انهاردة شغال.. بكرة عاطل!
في آخر يوم في العام، بعد انتهاء العمل، وأثناء الطريق إلى البيت في المواصلات، لفت انتباهي شاب في نهاية العشرينيات وبداية الثلاثينيات، ملامحه متعبة، وعينيه تائهتين، بيكلم نفسه بصوت واطي: “أعمل إيه؟ مشوني من الشغل… وأنا راجل مسؤول، ومتجوز، وعندي بيت. أعمل إيه وأصرف منين؟”، سؤال بسيط، لكنه تقيل، وسكوت اللي حواليه كان أبلغ من أي إجابة.
مع نهاية عام 2025 وبداية 2026، ينشغل كثيرون بالاحتفال وحساب الإنجازات واستقبال عام جديد بالأمل والطموح،
لكن في الجانب الآخر من الصورة، هناك من يُغلق العام وهو لا يعرف ماذا يفعل غدًا، ولا كيف سيواجه أسرته بسؤال بسيط وصعب في الوقت نفسه: بكرة هنعمل إيه؟.
هناك من يؤمن قوت يومه، وهناك من خسر قوت يومه في آخر يوم في السنة، لمجرد أن صاحب العمل قرر الاستغناء عنه دون إنذار، ودون مراعاة لسنوات خدمة أو التزامات أسرية.
في القطاع الخاص، أصبح الخوف هو الشعور المسيطر، لا أمان وظيفي، ولا إحساس بالاستقرار، عامل يعيش عامًا كاملاً وهو يعلم أن عقده السنوي قد يُجدد وقد لا يُجدد، لا لسبب واضح، ولكن "على مزاج" صاحب العمل.
العامل ينهى يومه، ويعود إلى بيته مثقلًا بالهم، يجلس أمام أطفاله ولا يعرف ماذا يقول؟، وهو يدرك أن الغد بلا عمل، وأن الراتب الذي كان يعتمد عليه طوال الشهر قد انتهى في لحظة قرار.
انهاردة شغال… بكرة عاطل، انهاردة معاه لقمة يأكلها، وبكرة مش معاه ثمن رغيف العيش.
بهذه البساطة المؤلمة، أصبح العامل تحت رحمة صاحب العمل، وأصبح العقد السنوي في صورته الحالية عقدًا غير منصف، لأنه يفتقد أهم عنصر في أي علاقة عمل: الأمان.
“على مزاجي أجدد، مش على مزاجي أمشيك”، جملة غير مكتوبة في العقود، لكنها واقع يعيشه آلاف العاملين يوميًا، بلا حماية حقيقية، وبلا توازن في العلاقة بين طرف قوي وطرف أضعف، أي عدل هذا؟، وأي أمان وظيفي يمكن الحديث عنه، والعامل مهدد بالفصل والتشرد في أي وقت؟.
كيف نطالب عاملًا بالإخلاص والإنتاج، وهو يعمل تحت ضغط الخوف؟، وكيف ننتظر منه الإبداع، وهو يشعر أن رزقه معلق بقرار مفاجئ قد يأتي في أي لحظة؟.
قطع رزق الناس ليس قرارًا إداريًا فقط، بل كسر للظهر وجرح إنساني لا يشعر به إلا من عاش التجربة، فلا تنمية حقيقية دون استقرار، ولا إنتاج دون أمان، ولا مجتمع متوازن وعامله يعيش مهددًا.
ومن هنا، يصبح من الضروري التحرك تشريعيًا، لا بالاكتفاء بالتعاطف، نحتاج إلى إعادة النظر في نظام العقود السنوية، ووضع ضوابط واضحة تمنع عدم التجديد دون أسباب حقيقية ومعلنة، مع إلزام صاحب العمل بإخطار العامل بفترة زمنية كافية قبل إنهاء التعاقد.
كما نحتاج إلى تفعيل عقوبات رادعة ضد الفصل التعسفي، وربط إنهاء العقود بتقييم مهني موثق، لا بالأهواء الشخصية، إلى جانب إلزام المؤسسات بتوفير تأمين اجتماعي حقيقي، وتعويض عادل في حال الاستغناء عن العامل خارج إطار التقصير المهني.
فالعامل ليس عبئًا على المؤسسة، بل هو عمودها الفقري، وحمايته ليست رفاهية تشريعية، بل ضرورة اقتصادية واجتماعية.
وإذا كنا نريد عامًا جديدًا بحق، علينا أن نبدأه بقوانين تحمي لقمة العيش، وتحفظ كرامة الإنسان، وتمنع أن يكون الرزق مرهونا بـمزاج أحد.
عام جديد يبدأ، لكن هناك من يستقبله بلا عمل، وبلا أمان، وبلا إجابة واضحة عن السؤال الذي يفرض نفسه بقسوة:
بكرة هنعمل إيه؟.
اقرأ أيضًا..
الإعلام الحكومي بين التقليدي والرقمي.. أيهما ينتصر في مواجهة الشائعات؟
الأكثر قراءة
-
الأمن يفك لغز العثور على جثمان عجوز على سطح منزل بسوهاج
-
إلى الأشواط الإضافية، تعادل سلبي بين الجزائر والكونغو في أمم أفريقيا
-
هل غدًا الأربعاء 7 يناير 2026 إجازة رسمية في المصالح الحكومية؟
-
بتعرف تلعب بلياردو؟
-
هل البنوك إجازة غدًا الأربعاء 7 يناير 2026 بمناسبة عيد الميلاد؟
-
يبدأ بصداع مفاجئ، أسباب مرض إيمان البحر درويش وطرق الوقاية منه
-
موعد مباراة الجزائر والكونغو الديمقراطية في دور الـ16 بأمم أفريقيا
-
بدائري المنيا، أسماء ضحايا ومصابي تصادم ميكروباص المهنئين وموكب الزفاف
مقالات ذات صلة
الإعلام الحكومي بين التقليدي والرقمي.. أيهما ينتصر في مواجهة الشائعات؟
11 ديسمبر 2025 10:46 م
أكثر الكلمات انتشاراً