الجمعة، 02 يناير 2026

05:42 ص

يرويها آباء ضحايا السرطان، "غرف التلطيفي" شاهدة على حكايات ألم لا يعرف الشفاء

تعبيرية

تعبيرية

لم يكن القرار سهلًا، أو الفقد لحظة سريعة، بل جاء بطيئًا جدًا بشكل لا تتحمله الروح.. آباء وجدوا أنفسهم أمام واقع قاسٍ والموافقة على دخول أبنائهم المرضى بالسرطان إلى مرحلة هي الأصعب على الإطلاق، والتي بعدها ودعوا أبناءهم، وبعد الرحيل، لم يبقَ سوى الذكريات.

رحلة العلاج التلطيفي

في السطور التالية يروي آباء فقدوا فلذات أكبادهم بعد رحلة العلاج التلطيفي لـ"تليجراف مصر" كيف تحول الألم إلى وداع هادئ لن يُمحى. والعلاج التلطيفي مصطلح متعارف عليه ويتضمن إخضاع مريض السرطان لرعاية شاملة تبدأ منذ لحظة التشخيص ولا تنتظر فشل العلاج.

جلس السيد أحمد بجانب سرير ابنته سلمى في غرفة بيضاء، ممسكًا بيديها النحيلتين، كلما نظر إليها شعر بثقل الأيام المقبلة، كان قلبه يتألم كلما سمع أنفاسها المتقطعة، يعرف جيدًا أنها في الرعاية التي تمنحها تسكين الألم في آخر أيامها.

الصغيرة سلمى

يتذكر أحمد وهو يحكي عن ابنته سلمى اليوم المشؤوم الذي اشتكت فيه من ألم في ظهرها وقدميها، في البداية ظن أنها تعاني التهاب اللوزتين، فذهب بها إلى طبيب الأطفال، وبعد مرور أيام لم يتحسّن الوضع وظلت تعاني شدة الألم، فاصطحبها إلى طبيب عظام، وهنا بدأت الأمور تتكشف.

مع أول أشعة رنين، اكتشف الأطباء الورم النامي في الفقرة العجزية بالعمود الفقري (ساركوما إيوينج)، ليبدأ رحلته مع معاهد الأورام المختلفة حتى وُضعت حالة سلمى على قائمة الانتظار في مستشفى شهير لعلاج السرطان.

الورم في المرحلة الرابعة

بعد 10 أيام انتظار، جاءت رسالة المستشفى كطوق نجاة، حسبما قال الأب، لكنه اكتشف أن الورم في مرحلته الرابعة، وبدأ رحلة العلاج الكيميائي ومن بعده الإشعاعي.

سلمى

عام ونصف من العلاج والإعياء والضعف النفسي قبل الجسدي، وأصبح المستشفى مأوى سلمى، لكن الأطباء أخبروا الأب في النهاية بفشل العلاج، وضرورة البدء في مرحلة العلاج التلطيفي، حتى توفيت في يوم 26 أبريل الماضي.

بنتي بطلة حقيقية

يقول الأب بصوت مملوء بالحسرة والألم: "إحنا ماكناش أبطال، بنتي هي البطل الحقيقي.. رغم سنها الصغيرة وشدة ألمها كانت تقول لنا ماتزعلوش أنا الحمد لله راضية".

ويضيف أنه قبل وفاة ابنته بـ15 يومًا، وبعدما دخلت مرحلة العلاج التلطيفي قضت سلمى أوقاتًا عصيبة دون نوم ولا راحة، حتى أنها لم تستجب للمسكنات القوية، لكن الألم الحقيقي هو وقوفي عاجزًا إذ لم أتمكن من إنقاذ ابنتي أو تخفيف الألم عنها.. شعور العجز مُر".

الصغيرة سلمى

وتابع: "وصلت لمرحلة إني كنت ادعو لها لو الموت راحة لي أنا راضٍ.. كنت أنا ووالدتها بنفهمها كل حاجة.. ما عدا معنى التلطيفي.. وبعد وفاتها لحد النهاردا نعاني اضطرابًا نفسيًا".

ما هو التلطيفي وفقًا للجمعية الأمريكية للسرطان؟

العلاج التلطيفي هو نهج طبي وإنساني يهدف إلى تحسين جودة حياة المرضى الذين يعانون أمراضًا مزمنة أو مهددة للحياة كالسرطان، بالإضافة إلى دعم أسرهم وأحبائهم خلال أصعب المراحل.

يختلف التلطيفي عن العلاج التقليدي الذي يركز على الشفاء، إذ يركز على تخفيف الألم والمعاناة الجسدية والنفسية حتى إن وصل المريض لآخر أيامه.

في العلاج التلطيفي يواجه المرضى وأسرهم مشاعر أليمة جميعها متعلق بالخوف والقلق والحزن، وهنا يأتي دور الفريق التلطيفي ليكون سندًا إنسانيًا، يضم أطباء وممرضين وأخصائيين نفسيين، يعملون معًا لتوفير رعاية شاملة للمريض وأسرته.

