الأحد، 30 نوفمبر 2025

01:09 ص

اختراق الجدار العربي: أبعاد ومخاطر المشروع الإسرائيلي الجديد

إن القوى الإمبريالية التي زرعت إسرائيل في هذه المنطقة كانت تدرك تمامًا أن فترات الاستعمار الأوروبي للعالم العربي كانت فترات مؤقتة، وأن هذه الدول ستستقل عاجلًا أم آجلًا. لذلك تحركت تلك القوى، مدفوعةً بالحركة الصهيونية، للتخطيط لإنشاء دولة إسرائيل في فلسطين. ولم يكن ذلك فقط لاعتبارات دينية تتعلق بـ"أرض الميعاد" ولا لخطاب الاضطهاد التاريخي الذي تروّج له الحركة الصهيونية، بل لأن الهوية اليهودية - التي حاولت الصهيونية فبركتها قوميًا- كانت بحاجة إلى كيان سياسي يمنحها الشرعية.

منذ عهد هرتزل، وبالتعاون مع عائلة روتشيلد، بدأت الضغوط على السلطان العثماني عبد الحميد الثاني لإقامة وطن لليهود في فلسطين تحت الحكم العثماني. وعُرض عليه مبلغ 20 مليون جنيه إسترليني من أموال روتشيلد للمساعدة في سداد ديون الدولة العثمانية التي أثقلتها النزاعات والبذخ. ومن هنا بدأ التغلغل الاستيطاني في فلسطين منذ عام 1876، ليتحول لاحقًا إلى مشروع استعماري كامل الأركان.

تكمن خطورة المشروع الإسرائيلي في أنه ليس مجرد احتلال، بل فكرة استبدال شعبٍ مكان شعب، وهو جوهر الصراع الحقيقي. ففي عام 1948، كان الحي الذي يقع فيه مقر الكنيست الإسرائيلي في القدس الغربية اليوم هو حي الشيخ بدر، وما جرى هناك كان عملية تهجير قسري واسعة نفّذتها العصابات الصهيونية.

إن لإسرائيل مشروعًا توسعيًا كبيرًا في المنطقة العربية تساعدها فيه عوامل عديدة، أبرزها الانقسام العربي الذي بدأ مع احتلال صدام حسين للكويت عام 1990. وقد مثّل ذلك فرصة ذهبية للقوى الغربية لإضعاف إحدى أكبر القوى العربية، ففُرض حصار قاسٍ على العراق استمر 13 عامًا انتهى باجتياح أميركي كامل، وإسقاط النظام، وتفكيك الجيش العراقي. 

ومن هنا بدأ مشروع "الفوضى الخلّاقة" الذي امتد إلى "الربيع العربي"، لتجد الدول العربية نفسها أمام صعود تيارات متطرفة ساهمت في انهيار الجيوش السورية والليبية والسودانية واليمنية، مما أتاح لإسرائيل التمدد إقليميًا عبر القوة الصلبة والناعمة، وعبر اتفاقات إبراهام وتغلغل النفوذ الأمني والتكنولوجي.

لقد كشفت عملية طوفان الأقصى عن حجم التفوق التكنولوجي الإسرائيلي، إذ بات الاحتلال قادرًا على تحديد أماكن القيادات المستهدفة بدقة عالية. المثال الأوضح هو ما جرى في لبنان العام الماضي، حين نفّذ الاحتلال عملية نوعية تمثّلت في تفجير هواتف "البيجر"، ليس فقط بتفجيرها بل عبر كيفية تسويقها لحزب الله وإقناعه بأن حجم البطارية الكبير ميزة تقنية. هكذا تسللت هذه الأجهزة إلى آلاف المنازل اللبنانية، لتتحول لاحقًا إلى قنابل موقوتة. 

ثم جاءت عمليات الاغتيال في الضاحية الجنوبية التي طالت حسن نصر الله وهاشم صفي الدين وعلي كركي وقبلهم فؤاد شكر. هذا النوع من التفوق لم يكن موجودًا في حرب يوليو 2006، فبنية الجيش الإسرائيلي وقدراته، خصوصًا مع التفوق الجوي لطائرات F-35 وتطور قدراته على القتال على جبهات متعددة ولفترات طويلة، تغيرت جذريًا.

لم يأتِ هذا التفوق من فراغ؛ فإسرائيل تبنت نهجًا استراتيجيًا يقوم على التصنيع والتكنولوجيا، وتمتلك اليوم نحو 1000 شركة صناعات تكنولوجية، وتصل قيمة صادراتها التقنية إلى نحو 40 مليار دولار سنويًا. واستعراض هذه القدرات ليس غاية في حد ذاته، بل جرس إنذار للدول العربية التي تواجه خطرًا مباشرًا على أمنها القومي.

إن غياب مشروع عربي موحّد لمواجهة إسرائيل يؤدي تلقائيًا إلى اختلال خطير في ميزان القوى الإقليمي. فمبادرة مصر عام 2014 لتشكيل قوة عربية مشتركة كانت خطوة أولى في الاتجاه الصحيح، ولو رأت النور لكان المشهد الإقليمي مختلفًا كليًا. ومن هنا تبرز أهمية تحليل الحرب الممتدة منذ عامين، ورصد تطور القدرات الإسرائيلية العسكرية والتقنية، لبناء استراتيجية عربية قادرة على إعادة التوازن إلى المنطقة.

لقد صرّح نتنياهو مرارًا بأنه "مبعوث" لإنشاء إسرائيل الكبرى، وبين الحقيقة والأوهام تبقى حقيقة واحدة واضحة: المشروع الإسرائيلي بات مكشوفًا بكل محدداته وأهدافه، ولم يعد هناك مجال للتماهي أو التجاهل.

search