الخميس، 29 أكتوبر 2026

05:52 م

الخميس، 29 أكتوبر 2026

05:52 م

الوجه الآخر لعبدالناصر.. الضابط جمال بين منقباد وليل الخرطوم وغضب العلمين وشيكات السلف (3)

جمال عبدالناصر ضابطًا

جمال عبدالناصر ضابطًا

من منقباد إلى الخرطوم ومن حسابات الجنيهات القليلة إلى الوحدة تحت ضوء القمر، جمال عبدالناصر الضابط الشاب بعيدًا عن أسرته، يتلقى أوامره العسكرية ويتنقل بين الثكنات ويراسل والده بشأن مصاريفه وملابسه، ويطلب الاطمئنان على صحته بينما يحاول ترتيب حياته بعيدًا عن أسرته، وأدار راتبه بين احتياجاته الشخصية ومساعدة أصدقائه قبل أن تهزّه واقعة حصار قصر عابدين في 4 فبراير 1942.

في هذه المرحلة، لا تقدم الوثائق صورة الضابط من خلال الرتب والأوامر العسكرية وحدها، بل تقترب من تفاصيل يومه العادي: خطاب يطلب فيه إرسال المصاريف في موعدها، وآخر ينتظر فيه تقرير الطبيب عن حالة والده، وملاحظات عن الأموال التي أقرضها لأصدقائه وتدوينات شخصية عن أول مرة ذهب فيها إلى السينما بمفرده وعن شعوره بالوحدة وهو يجلس ليلًا قرب النيل.

وتضم الوثائق التي حصلت عليها “تليجراف مصر” شهادات دراسية وعسكرية وخطابات عائلية، وملاحظات مرتبطة بفترة خدمته في السودان والتي كانت جزء من المملكة المصرية وقتها، إلى جانب رسالة كتبها بعد واقعة 4 فبراير 1942 التي أجبرت فيها القوات البريطانية الملك فاروق على تكليف مصطفى النحاس بتشكيل الحكومة.

ومن خلال هذه الأوراق، يمكن تتبع سنوات من حياة عبدالناصر بين عامي 1936 و1944، من الطالب الذي كان يطرق أبواب الكلية الحربية إلى الضابط الذي بدأ يربط بين ما يراه في محيطه العسكري وما يحدث في بلاده.

من كلية الحقوق إلى الكلية الحربية

قبل أن يرتدي الزي العسكري، التحق عبدالناصر بكلية الحقوق عام 1936، بعد أن أنهى دراسته الثانوية، لكن تجربته الجامعية لم تستمر سوى نحو ستة أشهر، إذ ظل حلم الالتحاق بالكلية الحربية حاضرًا في ذهنه.

وتوثق تذكرة عضويته في اتحاد الجامعات المصرية، بصفته طالبًا بكلية الحقوق خلال العام الدراسي 1936- 1937، جانبًا من تلك المرحلة التي سبقت انتقاله إلى الحياة العسكرية، بالإضافة أوراقه شهادة تحقيق شخصية من نوع “فيش وتشبيه”، مؤرخة في 20 أغسطس 1936، وهي وثيقة ترتبط بإجراءاته الشخصية في تلك الفترة.

99b3d57c-4108-4929-84f0-f44d58557a66
تذكرة عضوية جمال عبد الناصر - الطالب فى كلية الحقوق- في اتحاد الجامعات المصرية عن العام الدراسي 1936- 1937 خاص لـ"تليجراف مصر"
e5ecb250-f3ca-4d2c-ba71-26c023db772c
شهادة تحقيق شخصية - فيش وتشبيه 20 أغسطس 1936 خاص لـ"تليجراف مصر"
7049d67d-c2d1-4ddb-a911-797b05fb8d2b
شهادة تحقيق شخصية - فيش وتشبيه 20 أغسطس 1936 خاص لـ"تليجراف مصر"

وفي مارس 1937، التحق عبدالناصر بالكلية الحربية، وتخرج في يوليو 1938 برتبة ملازم ثانٍ في سلاح المشاة، بعد فترة دراسة وتدريب استمرت نحو 16 شهرًا، ولم تكن سنوات الكلية الحربية مجرد مرحلة دراسية انتهت بالحصول على الرتبة؛ فقد دخل عبدالناصر بعدها عالم الخدمة العسكرية الفعلية، بما يفرضه من انضباط وانتقالات وواجبات يومية.

