الأربعاء، 07 يناير 2026

09:38 ص

فنزويلا اليوم.. إيران غدًا؟

ما جرى في فنزويلا لا يمكن عزله عن السياق الدولي الأوسع، ولا عن التحولات الجارية في طريقة تفكير القوة الأمريكية في التعامل مع خصومها. فالحدث، بصرف النظر عن تفاصيله الإجرائية التي ما زال كثير منها قيد الجدل، يحمل دلالة سياسية أعمق تتجاوز فنزويلا ذاتها. نحن أمام لحظة اختبار، لا لدولة بعينها، بل لأداة جديدة، أو بالأحرى لأداة قديمة يُعاد استخدامها بصورة أكثر صراحة، بعد أن تراجعت فاعلية الأدوات التقليدية.

على مدى سنوات، تعاملت الولايات المتحدة مع فنزويلا عبر مسار واضح: عقوبات اقتصادية متصاعدة، عزل دبلوماسي، وضغوط سياسية هدفت إلى تغيير سلوك النظام أو دفعه إلى الانهيار من الداخل. لكن هذا المسار، رغم تكلفته العالية على المجتمع الفنزويلي، لم يحقق الهدف السياسي المرجو. لم يتغير النظام، ولم تُحسم المعركة، بل تحولت الأزمة إلى حالة مزمنة. في مثل هذه اللحظات، يبدأ التفكير داخل دوائر صنع القرار بالانتقال من سؤال “كيف نضغط؟” إلى سؤال أكثر راديكالية: “كيف ننهي الوضع القائم؟”.

فنزويلا، في هذا السياق، تمثل ساحة اختبار منخفضة نسبيًا من حيث الكلفة الاستراتيجية. دولة منهكة اقتصاديًا، محاصرة سياسيًا، ذات قدرة محدودة على الردع الخارجي، وتقع ضمن إقليم تعتبره واشنطن تاريخيًا مجالًا حيويًا مباشرًا. هذه العناصر مجتمعة تجعلها بيئة مناسبة لاختبار حدود الفعل، وردود الفعل، والقدرة على كسر محرمات ظلت لفترة طويلة غير مطروقة بشكل علني، وعلى رأسها استهداف رأس السلطة ذاته.

هنا يصبح الربط مع إيران مطروحًا ليس من باب التشابه بين الحالتين، بل من باب تشابه المسار. فإيران، مثل فنزويلا، خضعت لعقوبات طويلة الأمد، وعاشت تحت ضغط اقتصادي هائل، دون أن يؤدي ذلك إلى تغيير جوهري في طبيعة النظام. وكما في الحالة الفنزويلية، لم تعد العقوبات تُقرأ في واشنطن باعتبارها أداة كافية بذاتها، بل جزءًا من مسار أوسع قد يحتاج، في لحظة ما، إلى أدوات أكثر مباشرة.

الخطاب الأمريكي تجاه إيران خلال السنوات الأخيرة يعكس هذا التحول. لم يعد الحديث يدور فقط حول البرنامج النووي أو السلوك الإقليمي، بل حول “التهديد” بمعناه الواسع، بما يشمل الأمن، والطاقة، وتوازن القوى في الشرق الأوسط. هذا النوع من الخطاب لا يهدف فقط إلى توصيف الواقع، بل إلى إعادة تعريفه، بحيث يصبح الخصم مسألة أمن قومي لا ملفًا سياسيًا قابلًا للإدارة.

ومع ذلك، فإن الفارق بين فنزويلا وإيران جوهري، ولا يمكن القفز عليه. إيران ليست دولة معزولة بالكامل، ولا تعاني من انهيار مؤسساتي مماثل، كما تمتلك شبكة ردع إقليمية معقدة، وقدرة على رفع كلفة أي تدخل مباشر إلى مستويات لا يمكن تجاهلها. لهذا السبب، فإن نقل النموذج الفنزويلي إلى الحالة الإيرانية ليس سيناريو مباشرًا ولا وشيكًا.

لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في تكرار النموذج حرفيًا، بل في تطبيع الفكرة ذاتها: فكرة أن إخراج رأس النظام بالقوة المباشرة أو شبه المباشرة بات خيارًا مطروحًا ضمن صندوق الأدوات، لا خطًا أحمر لا يُمس. حين تُكسر هذه العتبة في حالة ما، يصبح تجاوزها في حالات أخرى أقل استحالة من الناحية الذهنية والسياسية، حتى إن ظلت الكلفة العملية مرتفعة.

من هذه الزاوية، يمكن قراءة ما جرى في فنزويلا بوصفه اختبارًا مزدوجًا: اختبارًا لقدرة الولايات المتحدة على فرض وقائع جديدة دون تفويض دولي، واختبارًا لمدى استعداد النظام الدولي لقبول ذلك، أو الاكتفاء بالاعتراض اللفظي. الصمت النسبي، أو الاكتفاء بالإدانة الخطابية، ليس تفصيلًا هامشيًا في هذا السياق، بل عنصرًا أساسيًا في حسابات التوسع أو التراجع.

السؤال الذي ينبغي طرحه اليوم لا يتعلق فقط بمصير فنزويلا، ولا حتى بإيران بوصفها الهدف التالي المحتمل، بل بطبيعة المرحلة التي يدخلها النظام الدولي. فإذا كانت العقوبات تفشل، والاحتواء يستنزف الوقت دون نتائج حاسمة، فهل تتجه القوى الكبرى إلى مرحلة إعادة تشكيل الخصوم بالقوة؟ وهل تصبح فكرة “إدارة الأزمات” ترفًا لم يعد مقبولًا في عالم يتسارع فيه الصراع على الطاقة، والممرات، والنفوذ؟

في هذا السياق، قد لا تكون فنزويلا سوى البداية، لا لأنها الأهم، بل لأنها الأسهل. أما الساحات الأصعب، وعلى رأسها إيران، فستظل مؤجلة إلى أن تتضح نتائج هذا الاختبار، وإلى أن يتأكد صانع القرار الأمريكي من أن كلفة كسر المحرمات أقل من كلفة التعايش مع خصوم لم تفلح أدوات الضغط التقليدية في إخضاعهم.

وهنا تحديدًا تكمن خطورة اللحظة. فالعالم الذي يعتاد كسر القواعد في الأطراف، غالبًا ما يكتشف متأخرًا أن القواعد لم تعد قائمة في المركز. وإذا كانت فنزويلا اليوم ساحة اختبار، فإن السؤال الذي يفرض نفسه غدًا ليس ما إذا كان هذا النموذج سينتقل إلى إيران، بل ما إذا كان النظام الدولي قادرًا أصلًا على منع انتقاله، قبل أن يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والتمهيد إلى مسار مفتوح لا يمكن التحكم في نهاياته.

search