوية للجنود الرابضين في الخنادق على الأرض وهم يرون طائراتهم تشق السماء فوق رؤوسهم، وفي الوقت نفسه تفادت الرادارات الإسرائيلية وأوجه دفاعاتها، موجّهة رسالة قاطعة بمدى الكفاءة والبراعة التي يمتلكها الطيار المصري.
واختتمت اللواء الشهاوي شهادته بالتأكيد على أنه عند تلك اللحظة الفارقة، وُلد النصر وسطّرت الملحمة صفحاتها الخالدة، حينما زأرت الجبهة بالنداء الخالد "الله أكبر"، فكان هو المحرك المباشر لشحذ الهمم، والسر الإلهي والوطني في انتزاع هذا النصر العظيم.
06 أكتوبر 2026 12:52 م
04 أكتوبر 2026 01:14 م
أكثر الكلمات انتشاراً