الخميس، 29 أكتوبر 2026
01:48 ص
الادعاءات المطلقة بغياب الجوائز والإنجازات تتعارض مع الوثائق الأصلية
في تجمع انتخابي بمدينة غراند رابيدز بولاية ميشيجان يوم 26 أكتوبر 2026، قال وزير الصحة الأمريكي روبرت إف. كينيدي الابن، إن العالم يضم نحو 500 مليون عربي، لكنه زعم أنهم لا ينتجون علمًا أو أدبًا ولا يفوزون بجوائز نوبل أو فيلدز أو وولف، وربط حديثه بتفسير سياسي وتاريخي يتعلق بجماعة الإخوان المسلمين.
راجع التحقيق نصَ التصريح المنشور، ثم اختبر كل جزءٍ من الادعاء عبر قواعد بيانات الجهات المانحة للجوائز، لنجد أن السجلات الرسمية أسماء وتواريخ وأعمال تناقِض ادعاء انعدام الإنجازات؛ فمن بين الفائزين عرب وآخرون من أصول عربية.
نشر حساب Bulwark Clips على “إكس” مقطعًا من الكلمة يوم 26 أكتوبر 2026، والحساب ناقل للفيديو وليس حساب كينيدي الرسمي.
وأكدت تغطيات إخبارية لاحقة صدور التصريح في سياق دعم كينيدي للمرشح الجمهوري مايك روجرز، الذي ينافس عبدالرحمن السيد على مقعد مجلس الشيوخ عن ميشيجان.

وتناولت “رويترز” في 27 أكتوبر الانتقادات التي أثارتها تصريحات كينيدي، فيما عرضت “أسوشيتد برس” مراجعة لأمثلة من الفائزين بالجوائز التي ذكرها.

وأظهرت عينة الرصد التي جُمعت يوم 28 أكتوبر 2026 انتشار مقاطع كلمة كينيدي عبر حسابات أمريكية وعربية، وبحسب العدادات المدونة في العينة، سجَّل حساب Bulwark Clips نحو 8.7 مليون مشاهدة، و15 ألف إعجاب، و4.3 ألف إعادة نشر، ونحو 4.7 ألف تعليق؛ بينما سجل منشور إياد الحمود نحو 1.1 مليون مشاهدة، و5.6 ألف إعجاب وألف إعادة نشر و657 تعليقًا، وهذان المنشوران وحدهما سجّلا نحو 9.8 مليون مشاهدة.

وسجلت العينة 449 ألف مشاهدة لحساب “فيلسوف تويتر”، و126 ألفًا لحساب THE WOLF OF TASI، و74 ألفًا لحساب 1.2.3 viva، و54 ألفًا للموجز الروسي، و52 ألفًا لحسينة أوشان، و22 ألفًا لجمال عبدالعزيز التميمي، وبجمع الحسابات الثمانية المسماة يصل الإجمالي التقريبي إلى 10.477 مليون مشاهدة، وبإضافة المنشور التاسع، يرتفع الإجمالي إلى نحو 10.547 مليون مشاهدة.

وعلى فيسبوك، تذكر بيانات الرصد أن مقطع "التلفزيون العربي – مصر"، حقق نحو 285 ألف مشاهدة، و2.8 ألف تفاعل و1.7 ألف تعليق و 46 مشاركة.

وسجلت “قناة العنوان 24” نحو 1.1 ألف تفاعل وألف تعليق و140 مشاركة، مقابل 799 تفاعلًا و454 تعليقًا و48 مشاركة لحساب “أبو العرّيف”.

وفقًا لمراجعة الموقع الرسمي لجائزة نوبل، حصل الأديب المصري نجيب محفوظ على نوبل في الأدب عام 1988؛ تقديرًا لأعماله السردية التي أسهمت في ترسيخ حضور الرواية العربية عالميًا، وتكفي هذه الواقعة لمناقضة عبارة أن العرب “لا ينتجون أدبًا”، وكذلك الادعاء بأنهم لا ينالون نوبل.

وفي مجال العلوم، تُوثق مؤسسة نوبل فوز العالم المصري الأمريكي أحمد زويل بجائزة نوبل في الكيمياء عام 1999، عن أبحاثه التي سمحت بدراسة التفاعلات الكيميائية خلال فترات زمنية فائقة القِصر باستخدام نبضات الليزر، وهذا نموذج علمي مباشر يُناقض الادعاء بعدم إنتاج العرب للعلوم.

