سلاح المعرفة أخطر من القنبلة.. لماذا بات العلماء أهدافا استراتيجية؟
في الحروب الحديثة، لم تعد الأسلحة النارية وحدها هي أدوات الحسم، بل أصبحت العقول والمراكز العلمية هدفاً مباشراً ضمن استراتيجيات عسكرية متقدمة، فالمعرفة لم تعد مجرد عنصر داعم في الصراع، بل أصبحت جبهة قائمة بذاتها، تستهدفها الجيوش والسياسات، وتبذل الجهود الهائلة لتعطيلها أو توجيهها بما يخدم أطراف النزاع. الهجمات التي كانت توجّه سابقا نحو الثكنات والمواقع العسكرية، باتت تصوب اليوم نحو الجامعات، المراكز البحثية، المعامل، والكوادر العلمية المتخصصة.
تعتمد الجيوش الحديثة على الأبحاث والتكنولوجيا المتقدمة في إدارة معاركها، ما جعل المراكز البحثية جزءا من البنية العسكرية غير المعلنة، ومن هنا، أصبح تعطيل هذه البنية هدفا مشروعا في نظر كثير من الأطراف، فبضرب مؤسسة بحثية ما، يمكن تأخير إنتاج سلاح نوعي، أو تعطيل تطوير تكنولوجيا حساسة لسنوات، لقد شهد العالم حوادث عديدة من هذا النوع، سواء بالضربات العسكرية المباشرة، أو عبر الهجمات السيبرانية التي تستهدف تعطيل الأنظمة والبيانات الحيوية داخل هذه المراكز، ومن الأمثلة البارزة على ذلك الهجوم الإلكتروني الشهير "ستوركسنت" الذي أصاب منشآت الطرد المركزي الإيرانية وأدى إلى تعطيل برنامجها النووي لسنوات.
وتعتبر عملية اغتيال العلماء جزءا من هذه الحرب الخفية، فقد تم استهداف علماء متخصصين في مجالات دقيقة كفيزياء الجسيمات، والهندسة النووية، والذكاء الاصطناعي، في أكثر من بلد، عبر عمليات معقدة شاركت فيها أجهزة استخبارات متعددة، هذه العمليات تهدف إلى تجميد التقدم العلمي من خلال القضاء على العقول المفكرة، كما تحمل رسائل نفسية ورمزية بأن كل من يسهم في تطوير قدرات العدو هو هدف مشروع.
ولا تقتصر الهجمات على الدول النامية أو الصاعدة، بل شملت كذلك مراكز علمية مرموقة في دول متقدمة، ففي النزاعات بين الدول الكبرى، تم استهداف شبكات الطاقة والاتصالات، ومحاولات لاختراق أنظمة المفاعلات النووية، مثلما حدث في بعض المنشآت في أوكرانيا خلال الحرب الروسية هناك، كما تعرضت مؤسسات علمية روسية لعزلة دولية بعد اندلاع الحرب، ومنعت من الوصول إلى منصات ومراكز بحثية دولية مثل "سيرن"، ما تسبب في نزيف حاد في الطاقات البحثية.
التداعيات المترتبة على هذا النوع من الاستهداف كارثية، إذ يؤدي تدمير أو تعطيل المراكز العلمية إلى خسائر مالية ضخمة، وتوقف برامج أبحاث تمتد لسنوات وربما عقود، فضلًا عن تأثر سمعة الدولة المعنية وارتفاع معدلات هجرة العقول إلى دول أكثر أماناً، ولا تقتصر الخسارة على المجال الدفاعي، بل تمتد إلى قطاعات حيوية مثل الطب والطاقة والزراعة الذكية، فمشروع علمي يتعطل بسبب ضربة صاروخية أو هجمة إلكترونية قد يكون هو المسؤول مستقبلاً عن اكتشاف علاج لمرض عضال، أو تطوير مصدر نظيف للطاقة.
ورغم هذه الخطورة، لا تزال القوانين الدولية عاجزة عن وضع حدود واضحة لحماية المراكز البحثية والعلماء، فلا توجد اتفاقيات ملزمة تمنحهم وضعا قانونيا مشابهاً لحماية المستشفيات أو المدنيين في مناطق النزاع، كما أن آليات الردع والمحاسبة تكاد تكون منعدمة، مما يفتح الباب أمام المزيد من الاعتداءات تحت ذرائع أمنية أو استراتيجية.
