الجمعة، 23 أكتوبر 2026

12:53 ص

الجمعة، 23 أكتوبر 2026

12:53 ص

هل كانت حرب اليمن وراء هزيمة 1967؟ حقائق وأرقام عن واحدة من أعقد معارك ناصر

الثورة اليمنية التي اندلعت في 26 سبتمبر 1962

الثورة اليمنية التي اندلعت في 26 سبتمبر 1962

شكّل دعم مصر للثورة اليمنية التي اندلعت في 26 سبتمبر 1962، أحد أبرز ملفات السياسة الخارجية في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر؛ إذ لم يقتصر الدور المصري على مساندة قيام النظام الجمهوري في اليمن، بل امتد إلى تدخل عسكري واسع، وتحركات سياسية ارتبطت بتوازنات القوى في شبه الجزيرة العربية والبحر الأحمر، فضلًا عن تداعيات اقتصادية وإقليمية استمرت آثارها لسنوات.

وتكشف مجموعة من الأرقام والوقائع الواردة في مراجع تاريخية وعسكرية واقتصادية عن حجم المشاركة المصرية في اليمن، وتكاليفها، والجدل بشأن تأثيرها في حرب يونيو 1967، إلى جانب انعكاساتها على حركات التحرر في المنطقة وأوضاع الاقتصاد المصري خلال الستينيات.

نهاية الحكم الملكي

اندلعت الثورة اليمنية في 26 سبتمبر 1962، وأطاحت بالحكم الملكي لأسرة الإمام، وأعلنت قيام النظام الجمهوري، لتدخل البلاد مرحلة جديدة من تاريخها السياسي.

ولم تقتصر تداعيات الثورة على الداخل اليمني؛ إذ ارتبطت بتغيرات في موازين القوى الإقليمية، خصوصًا في منطقة الخليج العربي؛ حيث أثار الوجود العسكري المصري وانتشار الأفكار القومية والناصرية مخاوف لدى بعض القوى الإقليمية والدولية من اتساع نفوذ التيارات الثورية.

وتذهب بعض القراءات التاريخية إلى أن هذه التطورات أسهمت في دفع حكومات خليجية إلى زيادة الإنفاق على الخدمات والبنية التحتية وتحسين مستويات المعيشة، في محاولة لمواجهة تنامي الأفكار الثورية.

وفي 6 نوفمبر 1962، أصدر الملك سعود بن عبد العزيز قرارًا بإلغاء الرق في المملكة العربية السعودية، بعد نحو شهر ونصف من اندلاع الثورة اليمنية، ويربط بعض الباحثين بين القرار والتحولات السياسية التي شهدتها المنطقة آنذاك، غير أن تحديد مدى تأثير الثورة والوجود العسكري المصري في اتخاذه يحتاج إلى توثيق تاريخي مستقل.

حجم التدخل المصري في اليمن

تراوح عدد القوات المصرية الموجودة في اليمن خلال الفترة من 1962 إلى 1967 بين 50 ألفًا و70 ألف ضابط وجندي، في واحدة من أبرز عمليات الانتشار العسكري المصري خارج الحدود خلال عهد عبد الناصر.

وبحسب الأرقام الواردة في المادة التاريخية، بلغت الخسائر المصرية في حرب اليمن نحو 3400 شهيد، فيما قُدرت الأموال التي أنفقتها مصر على مشاركتها العسكرية هناك بنحو 90 مليون جنيه خلال الفترة نفسها.

وتشير الرواية المقدمة بشأن تسليح القوات المصرية إلى أن الأسلحة المستخدمة في اليمن جاءت من الاتحاد السوفيتي دون أن تتحمل مصر مقابلًا ماليًا عنها، ويظل هذا التفصيل بحاجة إلى مراجعة الوثائق العسكرية والمالية ذات الصلة لتحديد طبيعة الدعم السوفيتي وشروطه.

البعد الاستراتيجي للوجود المصري

واكتسب الوجود العسكري المصري في اليمن أهمية استراتيجية بسبب موقع البلاد المطل على البحر الأحمر وقربها من مضيق باب المندب، أحد الممرات البحرية المهمة لحركة التجارة والملاحة الدولية.

ووفقًا للطرح الوارد في عدد من القراءات التاريخية، منح الوجود المصري في اليمن القاهرة نفوذًا أوسع في المنطقة، وعزز قدرتها على التأثير في التوازنات الأمنية المحيطة بالبحر الأحمر. 

وظهر جانب من أهمية المضيق خلال حرب أكتوبر 1973، عندما ارتبطت العمليات العسكرية بإغلاق باب المندب أمام الملاحة الإسرائيلية.

وامتد التنافس الإقليمي آنذاك إلى القرن الأفريقي، حيث كانت إريتريا لا تزال جزءًا من إثيوبيا قبل استقلالها عام 1993. 

وتشير بعض المراجع إلى دعم نظام عبد الناصر حركات إريترية مناهضة للحكم الإثيوبي، في سياق الصراع على النفوذ والمصالح الاستراتيجية في المنطقة.

حرب يونيو 1967

يظل تأثير التدخل العسكري المصري في اليمن على أداء القوات المسلحة خلال حرب يونيو 1967 من القضايا التي شهدت تفسيرات مختلفة في الكتابات التاريخية والعسكرية.

وتذهب إحدى الروايات إلى أن القوات الموجودة داخل مصر عند اندلاع الحرب كانت كافية لتنفيذ الخطة الدفاعية “قاهر”، التي وُضعت عام 1966، وأن القوة الرئيسية من الطيران والمدرعات والمدفعية كانت داخل البلاد، وبالتالي لم يكن انتشار القوات في اليمن العامل الحاسم في الهزيمة.