ليس الهدف من من هذا العلاج إدارة الأعراض فقط، بل تقديم الدعم النفسي والاجتماعي، وإعطاء المريض فرصة للعيش بسلام وراحة قدر الإمكان، ففيه لم يقم الفريق بمواجهة المرض بل السيطرة على الألم.

حبيبة روحي رحلت.. والد "علياء" يروي قصتها مع التلطيف

بكيت حين علمت بمرضها وبكيت أيضًا عند رحيلها، وبكيت كلما تذكرت رقتها وابتسامتها.. اشتقت لحبها ولسماع صوتها.. كلمات صادقة موجعة خرجت من قلب أب قبل أن يلفظها فمه عن ابنته الراحلة علياء، التي توفيت بعد إصابتها بمرض السرطان ووصلت إلى مرحلة "التلطيفي". 

الصغيرة علياء كانت تحب الحياة، تفرح بكل ما هو بسيط وتبتسم لمجرد أن تذهب إلى المدرسة، حتى أحلامها كانت أكبر من عمرها، تلك الحياة المليئة بالضحكات التي لم يتخيّل الأب حمادة حسين أن تنكسر يومًا ما.

سلمى ووالدها حمادة

يقول حمادة إن ابنته اشتكت ذات يوم من صداع شديد، وبدأت تتبعه أعراض أخرى صعبة، في البداية لم يتم تشخيص المرض بسهولة، حتى تلقى من أحد الأطباء صدمته الكبرى التي لن تنمحي من ذاكرته.

سرطان جذع المخ

ابنة حمادة مريضة بسرطان جذع المخ، تلك الصدمة التي كانت أقسى من أن تستوعبها أسرة علياء، خبر ثقيل مثل اسم المرض بالضبط، لكن بالرغم من شعوره بتلاشي الأرض أسفل قدميه فإن ابنته الحنون هي من كانت تطمئنه، شعر بقوتها طوال رحلة المرض.

دخلت علياء مستشفى شهير لعلاج السرطان، وبدأت معركتها الكبرى للفوز بالحياة، تعب شديد، حقن، ألم لا يحتمل، فقدان في الوزن والطاقة، إلى أن وصل الحال إلى تحركها بكرسي متحرك، قبل بلوغها مرحلة التلطيفي.

سلمى ووالدها حمادة

مرت الأيام، وقضت علياء مع المرض سنوات، كان عنيدًا حاربته بكل ما جاءت من قوة، حتى جاءت المرحلة الصعبة التي بثت الرعب في قلب الأب، حينا قال له الأطباء: "وصلنا للتلطيفي".

كان الأب يدرك جيدًا أن المعركة شارفت على الانتهاء، لكن ليس لصالح ابنته علياء، أما هي فكانت تستقبل ذلك بهدوء غريب، أمسكت بيده وشدّ هو عليها برفق، وتأمل ابتسامتها التي لم تفارقها، كانت ابتسامة ممزوجة بالألم والرضا معًا، وتعكس شجاعة غير عادية، قائلًا: "هي البطلة الحقيقية وليس أنا".

الصغيرة سلمى

بعد وفاتها في 21 سبتمبر 2024، تعلّم الأب من ابنته القوة والتقبُّل، وأيقن أن الفواجع تبقى كما هي ولو مر عليها أعوام، وحزنه عليها لن يموت، بل إن الشوق هو الذي لا يطاق.

وكتب رسالة لابنته التي لن تقرأها: "رحلتي عني ولم ترحلي مني وستبقين معي طوال حياتي.. أوجعني رحيلك يا حبيبة الروح".

أصعب شيء بالمرحلة نظرة المريض عايش لحظات فقط من الألم

"أصعب مرحلة في شغلي كله".. هكذا بدأت الممرضة “س.م” تروي لحظاتها داخل قسم العلاج التلطيفي، تحكي أن المريض وأسرته يعلمون جيدًا أنه لا يوجد علاج آخر، فيتوقف الكيماوي وكذلك الإشعاعي، وتبدأ مرحلة المسكنات.

صغير مريض بالسرطان

تحكي الممرضة عن أصعب لحظات التلطيفي، قائلة إن أكثر ما يكسرها في تلك الغرفة ليس الموت ذاته، وإنما نظرة المريض المدرك أنه يعيش لحظات من الألم فقط، فيبدأ صوته في الانخفاض، وأنفاسه تصبح أقصر، وربما الأصعب هو نظرة أسرته المنكسرة التي تقول الكثير دون التحدث بأي كلمة.

تقول الممرضة: "بخرج عارفة إني عملت اللي أقدر علي لكن برضو القلب تقيل والنفس صعب إن الواحد ياخده..كلها أرواح نقابلها ونفارق الكتير منها في النهاية".

اقرأ أيضًا:

رحيل الإعلامية نيفين القاضي بعد أسابيع من تعرضها لوعكة صحية

search