9ed52521-54f5-4272-ab04-a9916e03d39b
خطاب من جمال عبد الناصر لوالده يطلب منه سرعة إرسال مصاريف المدرسة الحربية - خاص لـ"تليجراف مصر"

ومن بين الوثائق المرتبطة بتلك المرحلة صورة له خلال أحد العروض العسكرية بالكلية الحربية، يظهر فيها بصفته حكمدار الدفعة حاملًا علم الكلية، إلى جانب شهادات تثبت ترقياته العسكرية المتعاقبة من رتبة ملازم ثانٍ حتى رتبة صاغ التي تعادل رتبة رائد حاليًا.

أرشيف صور نادر
جمال عبدالناصر فى السنة الأولى من كلية الحقوق

جمال عبدالناصر فى السنة الأولى من كلية الحقوق

طالباً فى الكلية الحربية

طالباً فى الكلية الحربية

أول صورة بعد التخرج

أول صورة بعد التخرج

أثناء أحد العروض العسكرية فى الكلية الحربية

أثناء أحد العروض العسكرية فى الكلية الحربية

جمال عبدالناصر فى الجامعة

جمال عبدالناصر فى الجامعة

جمال عبدالناصر ضابطاً

جمال عبدالناصر ضابطاً

جمال عبدالناصر ضابطاً

جمال عبدالناصر ضابطاً

صورة جمال عبدالناصر أثناء الخدمة فى السودان

صورة جمال عبدالناصر أثناء الخدمة فى السودان

عبد الناصر مع الحامية المصرية بالسودان

عبد الناصر مع الحامية المصرية بالسودان (الشخص الأول من ناحية اليمين بينما يقف عبد الحكيم عامر وزكريا محيى الدين بجانب العلم)

عبد الناصر مع السرية الخاصة بالكتيبة الثالثة فى الخرطوم

عبد الناصر مع السرية الخاصة بالكتيبة الثالثة فى الخرطوم

فى جبل الاولياء رفقة زكريا محيى الدين

فى جبل الاولياء رفقة زكريا محيى الدين

صورة أرشيفية نادرة

صورة أرشيفية نادرة توثق لحظات من الخدمة العسكرية

وثائق تاريخية نادرة
رتبة ملازم ثانٍ

وثيقة رسمية صادرة عن "المملكة المصرية" تؤرخ لقرار منح وتتويج الضابط جمال عبد الناصر حسين رتبة "ملازم ثانٍ" بالكلية الحربية الملكية، متضمنةً إشادة ملكية بأخلاقه المرضية وغيرته وشهمته في أداء الواجب، وتاريخ إصدارها لعام (1938) وممهورة بالأختام والأوسمة الملكية.

رتبة ملازم أول

وثيقة رسمية تاريخية من المملكة المصرية تفيد بترقية الضابط جمال عبد الناصر حسين إلى رتبة "ملازم أول" بالكتيبة الثالثة مشاة، تقديراً لالتزامه وخلوصه في العمل وحسن سيرته وسلوكه العسكري المتميز، وصدرت في عام (1940).

رتبة يوزباشي / نقيب

شهادة ترقية رسمية برتبة "يوزباشي" (ما يُعادل رتبة نقيب حالياً) للضابط جمال عبد الناصر حسين، والصادرة في عام (1944) ضمن التشكيلات العسكرية للجيش المصري في عهد المملكة المصرية، وتحمل التوقيعات والأختام الرسمية المعتمدة في ذلك الحين.

رتبة صاغ / رائد

شهادة ترقية رسمية تؤرخ لترقية البكباشي/الصاغ (رتبة رائد) جمال عبد الناصر حسين إلى رتبة "صاغ" برئاسة أركان حرب الجيش المصري، والصادرة في تاريخ 7 يوليو 1949، وهي من الوثائق الهامة التي تسبق قيام ثورة 23 يوليو مباشرةً ومذيلة بالأختام الملكية الفخمة.