وبحسب هذا التفسير، فإن مسؤولية جانب أساسي من الإخفاق العسكري ترتبط بالتدخل في التخطيط وإجراء تغييرات على الخطة الدفاعية، لا بمجرد وجود قوات مصرية خارج الحدود.

لكن تقييم هذه الرواية يتطلب مقارنتها بالدراسات العسكرية والوثائق الرسمية المتعلقة بحجم القوات المصرية في اليمن، وتوزيع الوحدات، والاستعدادات الدفاعية قبل الحرب، والعوامل المتعددة التي أسهمت في هزيمة يونيو 1967.

الصراع داخل الأسرة السعودية الحاكمة 

ارتبط الملف اليمني كذلك بالصراع على السلطة داخل المملكة العربية السعودية، وتشير روايات تاريخية إلى تقارب بين الملك سعود بن عبد العزيز والرئيس جمال عبد الناصر في مرحلة من مراحل الخلاف مع الملك فيصل بن عبد العزيز، الذي تولى الحكم عام 1964.

وفي هذا السياق، تتناول بعض المراجع مسألة استخدام الذهب والأموال في استمالة شيوخ القبائل اليمنية، وتربطها بأموال الملك سعود، لا باحتياطي الذهب المصري، ويحتاج هذا التفصيل إلى توثيق مباشر من المصادر المالية والتاريخية قبل الجزم به.

وبعد حرب يونيو 1967، جاءت المصالحة المصرية السعودية خلال مؤتمر القمة العربي بالخرطوم ضمن التحولات التي أعادت ترتيب العلاقات بين البلدين. وتربط روايات تاريخية بين الانسحاب المصري من اليمن والتفاهمات التي مهدت لتقديم دعم اقتصادي عربي لمصر بعد النكسة.

حركات التحرر في المنطقة

امتد تأثير الثورة اليمنية والحضور المصري إلى قضايا التحرر الوطني في المنطقة، خصوصًا في جنوب اليمن، حيث انتهى الحكم البريطاني بإعلان استقلال الجنوب في 30 نوفمبر 1967.

كما شهدت منطقة الخليج تحولات سياسية مهمة خلال السنوات التالية، من بينها استقلال الإمارات العربية المتحدة عام 1971 وقطر عام 1971.

وتربط بعض الكتابات هذه التحولات بالدور المصري في اليمن وبالتأثير الأوسع للمد القومي العربي، إلا أن نسبة استقلال هذه الدول إلى الوجود العسكري المصري وحده تتجاهل عوامل محلية ودولية أخرى أسهمت في تحقيق الاستقلال.

أما ما يتردد بشأن تقديم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان خمسة مليارات دولار لمصر بعد استقلال الإمارات، فيحتاج إلى مصدر موثق يحدد طبيعة المبلغ وتاريخه والغرض منه، قبل إدراجه باعتباره واقعة مالية ثابتة.

الاقتصاد المصري في عهد ناصر

على الصعيد الاقتصادي، تشير بيانات منسوبة إلى تقرير للبنك الدولي يحمل الرقم 870-أ، وصدر في واشنطن في 5 يناير 1976، إلى أن معدل النمو الاقتصادي المصري بلغ نحو 6.7% سنويًا خلال الفترة من 1957 إلى 1967.

وتعرض بعض الدراسات هذه المرحلة باعتبارها فترة توسع اقتصادي وصناعي، شهدت تنفيذ مشروعات كبرى وتوسيع دور القطاع العام، إلى جانب تطبيق الخطة الخمسية الأولى خلال الفترة من 1960 إلى 1965، والبدء في الخطة الثانية التي امتدت من 1965 إلى 1970.

وتذهب روايات اقتصادية إلى أن مصر حافظت على معدلات نمو مرتفعة رغم تداعيات هزيمة يونيو 1967، وأن النمو بلغ نحو 8% سنويًا في عامي 1969 و1970. كما تشير إلى تحقيق الميزان التجاري فائضًا قدره 46.9 مليون جنيه عام 1969.

وتحتاج هذه الأرقام إلى مراجعة جداول التقرير الأصلي، مع التمييز بين معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي ومعدلات نمو قطاعات بعينها، وبين الفائض التجاري ومكونات ميزان المدفوعات، حتى تُعرض المؤشرات الاقتصادية في سياقها الصحيح.

توسع البنية الصناعية

شهدت مصر خلال الستينيات استكمال بناء السد العالي، أحد أكبر مشروعات البنية التحتية في تاريخها الحديث، إلى جانب التوسع في إنشاء المصانع وتطوير الصناعات الثقيلة والتحويلية والاستراتيجية.

وتورد بعض المراجع أن عدد المصانع التي أُنشئت خلال عهد عبد الناصر بلغ نحو 1200 مصنع، في إطار سياسة استهدفت توسيع القاعدة الصناعية وتعزيز دور القطاع العام في الاقتصاد.

وتصف هذه المراجع القاعدة الصناعية المصرية آنذاك بأنها من الأكبر في العالم النامي، أما تقدير قيمة القطاع العام المصري بنحو 1400 مليار دولار، فيحتاج إلى توضيح سنة التقييم، والأساس المحاسبي المستخدم، وما إذا كان الرقم يعكس قيمة الأصول أو تقديرًا اقتصاديًا آخر.

وتعكس هذه المؤشرات، إلى جانب أرقام النمو الاقتصادي ومشروعات البنية الأساسية، جانبًا من التحولات التي شهدها الاقتصاد المصري خلال الستينيات، وهي مرحلة تزامنت مع التزامات عسكرية خارجية وضغوط سياسية واقتصادية متزايدة.

اقرأ أيضًا

شهداء مصر باليمن و67 والاستنزاف.. ماذا تكشف وثيقة "سري للغاية"؟

search