وفي عام 2025، أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم فوز العالم عمر ياغي، المولود في عمّان بالأردن عام 1965، بجائزة نوبل في الكيمياء، بالاشتراك مع سوسومو كيتاغاوا وريتشارد روبسون، عن تطوير الهياكل المعدنية العضوية المُستخدمة في تطبيقات تشمل استخلاص المياه من الهواء والتقاط ثاني أُكسيد الكربون، وجرى هذا الفوز قبل تصريح كينيدي بنحو عام واحد فقط.

وتؤكد قاعدة بيانات نوبل أيضًا فوز المصري محمد البرادعي بجائزة نوبل للسلام عام 2005، مناصفة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ تقديرًا لجهودهما في منع توظيف الطاقة النووية للأغراض العسكرية، ويندرج هذا الفوز ضمن فئة السلام.

وتكشف السجلات كذلك فوز الناشطة اليمنية توكل كرمان بنوبل للسلام عام 2011، بالمشاركة مع إلين جونسون سيرليف وليما غبوي، تكريمًا لنضالهن السلمي من أجل حقوق المرأة ومشاركتهن في بناء السلام.

وفي عام 1978، حصل الرئيس المصري محمد أنور السادات على جائزة نوبل للسلام مناصفة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيجن؛ تقديرًا لجهودهما في التفاوض على السلام بين مصر وإسرائيل، عقب اتفاقيات كامب ديفيد التي مهدت لمعاهدة السلام عام 1979.

وفي عام 1994، نال الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات جائزة نوبل للسلام بالمشاركة مع إسحاق رابين وشمعون بيريز؛ تقديرًا لجهود التوصل إلى اتفاق سياسي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، في أعقاب اتفاقيات أوسلو عام 1993.

هذه أمثلة موثّقة وليست إحصاءً شاملًا لجميع الفائزين العرب، والأهم أنها تُظهر فائزين في حقول مختلفة لذا لا يصح استخدام عدد الجوائز العلمية فقط لإحصاء جميع جوائز نوبل التي حصل عليها أشخاص عرب.
بالرجوع إلى الموقع الرسمي للاتحاد الدولي للرياضيات، نجد أن عالم الرياضيات مايكل فرانسيس عطية حصل على ميدالية فيلدز عام 1966 عن إسهاماته في الرياضيات، ومنها عمله على نظرية المؤشر مع إيزادور سينغر، ووُلد عطية في لندن لأب لبناني وأم اسكتلندية، ومن ثم فهو فائز بريطاني من أصول عربية، وليس فائزًا يمثل جنسية دولة عربية.

أما سجلات مؤسسة وولف فتشير إلى أن أحمد زويل حصل على جائزة وولف في الكيمياء عام 1993، قبل فوزه بنوبل بست سنوات، وقد ارتبط التكريم بإسهاماته في متابعة التفاعلات الكيميائية باستخدام أدوات فائقة السرعة.

وتوثق مؤسسة وولف حصول عمر ياجي على جائزة وولف في الكيمياء عام 2018 عن إسهاماته في الكيمياء الشبكية وتطوير مواد جديدة، وبذلك تظهر سجلات الجائزة نفسها مثالين محددين بأسمائهما وتاريخهما في مواجهة النفي المطلق الذي ورد في كلمة كينيدي.

الأسماء الواردة في سجلات الجوائز لا تُجيب وحدها عن الشق الأكبر من خطاب كينيدي: هل ينتج العرب علمًا من الأساس؟ للإجابة لا يكفي عدّ الفائزين بنوبل؛ إذ إن الجوائز لا تُمنح إلا لعددٍ محدودٍ من الأفراد، بينما تُقاس المنظومات العلمية أيضًا بالمنشورات الموثقة وتأثيرها وعدد الباحثين والتمويل والابتكارات.
وفق تقرير اليونسكو للعلوم 2021، ارتفع عدد المنشورات العلمية في مجموعة “الدول العربية” من 37,229 منشور عام 2011 إلى 95,817 منشور عام 2019، أي بزيادة قدرها 58,588 منشور ونحو 157.4%.

وبين عامي 2015 و2019 ارتفع الرقم من 58,447 إلى 95,817 منشور، بزيادة تقارب 63.9%، وهذه بيانات نشر بحثي فعلي، لا مجرد رصد لأسماء فائزة بجوائز عالمية.
وعند الانتقال من المستوى الإقليمي إلى مصر، يُظهر الجدول نفسه ارتفاع المنشورات العلمية من 10,039 عام 2011 إلى 23,224 عام 2019، بزيادة تقارب 131%، ولا تساوي هذه الأرقام عدد الاكتشافات الكبرى أو جودة كل ورقة بحثية لكنها تناقض التعميم القائل بانعدام إنتاج العلم.
ثم تظهر بيانات أكثر حداثة من تقرير منظمة التعاون الإسلامي الصحي 2025، الذي استند إلى قواعد بيانات Clarivate Web of Science، تسجيل السعودية 31,272 مخرج بحثي، ومصر 21,373، والإمارات 8,598 خلال عام 2024 في مجالات علوم الحياة والطب الحيوي، بإجمالي 61,243 للدول الثلاث.