إن ما نشهده اليوم هو انتقال من مرحلة استهداف البنية التحتية المادية إلى مرحلة استهداف البنية التحتية المعرفية، وهي أخطر وأعمق من أي وقت مضى، فالحرب على العقول لا تُخاض فقط بالصواريخ، بل بالمعلومات، وبحرمان الباحث من مختبره، والطالب من مشرفه، والمشروع من تمويله.
إن هذا التحول يتطلب من المجتمع الدولي وقفة جادة، تضمن حماية هذه الجبهة المعرفية، وإدراك أن العالم لا يستطيع أن يتحمل كلفة فقدان العلماء والمراكز التي تصنع التقدّم الإنساني. المعرفة أصبحت هدفاً في الحرب، وحمايتها أصبحت ضرورة للبقاء.
الدول المتقدمة تحرص على حماية علمائها بوصفهم أحد أهم أصولها الاستراتيجية، وذلك من خلال مجموعة من السياسات الأمنية والعلمية المتكاملة، فهي توفر لهم تأميناً شخصياً مشدداً، خاصة لأولئك المنخرطين في مشاريع بحثية حساسة مثل البرامج النووية أو الدفاعية، وتعمل على إخفاء هوياتهم في بعض الأحيان أو تقنين ظهورهم الإعلامي، كما تنشئ منظومات إلكترونية متطورة لحماية بياناتهم ومراسلاتهم ومشاريعهم من الهجمات السيبرانية.
وإلى جانب ذلك، توفر الدول بنية تشريعية تضمن للعلماء حرية البحث والحماية القانونية من التهديدات أو الضغوط الخارجية، مع دعم مالي وتقني مستمر يمنع تسربهم إلى دول أخرى، وفي حالات النزاع أو التوترات الإقليمية، تنقل بعض الحكومات العلماء إلى مواقع سرية أو آمنة وتوفر لهم فرقاً متخصصة في الطوارئ لضمان استمرار عملهم دون انقطاع، كل ذلك يعكس إدراكا عميقا بأن حماية العقول لا تقل أهمية عن حماية الحدود.
الأكثر قراءة
-
الصعود مستمر.. كم وصل سعر الدولار أمام الجنيه اليوم؟
-
"عريان ويردد ألفاظًا خادشة".. الأمن يفحص فيديو “بيسو العفريت”
-
بعد ساعات من انتشال جثمانه.. كشف هوية غريق ميناء الصيد ببورسعيد
-
صدام "طيبات ضياء العوضي" والعلم.. طبيب يرد على فتاة زعمت شفاءها من السرطان
-
"الطلب عالي والأسعار نار"، أزمة عالمية في الواقيات الذكرية بسبب الحرب
-
سعر صرف الدولار مقابل الجنيه المصري اليوم الأربعاء في البنوك
-
أسعار الخضراوات والفاكهة اليوم الأربعاء 22 أبريل 2026 في سوق العبور
-
عمر رضوان رئيسًا للبورصة لمدة عام.. من هو؟
مقالات ذات صلة
لجان الترقيات وسوق العلم المزيف.. بين المقايضة والانتقام الأكاديمي
12 أبريل 2026 02:10 م
من غرف التحقيق إلى ساحات المواجهة.. كيف صنعت مصر ريادتها في علوم السلوك؟
24 فبراير 2026 12:40 م
من محراب العلم إلى محراب الأخلاق.. يوم مختلف في جامعة الأزهر
17 فبراير 2026 09:28 ص
رسالة مفتوحة إلى وزير الثقافة الجديد.. ركز على الأثر؟
09 فبراير 2026 06:24 م
الانتظام البحثي المؤسسي.. حالة مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار
04 فبراير 2026 01:31 م
خطة طموحة ومسؤولية مؤسسية.. جامعة القاهرة أمام اختبار الأولويات
27 يناير 2026 12:40 م
في قبضة أهواء المنسقين.. الوجه الخفي لأزمة البحث العلمي
18 يناير 2026 10:54 ص
"الثقافة" في عيدها.. لحظة مراجعة أم صورة تذكارية مكررة؟
07 يناير 2026 11:05 ص
أكثر الكلمات انتشاراً