وتضم الأوراق أيضًا أول رخصة قيادة لعبدالناصر، الصادرة في 27 نوفمبر 1939، وهي تفصيلة صغيرة تضيف إلى سجل سنواته الأولى في الجيش جانبًا من حياته اليومية خارج قاعات الدراسة والتدريب.

10de8492-e5ef-4305-a971-ae743c296787
أول رخصة قيادة لجمال عبدالناصر في 27 نوفمبر 1939 - لقطة خاصة لـ"تليجراف مصر"
31b55e30-4240-48b3-b462-b437d15e8382
أول رخصة قيادة لجمال عبد الناصر في 27 نوفمبر 1939 - لقطة خاصة لـ"تليجراف مصر"

الحياة اليومية للضابط الشاب

بعد التخرج، انتقل عبدالناصر إلى الخدمة في منقباد بمحافظة أسيوط، حيث بدأ تجربته ضابطًا في الجيش، ولم تكن البداية محاطة بالراحة أو الاستقرار الكامل؛ فالأوراق تكشف عن انشغاله بتدبير احتياجاته الأساسية، من السرير والأثاث إلى الملابس العسكرية وتكاليف تفصيلها.

في خطاب إلى والده، أخبره بوصوله إلى منقباد، قائلًا إنه وصل في اليوم السابق، وإنه أمضى يومه الأول من دون عمل يُذكر، وأوضح أنه استعار سريرًا من أحد أصدقائه، وأن الأثاث وصل إلى المحطة، لكنه كان يحتاج إلى استلامه ونقله إلى مكان إقامته.

وكتب في رسالته: “وقد استلفت سرير من أحد أصدقائي.. ومستريح جدًا” ثم أشار إلى ذهابه إلى أسيوط لشراء ملابس، مضيفًا في تقييم عفوي للمدينة أن البلدة “مش كويسة قوي فهي أقل من طنطا”، وفي الخطاب نفسه طلب من والده إرسال “البقجة” فقط من الأشياء المرسلة من المحلة، وعدم إرسال الكرسي لأنه لا يحتاج إليه، مطمئنًا إياه إلى أن الأموال الموجودة معه تكفيه في ذلك الوقت.

f2830871-c482-4852-871f-9e18096ef880
خطاب الوصول إلى منقباد (1938): خطاب إلى والده يعلمه بحديث وصوله إلى منقباد وانطباعاته الأولى عن أسيوط
a61770a5-2f00-434e-9541-53190e5a24a5
خطاب الوصول إلى منقباد (1938): خطاب إلى والده يعلمه بحديث وصوله إلى منقباد وانطباعاته الأولى عن أسيوط

وتكشف الرسالة طبيعة الحياة اليومية لضابط شاب ينتقل إلى مقر خدمته الأول، ويحاول ترتيب مسكنه وتدبير احتياجاته، مع استمرار اعتماده على المراسلات العائلية في تنظيم بعض شؤونه.

ولم تكن الملابس العسكرية أقل حضورًا في تلك المراسلات، ففي خطاب آخر من منقباد، مؤرخ في 6 نوفمبر 1938، ناقش عبدالناصر مع والده مسألة تفصيل البدل الشتوية، وأشار إلى أن الترزي حصل على مقدم قدره جنيهين ونصف من ضابط آخر، ثم فصل له الملابس وأرسلها بنفسه، واستغرب عبدالناصر ما حدث في حالته، مرجحًا أن يكون التأخير مرتبطًا بإصراره على الدفع، بينما حصل ضابط آخر على ملابسه رغم عدم سداده شيئًا حتى ذلك الوقت.

وأرسل مع الخطاب مبلغ جنيه حسب الطلب وطلب سرعة إرسال الملابس، موضحًا أنه ينتظرها بفارغ الصبر ويخشى تأخرها، هكذا تظهر الأوراق أن بداية حياته العسكرية لم تكن مجرد انتقال إلى رتبة جديدة، بل كانت أيضًا تجربة عملية في تدبير المال والاحتياجات الشخصية، والتعامل مع تفاصيل الحياة داخل الثكنة.

