الثلاثاء، 03 نوفمبر 2026

01:15 ص

الثلاثاء، 03 نوفمبر 2026

01:15 ص

ميار عثمان.. حكاية أمل

في زمن تتسارع فيه الحياة، وتتزاحم فيه الضغوط، وتفرض فيه الشاشات حضورها على تفاصيل يومنا، تظل هناك نماذج قادرة على إعادة الاعتبار للقيم الجميلة، وتذكيرنا بأن الرقي الحقيقي يبدأ من الداخل، وأن الثقافة ليست ترفًا، وإنما أسلوب حياة يصنع شخصية الإنسان ويمنحه القدرة على رؤية العالم بصورة أكثر اتساعا وعمقا ومن بين هذه النماذج تبرز ميار عثمان، بطلة تحدي القراءة، باعتبارها نموذجا مشرفا للفتاة المصرية التي اختارت أن تجعل من الكتاب رفيقا، ومن المعرفة طريقا، ومن القراءة مساحة لاكتشاف الذات والعالم.

ما يلفت الانتباه في تجربة ميار ليس مجرد مشاركتها في تحدي القراءة أو ما تحققه من نجاح، وإنما تلك الرسالة الأعمق التي تحملها تجربتها، وهي أن الأجيال الجديدة لا تزال قادرة على الانحياز إلى المعرفة، وأن الكتاب ما زال يمتلك سحره وتأثيره رغم كل ما يشهده العالم من تحولات تكنولوجية ومغريات رقمية تستحوذ على الوقت والانتباه، وأنه حين نرى طفلة تقبل على القراءة بشغف، وتجد متعتها بين صفحات الكتب، ندرك أن بذور المستقبل الحقيقي تزرع مبكرا، وأن بناء العقول يبدأ بخطوة صغيرة قد تصنع فارقا كبيرا في حياة الإنسان.

القراءة ليست مجرد هواية نمارسها في أوقات الفراغ، بل هي رحلة متجددة إلى عوالم لم نعشها، وتجارب لم نخضها، وأفكار لم تخطر على أذهاننا، الكتاب يمنح قارئه فرصة أن يعيش أكثر من حياة، وأن يسافر عبر الأزمنة والأماكن، وأن يتحاور مع عقول صنعت التاريخ وتركت بصمتها في الفكر والأدب والعلم، ومن يعتاد مصاحبة الكتب يكتسب قدرة أكبر على الفهم والتحليل، وتتسع مداركه، ويصبح أكثر قدرة على التعبير عن أفكاره والتفاعل مع مجتمعه.

تحمل تجربة ميار عثمان أهمية تتجاوز حدود الإنجاز الفردي، لأنها تقدم رسالة إلى الأسرة والمدرسة والمجتمع بأهمية اكتشاف مواهب الأطفال ورعايتها، وتوفير البيئة التي تساعدهم على تنمية قدراتهم، وتشجعهم على البحث والمعرفة والإبداع، فالطفل الذي يجد من يأخذ بيده نحو الكتاب، ويمنحه فرصة الاختيار والاكتشاف، ينمو داخله شغف لا يتوقف عند حدود مسابقة أو شهادة تقدير، وإنما يتحول إلى عادة تصاحبه طوال حياته.

كما أن تحدي القراءة يمثل تجربة مهمة في ترسيخ ثقافة الاطلاع بين الأجيال الجديدة، وإعادة الكتاب إلى مكانته في تشكيل الوعي وبناء الشخصية، المجتمعات التي تقرأ تمتلك أدوات أفضل لمواجهة الأفكار المغلوطة، وتكون أكثر قدرة على فهم تحديات الحاضر واستشراف المستقبل ولا يمكن الحديث عن التنمية الحقيقية دون إنسان يمتلك المعرفة والوعي والقدرة على التفكير المستقل، فالثروة الأهم لأي وطن تظل في عقول أبنائه وما يمتلكونه من علم وثقافة وإبداع.

مصر، بتاريخها الحضاري والثقافي الممتد، تستحق أن ترى أبناءها وبناتها في مقدمة المشهد المعرفي، وأن تحتفي بكل موهبة صغيرة تحمل في داخلها حلما كبيرا، فكم من طفل بدأ رحلته بكتاب، ثم أصبح صاحب أثر في مجتمعه، وكم من فكرة ولدت بين صفحات القراءة وتحولت إلى مشروع أو اكتشاف أو إنجاز يفتخر به الوطن ومن هنا تأتي قيمة النماذج الشابة التي تمنحنا سببا للتفاؤل، وتؤكد أن الاستثمار في العقول هو الاستثمار الأكثر بقاء وتأثيرا.

تستحق ميار عثمان كل التقدير على ما تقدمه من صورة جميلة للطفولة المصرية المحبة للمعرفة، كما تستحق أسرتها كل التحية على ما تبذله من جهد في دعمها وتشجيعها، فخلف كل موهبة تنمو وتزدهر أسرة تؤمن بها، وتمنحها الثقة والمساحة اللازمة لتحقيق طموحاتها.

إن أجمل ما يمكن أن نمنحه لأطفالنا ليس فقط أن نفتح أمامهم أبواب النجاح، وإنما أن نزرع في نفوسهم حب المعرفة، ونربيهم على أن الحلم يحتاج إلى علم، وأن الطموح يحتاج إلى عمل، وأن الطريق إلى المستقبل يبدأ بعقل قادر على التفكير وقلب محب للحياة.

تحية إلى ميار عثمان، وإلى كل طفل يحمل كتابا ويحلم بمستقبل أجمل، الأوطان لا تبني مستقبلها بالموارد وحدها، وإنما بالعقول التي تقرأ، والقلوب التي تحلم، والأجيال التي تؤمن بأن المعرفة هي الطريق الأوسع نحو التقدم.

حفظ الله أبناء مصر، وجعلهم دائمًا مصدر فخر وأمل لهذا الوطن.

اقرأ أيضًا..

محمد بن راشد يكرم المصرية ميار عثمان بطلة "تحدي القراءة العربي 2026".. من هي؟

search