الإثنين، 26 أكتوبر 2026

12:06 م

الإثنين، 26 أكتوبر 2026

12:06 م

«الوهم الأمريكي».. جهاد الديناري تفكك أسطورة الحلم الذي صدّقه العالم

كيف نجحت أمريكا في تسويق نفسها بوصفها النموذج الأبرز للحرية والثراء والنجاح، حتى باتت صورتها في أذهان أجيال من الشباب أكثر بريقًا من حقيقة تجربتها؟ وكيف تحولت شعارات الحلم الأمريكي إلى مسلّمات لا يناقشها كثيرون، رغم ما تكشفه كتابات المفكرين والأدباء الأمريكيين أنفسهم من تناقضات اجتماعية وسياسية واقتصادية؟ هنا تكمن أهمية كتاب «الوهم الأمريكي.. قراءة كاشفة مهداة إلى الجيل Z» للكاتبة الصحفية جهاد الديناري، الصادر عن دار ريشة للنشر والتوزيع، في 248 صفحة، بوصفه محاولة نقدية لتفكيك الصورة المثالية لأمريكا، وإعادة طرح السؤال حول ما نراه فيها وما نغفل عنه.
لا تنطلق الديناري من رفض مسبق للتجربة الأمريكية، وإنما تختار أن تفحصها من داخل ثقافتها، مستعينة بالأدب والأدبيات الأمريكية لكشف المسافة بين الشعارات المعلنة والواقع. وهي بذلك تضع الحلم الأمريكي أمام اختبار جاد، يتناول قضايا العنصرية والتمييز والتفاوت الطبقي والأزمات الاقتصادية والسياسية، وما تثيره من تساؤلات حول حقيقة الحرية والمساواة وتكافؤ الفرص. فالقوة الاقتصادية والتكنولوجية لا تمنح أي دولة احتكار الحقيقة ، والقدرة على تسويق نموذج لا تعني أن هذا النموذج يخلو من التناقضات.

وتنبع أهمية هذا المنهج من أن الأدب ليس مجرد انعكاس جمالي للمجتمع، بل مساحة لكشف عيوبه ومساءلة أفكاره الكبرى. فالأعمال الأدبية والفكرية التي تناولت التمييز والفقر والفساد والصراعات الاجتماعية تتيح قراءة أكثر عمقًا للتجربة الأمريكية، بعيدًا عن الصورة التي تصنعها الدعاية أو تختزلها وسائل الإعلام. لكن الإنصاف يقتضي أيضًا ألا يتحول نقد الحلم الأمريكي إلى صورة مضادة تنكر إنجازات الولايات المتحدة أو تختزل مجتمعها في عيوبه. فالقيمة الحقيقية للنقد ليست في استبدال التمجيد بالإدانة، بل في تحرير العقل من الأحكام المطلقة، وتمكينه من رؤية التجربة بوجهيها، الإيجابي والسلبي.

وتتضاعف قيمة الكتاب لأنه يخاطب الجيل Z تحديدًا، وهو جيل نشأ في قلب الثورة الرقمية، وتتشكل طموحاته وتصوراته عن النجاح تحت تأثير تدفق هائل من الصور والمحتوى العابر للحدود. فالشاب الذي يشاهد الحياة الأمريكية عبر الأفلام والمسلسلات والمنصات الرقمية قد يتعامل مع الصورة المعروضة باعتبارها حقيقة كاملة، دون أن يرى ما وراءها من تفاوت اجتماعي أو أزمات اقتصادية أو تناقضات إنسانية. وهكذا قد تتحول المقارنة بين واقعه وصورة منتقاة من الخارج إلى شعور بالدونية ، أو إلى اعتقاد بأن النجاح لا يتحقق إلا باستنساخ نموذج آخر.

هنا يقدم كتاب جهاد الديناري قيمة تتجاوز نقد أمريكا إلى بناء الوعي لدى الشباب. فهو يدعوهم إلى التمييز بين الصورة والحقيقة، وبين الإنجاز والدعاية، وبين الاستفادة من تجارب الآخرين والتسليم بها دون تفكير. وهذه ليست دعوة إلى الانغلاق أو رفض الثقافات الأجنبية، بل إلى امتلاك عقل نقدي يستطيع أن يتعلم من العالم دون أن يفقد استقلاله ، وأن ينفتح على التجارب المختلفة دون أن يتخلى عن هويته الوطنية.
فالهوية لا تُحمى بعزل الشباب عن العالم، ولا بإقناعهم بأن كل ما يأتي من الخارج سلبي، وإنما بمنحهم المعرفة التي تمكنهم من الفهم والمقارنة والحكم. والشاب الواثق من نفسه ومن مجتمعه لا يخشى الاطلاع على تجارب الآخرين، لكنه لا يمنحها حصانة من السؤال، ولا يقيس نجاح وطنه بمجرد مقارنته بصورة مثالية لدولة أخرى.

إن التقدم لا يتحقق باستيراد نماذج جاهزة، بل بفهم أسباب النجاح والإخفاق، والاستفادة من الخبرات الإنسانية، ومواجهة المشكلات المحلية بشجاعة ووعي.

ومن هنا، فإن أهمية «الوهم الأمريكي» لا تكمن في مجرد التشكيك في النموذج الأمريكي، بل في مساءلة الطريقة التي تُصنع بها أحلام الأجيال الجديدة، وكيف تتحول القوة الثقافية إلى وسيلة لتشكيل الوعي وتوجيه الطموحات. فالمشكلة ليست في أن يعجب الشباب بتجربة ناجحة، وإنما في أن يتحول الإعجاب إلى تبعية، وأن تصبح الصورة المستوردة معيارًا وحيدًا للحياة الجيدة والنجاح والتقدم.

ومع ذلك، فإن القراءة النقدية لا تكتمل بمساءلة الآخر وحده، بل تفرض علينا مراجعة صورتنا عن أنفسنا أيضًا. فلا يكفي أن نكشف تناقضات المجتمع الأمريكي إذا لم نمتلك القدرة على معالجة مشكلاتنا، ولا معنى للدفاع عن الهوية الوطنية إذا تحول إلى تبرير للأخطاء أو تهرب من الإصلاح. فالمقارنة الواعية لا تهدف إلى إثبات أن الآخر أسوأ منا ، وإنما إلى فهم التجارب الإنسانية واستخلاص ما يساعدنا على تطوير واقعنا.
إن الرسالة التي يضعها الكتاب أمام الجيل Z واضحة في جوهرها، لا تجعلوا أحلامكم رهينة الصور المتداولة، ولا تخلطوا بين القوة والحقيقة، ولا تمنحوا أي نموذج حصانة من النقد. تعلّموا من العالم، لكن احتفظوا بحقكم في التفكير المستقل، وانفتحوا على الثقافات، لكن لا تسمحوا للانبهار بأن يتحول إلى ذوبان.
فالأوطان لا تتقدم بتقليد الآخرين تقليدًا أعمى، ولا بإنكار إنجازاتهم، وإنما ببناء إنسان يمتلك المعرفة والثقة والقدرة على النقد والإصلاح. ومن هذه الزاوية، يفتح كتاب جهاد الديناري بابًا ضروريًا للنقاش حول الهوية والوعي والقوة الناعمة، ويذكّرنا بأن أخطر الأوهام ليست تلك التي نجهلها، بل تلك التي نصدقها دون أن نختبرها.
فحين يستعيد العقل حقه في السؤال ، يفقد الوهم سلطته، ويصبح الحلم مشروعًا واعيًا يصنعه الإنسان بإرادته ، لا صورة جاهزة يستعيرها من الآخرين.

search