3a3fbaca-65f1-4255-b94a-92076b31c0ea
خطاب منقباد (6 نوفمبر 1938): خطاب لوالده يوضح فيه تفاصيل مصاريف الترزي ومبلغ الجنيهين والنصف للبدل الشتوية، واستشارتهم في متابعة الدفع

وفي رسالة أخرى إلى والده، ناقش عبدالناصر احتمال مبادلة موقعه مع ضابط آخر يخدم في العريش، في خطوة كان من شأنها أن تؤثر في راتبه الشهري، وكتب لوالده أنه يريد استشارته بشأن ضابط يرغب في المبادلة معه، موضحًا أن راتب العريش يزيد بمقدار 140 قرشًا، وأنه يرى أن العريش ومنقباد متقاربتان بالنسبة إليه من حيث ظروف الخدمة.

4b17fe4b-8032-4e1b-ae97-6c9809afe838
خطاب المبادلة والخدمة بالعريش رسالة إلى والده يستشيره فيها بشأن مبادلة موقعه مع ملازم آخر في الأورطة الثانية بالعريش للاستفادة من فرق الماهية (الراتب)، وموعد إجازته في نوفمبر
50f8d262-f435-4e23-a5d2-7a5ff02e7a3a
خطاب المبادلة والخدمة بالعريش رسالة إلى والده يستشيره فيها بشأن مبادلة موقعه مع ملازم آخر في الأورطة الثانية بالعريش للاستفادة من فرق الماهية (الراتب) وموعد إجازته في نوفمبر

ولم يقتصر الخطاب على هذا الأمر؛ فقد تحدث عن موعد إجازته المحتمل في نوفمبر، وعن أخبار نقل الأورطة إلى الإسكندرية، كما أشار إلى وجود محال شاغرة في الصبانة وطلب من عمه متابعة الأمر على أمل أن يحصل على أحدها.

الحرب والزواج خارج حسابات الضابط

قبل انتقاله إلى السودان، خدم عبدالناصر في مواقع عسكرية داخل مصر، من بينها طنطا، وفي رسالة إلى صديقه حسن النشار، أخبره بأنه لا يزال في طنطا، وأن بقاءه هناك قد يستمر إذا لم تندلع الحرب بين مصر وإيطاليا، وإلا فقد تنتقل وحدته إلى الحدود.

وتعود الرسالة إلى أجواء التوتر الدولي قبيل اتساع الحرب العالمية الثانية، حين كانت احتمالات توسع العمليات العسكرية في المنطقة تؤثر في حسابات القوات المسلحة المصرية.

87a31ba3-0adf-4861-9b36-d115e4d5f022
رسالة طنطا (الكتيبة الخامسة): رسالة إلى حسن النشار يخبره بوجوده بطنطا واحتمالية البقاء بها ما لم تقم الحرب بين مصر وإيطاليا وإلا فسينتقلون للحدود

وفي الخطاب نفسه، طلب عبدالناصر من صديقه مساعدته في متابعة موضوع إلحاق أخيه الليثي بمدرسة المحلة الكبرى الثانوية، مستعينًا بعلاقاته للوصول إلى ناظر المدرسة، عبد القادر عبد العظيم غالي.

ثم انتقل إلى مسألة أخرى، كاشفًا عن نظرته إلى الزواج في ظل عدم الاستقرار الذي كانت تعيشه البلاد، وكتب: “أما مسألة الزواج فأظن أنه ليس من المناسب الكلام فيها الآن”، قبل أن يربط ذلك بظروف الحرب والحياة غير المستقرة.

