الأحد، 01 نوفمبر 2026

06:51 م

الأحد، 01 نوفمبر 2026

06:51 م

بين صدام أديب وبكري وسخرية الديهي.. لماذا لا نحتمل الرأي الآخر؟

في مشهد تلفزيوني لافت، يتحول نقاش بين إعلاميين حول قضية دستورية وسياسية بالغة الأهمية إلى سجال تتداخل فيه المقاطعات وارتفاع نبرة الصوت والعبارات الحادة، فلا يعود المشاهد منشغلاً فقط بما يقوله كل طرف، وإنما بكيفية قوله، وبالمسافة التي تفصل بين مناقشة الفكرة والدخول في مواجهة مع صاحبها.

هذا ما عكسته المواجهة التي جمعت الإعلامي عمرو أديب بالنائب والإعلامي مصطفى بكري، في برنامج «الحكاية»، حول مقترح إعداد دستور جديد، وما أثاره من تساؤلات بشأن مدد الرئاسة ومستقبل الحكم بعد انتهاء ولاية الرئيس عبدالفتاح السيسي عام 2030. 

اختلف الرجلان في الرؤية والتفسير، لكن حدة النقاش والمقاطعات جعلت طريقة إدارة الاختلاف جزءاً أساسياً من المشهد، وربما أكثر حضوراً لدى بعض المشاهدين من تفاصيل القضية نفسها.

ولم يكن هذا المشهد الوحيد، فبعد ظهور الإعلامي نشأت الديهي في لقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وتحول سؤال الأخير له عن هويته والجهة التي يعمل بها إلى مادة للتعليقات الساخرة على مواقع التواصل، وجد الديهي نفسه مضطراً إلى توضيح خلفيات إجابته، مؤكداً أنه تعمد استخدام اسم «القناة العاشرة» في إطار توجه لتعريب اسم المؤسسة.

قد نختلف مع بكري أو أديب في طريقة إدارة النقاش، وقد نختلف مع الديهي في صياغة سؤاله أو إجابته، وهذا حق طبيعي، لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده يتجاوز الأشخاص الثلاثة، لماذا أصبح الاختلاف مناسبة للانفعال أو السخرية بدلاً من أن يكون فرصة لمناقشة الأفكار واختبارها؟

لماذا بات البعض يتعامل مع الرأي المخالف وكأنه اعتداء على قناعاته أو انتقاص من شخصه؟ ومتى أصبح الانتصار في النقاش أهم من الوصول إلى الحقيقة، وإثبات أن الآخر مخطئ أهم من محاولة فهم ما يقوله؟

المشكلة أننا لم نعد نختلف حول الأفكار بقدر ما أصبحنا نحاكم أصحابها، فمن يختلف معنا قد يصبح في نظرنا جاهلاً أو متآمراً أو صاحب مصلحة، بدلاً من أن يكون إنساناً يرى المسألة من زاوية أخرى. 

والأسوأ أننا أحياناً لا نكتفي برفض رأيه، وإنما نسعى إلى إحراجه أو التقليل منه أو التشكيك في نواياه، وكأننا لا نطمئن إلى صحة موقفنا إلا إذا نجحنا في إهانة الموقف المقابل.

وهنا تلعب مواقع التواصل الاجتماعي دوراً في تضخيم الظاهرة، فالتعليق الساخر ينتشر أسرع من النقاش المتزن، واللقطة المقتطعة تحصد تفاعلاً أكبر من الحوار الكامل، وأصبح بعض المستخدمين يتعاملون مع كل نقاش باعتباره مباراة لها فائز وخاسر، لا مساحة لتبادل الأفكار.

ومن الناحية النفسية، يرتبط ذلك أحياناً بما يعرف بالتحيز التأكيدي، أي ميل الإنسان إلى البحث عما يدعم قناعاته وتجاهل ما يناقضها، كما أن ارتباط بعض الآراء بهويتنا الشخصية يجعل مراجعتها أمراً صعباً، وكأن الاعتراف بخطأ في وجهة النظر اعتراف بهزيمة شخصية.

لكن الخسارة الحقيقية لا تحدث على شاشات التلفزيون أو صفحات التواصل وحدها، وإنما تمتد إلى حياتنا اليومية، فكم من صداقة انتهت بسبب خلاف سياسي أو رياضي؟ وكم من جلسة عائلية تحولت إلى مشادة لأن أحد الحاضرين لم يتبنَّ الرأي نفسه؟ وكم من علاقة إنسانية تآكلت لأن أصحابها لم يتعلموا كيف يختلفون دون أن يتخاصموا؟

ليس المطلوب أن نتفق، ولا أن نتنازل عن قناعاتنا لإرضاء الآخرين، وإنما أن ندرك أن احترام الإنسان لا يعني الموافقة على رأيه، وأن قوة الحجة لا تقاس بارتفاع الصوت، وأن السخرية من صاحب الرأي ليست دليلاً على تفوق من يختلف معه.

ربما نحتاج إلى استعادة قيمة بسيطة غابت وسط ضجيج المعارك الكلامية، وهي أن نستمع قبل أن نحكم، وأن نناقش قبل أن نتهم، وأن نمتلك الشجاعة للاعتراف بأن الآخر قد يكون محقاً في بعض ما يقول.

ليس ضرورياً أن نكسب كل نقاش، ولا أن نثبت في كل مرة أننا على صواب، فأحياناً يكون الانتصار الحقيقي أن ننهي حواراً ونحن لا نتفق، لكننا لا نزال نحترم بعضنا.
 

search