وتوضح حاشية التقرير أن التصنيف قد يشمل أنواعًا مختلفة من المخرجات المفهرسة، وليس المقالات البحثية المحكمة فقط، كما أنه لا يشمل جميع التخصصات.
لا يعني جمع هذه الأعداد أنها كل الإنتاج العربي في عام 2024 كما لا يجوز مقارنتها مباشرةً بمجموع اليونسكو لعام 2019؛ لاختلاف مجال التغطية وقواعد البيانات والمنهجية، لكنها توفر مثالًا إضافيًا، ومحددَّ النطاق، على نشاط البحث العلمي الحديث في ثلاث دول عربية.
أما القدرة على إنتاج معرفة مستدامة فتُقاس أيضًا بالإنفاق على البحث والتطوير كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، وعدد الباحثين لكل مليون نسمة، والاستشهادات العلمية، وبراءات الاختراع، ويوفر البنك الدولي مؤشرًا قابلًا للمقارنة للإنفاق على البحث والتطوير، مع مراعاة اختلاف آخر سنة متاحة من دولة إلى أخرى.

وهنا يظهر الفارق الحاسم في التحقق: قد يكون مستوى الإنفاق محدودًا في دولة، وقد لا ينعكس ارتفاع النشر على ابتكارات تجارية أو تأثير علمي مماثل، لكن ذلك موضوع مختلف تمامًا عن النفي المطلق لوجود العلم.
وتَخلص هذه المراجعة إلى أن سجلات الجوائز تنفي ادعاء غياب الفائزين العرب ومن أصول عربية، بينما توثق بيانات اليونسكو وتقارير البحث العلمي إنتاجًا علميًا حديثًا قابلًا للعد والقياس داخل دول عربية، ولا تثبت الأرقام تفوق جميع الدول العربية علميًا، لكنها تسقط عبارة “لا ينتجون علمًا” بصيغتها المطلقة.
ربط كينيدي ما وصفه بتراجع الإنجاز العلمي والأدبي العربي بتأسيس جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 1928، لكن التصريح، وفق المواد المتاحة، لم يقدم دراسةً تاريخيةً مقارنةً أو تحليلًا إحصائيًا يُثبت وجود علاقة سببية بين الجماعة وإجمالي الإنتاج العلمي في دول عربية متعددة، ووقوع الإنجازات المذكورة بعد 1928 يناقض فكرة الاختفاء المطلق.
العروبة انتماءٌ لغويٌ وثقافيٌ وتاريخيٌ، بينما الإسلام دين يتبعه أفراد من أعراق وثقافات مختلفة، لذلك لا يصح اعتبار كل العلماء المسلمين عربًا، أو افتراض أن جميع العرب مسلمون، كما لا يصح جمع أصحاب الجنسيات العربية وذوي الأصول العربية في إحصاء واحد دون توضيح معيار التصنيف.
تُثبت وثائق نوبل فوز نجيب محفوظ بالأدب عام 1988، وأحمد زويل بالكيمياء عام 1999، ومحمد البرادعي بالسلام عام 2005، وتوكل كرمان بالسلام عام 2011، وعمر ياغي بالكيمياء عام 2025.
ويُثبت الاتحاد الدولي للرياضيات فوز مايكل عطية، البريطاني ذي الأصل اللبناني، بميدالية فيلدز عام 1966، بينما تؤكد مؤسسة وولف فوز أحمد زويل عام 1993 وياجي عام 2018.

لذلك، فإن نفي وجود إنجازات علمية وأدبية عربية أو فائزين عرب ومن أصول عربية في الجوائز المذكورة لا يتفق مع السجلات الرسمية.
وفي المقابل، لا تسمح هذه الأمثلة بحسم مستوى الإنتاج العلمي العربي إجمالًا، أو إثبات علاقة سببية بينه وبين جماعة سياسية واحدة.
النتيجة النهائية: الادعاءات المطلقة المتعلقة بغياب الجوائز والإنجازات تتعارض مع الوثائق الأصلية، أما التفسير السياسي التاريخي الذي ربطه كينيدي بهذه الادعاءات، فلم تُقدَّم له أدلة سببية كافية في التصريح.
اقرأ أيضًا:
28 أكتوبر 2026 05:56 م
28 أكتوبر 2026 12:20 ص
27 أكتوبر 2026 09:49 م
27 أكتوبر 2026 12:25 م
أكثر الكلمات انتشاراً