وتكشف الرسالة ضابط شاب لا يفصل حياته الخاصة عن الظروف المحيطة به؛ فالحرب واحتمالات انتقال وحدته كانتا حاضرتين حتى في تقديره لموعد الزواج، إلى جانب اهتمامه بمساعدة أصدقائه ومعارفه في أمورهم اليومية.

ef012267-5320-40e8-a4d0-478d80de2b5b
رسائل منقباد إلى صديقه حسن النشار:
يطلب فيها متابعة أخيه عز العرب وتزويده بالنصائح، ويسأله عن إمكانية الوساطة لإدخال أخيه الليثي مدرسة المحلة الكبرى الثانوية بالمجان أو بتخفيض مالي لتخفيف الأعباء العائلية
7fe9d24d-6b72-4e14-92f8-faadf6198a98
رسائل منقباد إلى صديقه حسن النشار:
يطلب فيها متابعة أخيه عز العرب وتزويده بالنصائح، ويسأله عن إمكانية الوساطة لإدخال أخيه الليثي مدرسة المحلة الكبرى الثانوية بالمجان أو بتخفيض مالي لتخفيف الأعباء العائلية

الخدمة في الخرطوم

في 5 يناير 1941، وصل عبدالناصر إلى الخرطوم وهناك بدأت واحدة من أكثر الفترات ثراءً في الوثائق المتعلقة بحياته كضابط شاب، وتشير مذكراته وملاحظاته المؤرخة بين 1 يناير و8 نوفمبر 1941 إلى انتقاله إلى الخرطوم، ثم إلى جبل الأولياء، وعودته مرة أخرى إلى الخرطوم، قبل أن يغادر السودان نهائيًا في 8 نوفمبر 1941،

86065b38-5597-41cf-8328-8f844d2db1f0
مذكرات جمال عبد الناصر عن فترة تواجده كضابط فى السودان بداية من 1 يناير وحتى 8 نوفمبر 1941:
- بداية السفر إلى الخرطوم
- تركه لبعض المقتنيات لعبد الحكيم عامر
- عبد الحكيم عامر استفلم من جمال عبد الناصر مبلغ خمسة جنيه

ولم تقتصر حياته على الواجبات العسكرية؛ فقد دوّن تفاصيل مالية، وسجل مبالغ أرسلها إلى أصدقائه، وأخرى أقرضها لزملائه، كما احتفظ بملاحظات عن أوقات فراغه ومشاعره خلال وجوده بعيدًا عن مصر.

وتشير الأوراق إلى أن عبدالناصر ترك بعض مقتنياته لدى عبد الحكيم عامر، الذي كان من رفاقه في تلك المرحلة، كما تذكر أن عامر استلف منه خمسة جنيهات، وكان عامر أحد الأسماء التي ارتبطت لاحقًا بمسيرة عبدالناصر السياسية والعسكرية.

6bb128fe-0c5d-42b3-b346-c29b061fe94d
وصول عبدالناصر للخرطوم فى 5 يناير 1941

وتُظهر هذه التفاصيل أن العلاقة بين الرجلين بدأت في سياق الحياة العسكرية اليومية، قبل أن يصبحا من أبرز الشخصيات في مرحلة ثورة يوليو وما تلاها.

جمال الكريم ودفتر السلف

من أكثر ما تكشفه ملاحظات عبدالناصر في السودان اهتمامه بتسجيل الأموال التي يدفعها أو يقرضها، بما يشبه دفتر حسابات شخصيًا لضابط يتابع راتبه والتزاماته المالية.

وتشير الملاحظات إلى أنه أرسل عشرة جنيهات إلى صديقه حسن النشار، ليصبح إجمالي المبلغ المستحق له عنده 13 جنيهًا، كما أرسل ثلاثة جنيهات إلى الملازم أول محمد عبدالمجيد بدير، ليصبح إجمالي ما له عنده ستة جنيهات.

a718f51d-4ebf-4251-9b0c-e9b9151eb9b1
- قام بإرسال مبلغ 10 جنيهات إلى صديقه حسن النشار فأصبح المستحق له عنده 13 جنيه
- أرسل إلى ملازم أول محمد عبد المجيد بدير مبلغ 3 جنيهات فأصبح إجمالى ما له 6 جنيهات.

وفي المقابل، تسجل الأوراق أنه أقرض شخصًا يُدعى عوض، جنيهين، كما أقرض شخصًا آخر يُدعى حسن، جنيهًا وكتابًا، وتتضمن الملاحظات أيضًا مبالغ مرتبطة بعمه خليل، في إطار شبكة من العلاقات العائلية والصداقات التي استمرت رغم المسافات التي فرضتها الخدمة العسكرية.

