الإثنين، 26 أكتوبر 2026

06:40 م

الإثنين، 26 أكتوبر 2026

06:40 م

الوجه الآخر لعبدالناصر: "عزيزي علي إننا نصافح الموت وعلينا إعادة مصر لسيرتها الأولى" (2)

جمال عبدالناصر وزملاؤه

جمال عبدالناصر وزملاؤه

أتم جمال عبدالناصر 17 ربيعًا، عاشهم رحالا بين دروب القاهرة والإسكندرية والمنوفية، خاصة بعد وفاة والدته، إذ تزوج والده من أخرى ولم يكن بين جمال وزوجة الأب وفاق، لذلك مر على بيوت الأقارب ضيفًا حتى وإن كان قلبه يخبره أنها غربة في ديار الله.

ودخل عبدالناصر كلية الحقوق في العام 1936، لكنه لم يستمر هناك سوى 6 أشهر فقط، حتى أدركه حلمه وتم قبوله في الكلية الحربية، وفي سنوات ربيعه الأولى التحق بحزب "مصر الفتاة"، كان يسير في مظاهرة بالقاهرة ذات يوم وألقي القبض عليه، وفي محبسه سأل رفاقه من أنتم، فأجابوه بانتمائهم للحزب، فانتمى هو الآخر.

اعتقل جمال مرات عديدة في صغره بسبب المظاهرات التي كان يشارك بها، ويمكنك أن تفهم فلسفته عن المقاومة من خلال مرات القبض عليه واعتقاله، ولكن ثمة شيء يكشف جانب آخر من جمال عبدالناصر في وثائق حصلت عليها “تليجراف مصر”، عبارة عن خطابين لصديق له يٌدعى علي، في تلك "الجوابات" الكثير من "الإجابات".

من حارة اليهود.. سيرة مصر الأولى

في المنزل رقم 3 بحارة خميس العدس بالحرنفش "حارة اليهود"، جلس جمال عبدالناصر على كرسي خشبي، أخذ قلمه واقتطع ورقة وبدأ يكتب عليها إلى صديقه علي.

يوم الاثنين 2 سبتمبر من العام 1935، بعث جمال رسالة إلى علي، قال فيه: "لقد انتقلنا من نور الأمل الى ظلمة اليأس، ونفضنا بشائر الحياة، واستقبلنا غبار الموت، فأين من يقلب كل ذلك رأس على عقب، ويعيد مصر إلى سيرتها الأولى، يوم أن كانت مالكة العالم؟".

كان الحزن متجليًا في أحرف خطها حبر جمال، الذي سأل صديقه علي في الخطاب: "أين من يخلق خلفًا جديدًا، لكى يصبح المصري الخافت الصوت الضعيف الأمل، الذي يطرق برأسه ساكنًا صابرًا على اهتضام حقه، ساهيًا عن التلاعب بوطنه؛ يقظًا عالي الصوت، عظيم الرجاء، رافعًا رأسه، يجاهد بشجاعة وجرأة في طلب الاستقلال والحرية؟".

WhatsApp Image 2026-10-26 at 3.46.21 PM
خطاب من جمال عبدالناصر إلى صديقه على فى 2 سبتمبر 1935 يحثه فيه على عمل يوقظ الأمة من غفوتها  - خاص لـ"تليجراف مصر"

قال جمال في خطابه، إن المصري يجزع من حفيف ثيابه في راجعة النهار، ولكن يجب أن يقوموا من يقودونهم إلى مواقف الدفاع ومواطن الكفاح؛ فيكون لهم صوت أعلى من صوت الرعد، تتداعى لقوته أبنية الظلم والاستبداد.

وتابع: "فكل روح سكنت جسمًا جاء من أبوين مصريين لا ترضى بحالتنا الراهنة، ولا تأبى أن تسيل فناء في الوطن العزيز، والجامعة الوطنية المقدسة، قال مصطفى كامل: لو نقل قلبي من اليسار إلى اليمين، أو تحرك الأهرام من مكانه المكين، أو تغير مجرى النيل؛ فلن أتغير عن المبدأ".

كان بين جمال وعلي نقاشات مطولة عن ضرورة العمل من أجل حرية مصر، وهذا كان جليًا في هذا الخطاب، إذ كتب جمال: كل ذلك مقدمة طويلة لعمل أطول وأعظم، فقد تكلمنا مرات عدة في عمل يوقظ الأمة من غفوتها، ويضرب على الأوتار الحساسة من القلوب، ويستثير ما كمن من القوى في الصدور، ولكن كل ذلك لم يدخل في حيز العمل إلى الآن، وعلى ذلك فأنا منتظرك في منزلي يوم 4 سبتمبر سنة 1935 الساعة الرابعة مساء؛ لكي نتباحث في الموضوع، وأملى أن تحضر في الموعد المحدد".

WhatsApp Image 2026-10-26 at 3.46.21 PM (1)
خطاب من جمال عبدالناصر إلى صديقه على في 2 سبتمبر 1935 يحثه فيه على عمل يوقظ الأمة من غفوتها (2) - خاص لـ"تليجراف مصر"

نصافح الموت وبناء اليأس عظيم

يوم الثلاثاء 3 سبتمبر 1935، مكث جمال عبدالناصر في نفس الغرفة بذات السكن في حارة اليهود، وكتب إلى صديقه علي خطابًا آخر.

وقال جمال في الخطاب: "أخي على، خاطبت والدك يوم 3 سبتمبر في التليفون.. وقد سألته عليك فأخبرني أنك موجود في المدرسة؛ لذلك عولت على أن أكتب اليك ما كنت سأكلمك فيه تليفونيا".

WhatsApp Image 2026-10-26 at 3.46.22 PM
خطاب لنفس الصديق على في اليوم التالي- خاص لـ"تليجراف مصر"

وتابع: "قال تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)، فأين تلك القوة التي نستعد بها لهم؟ إن الموقف دقيق، ومصر في موقف أدق، ونحن تقريبا نودع الحياة، ونصافح الموت؛ فإن بناء اليأس عظيم".

واستكمل: "منتظرك في منزلي يوم 4 سبتمبر 1935 الساعة الرابعة مساء؛ لكي نتباحث في الموضوع، وأملى أن تحضر في الموعد المحدد. سلامي إلى أشقائك والعائلة العزيزة".

من تلك الخطابات يمكن أن نقرأ جمال عبدالناصر، ذلك الفتى الذي منذ صغره يعد لشيء ما كبير لا بد أن يحدث، ويرى مصر بعيون تختلف عن باقي الناظرين، لكن حلم جمال لم يتحقق إلا بعد 17 عامًا، حيث ثورة 23 يوليو 1952.

اقرأ أيضًا

الوجه الآخر لعبد الناصر.. جمال الممثل بدور قيصر والطفل الصحفي ومتطوع القرش (1)

search