0fa13012-f64a-435e-91fc-1717cb182d12
نوتة السلف

ولا تقف أهمية هذه الحسابات عند قيمتها المالية وحدها؛ فهي تتيح رؤية ملموسة لطريقة إدارة عبدالناصر لأمواله وعلاقاته في تلك المرحلة، وتكشف عن تبادل للمساعدة المالية بينه وبين أصدقائه، في وقت كان فيه الراتب والتكاليف اليومية جزءًا أساسيًا من تفاصيل حياته.

1e594bc3-fd05-4ecb-924a-059994c4a186
قام بتسليف شخص يدعى (عوض) مبلغ 2 جنيه
وقام بتسليف شخص آخر اسمه حسن مبلغ جنيه وكتاب
1aabaf5b-24d6-46eb-a8b3-d9fd79426f68
المبالغ التى كان يرسلها لعمه خليل

وتكتسب هذه الملاحظات، أهمية إضافية عند قراءتها إلى جانب خطابات منقباد وطنطا؛ إذ تتكرر فيها مسألة المال، سواء تعلق الأمر بمصاريف الدراسة العسكرية والملابس، أو بفروق الرواتب بين مواقع الخدمة، أو بإقراض الأصدقاء.

WhatsApp Image 2026-10-27 at 1.40.14 AM
دفتر الشيكات الخاص بجمال عبدالناصر أثناء خدمته بالخرطوم بأسماء الأشخاص
WhatsApp Image 2026-10-27 at 1.40.15 AM
دفتر الشيكات الخاص بجمال عبدالناصر أثناء خدمته بالخرطوم بأسماء الأشخاص

شعور صارخ بالوحدة

في 9 مارس 1941، دوّن عبدالناصر أنه ذهب إلى السينما بمفرده للمرة الأولى، مشيرًا إلى أن شعوره كان كله ارتياحًا، وبعدها في 14 ابريل، كتب أنه خرج في الساعة الواحدة صباحًا من القشلاق وتوجه إلى النيل، حيث كان القمر بدرًا، وجلس وحده تنتابه المشاعر والأفكار، وتكشف هذه الملاحظة القصيرة عن جانب مختلف من حياة الضابط؛ فبدلًا من الأوامر العسكرية والحسابات المالية، نجد تسجيلًا للحظة شخصية اختار فيها الجلوس منفردًا ليلًا، بعيدًا عن صخب الحياة اليومية.

9feece97-ca3a-463a-abb6-7f0a0d289dad
المرة الأولى التى يذهب فيها جمال عبد الناصر إلى السينما وحيدا ويذكر أن شعوره كله ارتياح كان ذلك فى 9 مارس 1941
2ab85bdc-261b-4250-8d08-da850ab4155b
عبدالناصر: خرجت الساعة الواحدة صباحا من القشلاء وتوجهت إلى النيل وكان القمر بدر وجلست وحدى تنتابنى المشاعر والأفكار

وفي 3 أبريل 1941، تكررت صورة الوحدة في ملاحظة أخرى، بعدما انتقل إلى الخدمة في جبل الأولياء بدلًا من السرية الرابعة في كسلا، وكتب في وقت لاحق أنه خرج في الساعة الواحدة صباحًا إلى الخزان، وجلس قرب الهويس تحت ضوء القمر، واصفًا شعوره بأنه “شعور صارخ بالوحدة”.

70551a79-61e2-4ba1-91c0-ace9afa8d7ff
انتقال جمال عبد الناصر للخدمة فى جبل الأولياء بدلاً من السرية الرابعة فى كسلا
a626cf2c-6e7f-41b0-9214-c776814e01f8
عبالناصر: خرجت الساعة الواحدة صباحاً إلى الخزان وأما شعورى فكان شعور صارخ بالوحدة

وبين الملاحظتين، تظهر مفارقة إنسانية في يوميات عبدالناصر فهو الذي كان يدير حساباته، ويقرض أصدقاءه، ويتابع شؤون أسرته من بعيد، كان يسجل أيضًا لحظات انعزال شخصي لا تتجاوز بضعة أسطر، لكنها تمنح القارئ نافذة على حياته بعيدًا عن الصورة العسكرية الرسمية.

من جبل الأولياء إلى الخرطوم

في 3 أبريل 1941، انتقل عبدالناصر إلى جبل الأولياء، قبل أن يعود إلى الخدمة في الخرطوم يوم 14 يوليو من العام نفسه، وفي هذه الفترة، تكشف الرسائل عن استمرار التواصل مع أسرته، لكنه لم يكن دائمًا خاليًا من التوتر، ففي 31 أغسطس، تلقى خطابًا شديد اللهجة من عمه خليل، عبّر فيه العم عن استيائه من قلة السؤال عنه، وكتب أنه لا يراسله إلا من أجل إخوة جمال.

173d1158-45fd-49f8-9914-5e671c4b1f56
العودة من جبل الأولياء للخدمة مجدداً فى الخرطوم 14 يوليو
d65e7141-aa98-4da3-a9b0-77755de6b9f0
جواب شديد اللهجة من عمه خليل يقول فيه أنه لا يحاول السؤال عنه فى أكتب له إلا من أجل إخواتى فقط

وبعد يومين، في 2 سبتمبر، رد عبدالناصر بخطاب وصفته ملاحظاته بأنه جاف بعض الشيء، وأوضح فيه أنه ليس مرتاح البال وأنه لا يريد أن تزيده الرسالة ألمًا على ما يشعر به، وتضيف هذه المراسلات بُعدًا آخر إلى صورة حياته في السودان؛ فالغربة لم تكن مرتبطة بالبعد الجغرافي وحده، بل امتدت إلى علاقاته العائلية، التي كانت تتأثر بقلة التواصل والظروف التي فرضتها الخدمة العسكرية.

ef82bfde-97c8-41a9-8d4f-fe8a7503a290
عبدالناصر: رديت على جواب عمى بجواب جاف شويه وافهمته أنى لست مرتاح البال لدرجة أن يؤلمنى زيادة على آلامى

وفي 8 نوفمبر 1941، غادر عبدالناصر الخرطوم إلى مصر بشكل نهائي، بعد نحو عشرة أشهر من وصوله إليها وفق التواريخ الواردة في أوراقه.

15bffddc-0a77-45e3-b081-eced7eba681e
غادر الخرطوم إلى مصر بشكل نهائى 8 نوفمبر

رسالة العلمين تكشف غضب الضابط

لم تكن مغادرة السودان نهاية انتقالات عبدالناصر العسكرية؛ فقد استمرت خدمته بين مواقع مختلفة، وكانت قرارات النقل والمبادلة حاضرة في خطابات وجهها إلى والده.

في 4 فبراير 1942، حاصرت القوات البريطانية قصر عابدين وأجبرت الملك فاروق على تكليف مصطفى النحاس بتشكيل الحكومة، في واقعة تركت أثرًا عميقًا في الحياة السياسية المصرية وأثارت غضب قطاعات من الرأي العام والجيش.

وجاءت الحادثة في سياق الحرب العالمية الثانية، حين كانت القوات البريطانية تسعى إلى ضمان تشكيل حكومة تتعاون معها في إدارة ظروف الحرب، فيما كان المشهد يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره تدخلًا مباشرًا في القرار السياسي المصري وإهانة لسيادة البلاد.

وبعد نحو أسبوعين، كتب عبدالناصر إلى صديقه حسن النشار من العلمين، في رسالة مؤرخة في 19 فبراير 1942، عبّر فيها عن غضبه من الحادثة، وعن اعتقاده بأنها كشفت أزمة أعمق داخل الجيش.

وجاء في الرسالة:

عزيزي حسن.. أكتب إليك وأنا في حالة من الأسر والغم؛ الحادث الأخير جعلني أغلي غليانًا، ومستسلم لخاطرات شديدة، إنني أعتقد أن الجيش كان يلزمه حادثة مثل هذه لكي يفيقه ويجعله يدرك كرامته، لقد دخلوا البلاد وداسوا الكرامة، والضباط يتكلمون عن الانتقام ولكن كعادتهم كلام فقط!، أما أنا فيتألم قلبي من الشدة، الحادثة كانت درسًا قاسيًا للجميع.

e56fdc9b-8775-4971-9cf7-aff8e2f50027
رسالة الى صديقه حسن النشار يعبر فيها عن استيائه بعد حادث 4 فبراير 1942 ويشرح له رد الفعل على نفسية الضباط وسلوكهم من العلمين في 19 - 2 - 1942 

وتكشف الرسالة عن موقف عبدالناصر من حادث 4 فبراير بعد مرور أيام عليها، وتربط بين الإهانة التي شعر بها تجاه ما جرى في قصر عابدين وبين نظرته إلى دور الجيش وكرامته.

لكن أهمية الرسالة لا تكمن في الغضب وحده، بل في أنها توثق تعبيرًا شخصيًا عن أثر الحدث في ضابط كان يخدم في الجيش قبل أكثر من عشر سنوات من ثورة يوليو. ولا تكفي الرسالة وحدها للقول إن قرار الثورة اتخذ في تلك اللحظة، لكنها تثبت أن واقعة 4 فبراير كانت حاضرة بقوة في تفكيره، وأنه رأى فيها درسًا يتعلق بالجيش والكرامة الوطنية.

موقع الضابط في زمن الحرب

وتضم الأوراق كذلك وثيقة تحدد موقع عبدالناصر في منطقة سيدي عبدالرحمن خلال الحرب العالمية الثانية في مارس 1942، في مرحلة كانت فيها مصر ومناطق الساحل الشمالي جزءًا من مسرح التحركات العسكرية المرتبطة بالحرب العالمية الثانية.

وكانت منطقة العلمين والساحل الشمالي ذات أهمية استراتيجية في المواجهات بين قوات المحور والحلفاء، قبل معركة العلمين الثانية في أكتوبر ونوفمبر 1942، وتأتي الوثيقة ضمن ما يساعد على تتبع مواقع خدمة عبدالناصر بعد عودته من السودان، مع ضرورة مطابقة تاريخها ومضمونها مع سجلات وحدته العسكرية لتحديد طبيعة مهمته بدقة.

8ad8c884-c36f-4148-881c-8906ff3d5588
ورقة تحدد موقع عبدالناصر في منطقة سيدي عبدالرحمن خلال الحرب العالمية الثانية في مارس 1942

مفكرة بخط اليد ومذكرات كلية الأركان

وتضم الوثائق التي حصلت عليها “تليجراف مصر” مفكرة شخصية بخط يد عبدالناصر خلال عمله مدرسًا بكلية الأركان عام 1945 إلى جانب مذكرات دراسة دوّنها خلال عمله بالكلية في العام نفسه، فضلًا عن بيان يرصد الأماكن التي خدم بها منذ تخرجه في الكلية الحربية وحتى قيام ثورة يوليو 1952.

المفكرة شخصية بخط يد عبدالناصر:

مذكرات دراسة بخط يد عبدالناصر:

48b52c81-ccc0-4163-a97b-42934c976a67
بيان بالأماكن التى خدم بها جمال عبد الناصر منذ تخرجه وحتى قيام الثورة


الزواج في يونيو 1944

بعد سنوات من التنقل بين مواقع الخدمة، تزوج عبدالناصر في 29 يونيو 1944 من فتاه تنتمي إلى أسرة ميسورة الحال وكان والدها يعمل في تجارة السجاد، وجاء الزواج بعد سنوات من حياة عبدالناصر العسكرية التي تظهر الوثائق جانبًا من تفاصيلها اليومية، ودخل جمال مرحلة جديدة من حياته الشخصية تحمل فصلًا مليئ بالأحداث ما بين جمال العاشق والمحارب في حرب فلسطين 1947.

اقرأ أيضًا

الوجه الآخر لعبد الناصر.. جمال الممثل بدور قيصر والطفل الصحفي ومتطوع القرش (1)

الوجه الآخر لعبدالناصر: "عزيزي علي إننا نصافح الموت وعلينا إعادة مصر لسيرتها الأولى" (2)

search