المصريون حائرون بين "نقد" الحكومة و"زيتها"، من يروّض الغول؟
نحوبل الدعم العيني الى دعم نقدي
في أزقة الأحياء الشعبية الضيقة، حيث تقاس الحياة باليوم لا بالشهر، وحيث تمثل "بطاقة التموين" وثيقة الأمان الاجتماعي الأخيرة لملايين الأسر، يدور حديث خافت مشوب بالقلق عن غول جديد يلتهم معظم مصادر الدخل الشحيح.
حديث الصباح والمساء
لم يعد الحديث عن أسعار الطماطم أو اختفاء السكر هو المتصدر، بل حل محله شبح جديد يطل برأسه تحت مسمى "الدعم النقدي"، قضية شائكة باتت حديث الصباح والمساء لـ64 مليون مواطن مصري يستفيدون من بطاقات التموين وفقًا للإحصائيات الرسمية، يقفون اليوم على مفترق طرق تاريخي بين نظام الدعم العيني، الذي اعتمدوا عليه لسنوات كحائط سد ضد الجوع، وبين نظام "نقدي مقترح" تلوح به الحكومة كحل سحري للكفاءة، بينما يراه البسطاء قفزة إلى المجهول.
على مدار ثلاثة أيام متصلة، استمعنا لحديث السيدات وحيرة العمال، ومخاوف ربات البيوت، وواجهنا بها تحليلات الخبراء ووعود المسؤولين، لنرسم صورة لقرار قد يعيد تشكيل الخريطة الاجتماعية لمصر.

عندما يكون "الزيت" أغلى من "المال"
في سوق شعبي مكتظ، تجلس "أم أحمد"، تلك السيدة الأربعينية التي خط الزمن تضاريس الشقاء على وجهها، أرملة تعول ثلاثة أبناء، وتعمل بائعة خضروات، بالنسبة لها، النقود مجرد ورق يفقد قيمته بمجرد مغادرة باب المنزل، بينما السلع هي "العملة الصعبة" التي تضمن بقاء أسرتها.
تقول: "الدعم اللي بيقولوا عليه لو 4000 جنيه في الشهر، مع الغلاء اللي بنشوفه كل صبح، مش هيكفينا نص الشهر".
تشرح “أم أحمد”، فلسفتها الاقتصادية البسيطة، فهي ترى حياتها "دوامة من الاستدانة"، تبدأ بالاقتراض من منتصف الشهر وتسدد في بداية الشهر التالي، بالنسبة لها، التحول للدعم النقدي يعني كارثة محققة: "الـ 100 جنيه دلوقتي بتساوي جنيه من بتاع زمان.. الفلوس بتتبخر، إنما لما بصرف التموين زيت وسكر ورز، أنا بضمن إن عيالي هيتعشوا لآخر الشهر حتى لو جيبي فاضي".

معاناة العمالة غير المنتظمة مع التضخم
على الرصيف المقابل، يلتقط "أحمد"، عامل باليومية في أواخر الثلاثينات، يرى في الدعم العيني "الظهر" الذي يستند عليه حينما تشح فرص العمل.
يمثل أحمد شريحة "العمالة غير المنتظمة" التي تعيش يوماً بيوم ، يقول بلهجة قاطعة: "أنا راجل أرزقي، يوم فيه شغل ويوم مفيش.. لو خدت الدعم فلوس، ممكن يحصل أي ظرف طارئ، مرض أو ديون، وتضيع الفلوس، وساعتها عيالي مش هياكلوا".
يطالب “أحمد” بضمانات شبه مستحيلة في ظل السوق الحر، قائلاً: "لو عايزين يحولوه فلوس، لازم الدعم ميبقاش أقل من 8000 جنيه، وعايزين رقابة حديدية، لأن التاجر النهاردة بيبيع بـ 50 وبكرة بـ 70.. أنا كمواطن هستفيد إيه لما آخد فلوس متجبش تمن السلع اللي كنت باخدها؟".

ألغام اجتماعية.. "خناقة" في كل بيت
لم يكن البعد الاقتصادي هو الهاجس الوحيد، بل كشفت لنا الجولة عن بعد اجتماعي آخر، هنا تفتح "سحر"، ربة منزل في منتصف الثلاثينات، ملفاً آخر، وهو "سوء إدارة الموارد" داخل الأسرة وتضارب الأولويات بين الزوج والزوجة.
بصراحة صادمة تقول “سحر”: "إحنا خايفين من الرجالة.. جوزي ممكن ياخد فلوس الدعم يصرفها على السجاير والقهوة، ويرجع يسألني فين الأكل".
تؤكد “سحر”، أن النظام الحالي "السلع" يفرض "جبريًا" دخول الطعام إلى المنزل، وهو ما يمثل "سترًا" في الأيام العشرة الأخيرة من الشهر التي تعيش فيها الأسرة على “العدس والمكرونة”، وتضيف جملتها التي تتردد كشعار للمرحلة: "مش عايزين فلوس والحاجة تغلى بعدها.. إحنا عايزين أمان".
محاذير الدعم النقدي
هذه المخاوف التقطتها الخبيرة الاجتماعية، سوسن فايد، التي حذرت في حديثها لـ"تليجراف مصر" من أن التحول للدعم النقدي عبر "الكارت الرقمي" قد يتحول إلى نقمة.
توضح “فايد”: "الكارت غالباً ما يكون في حوزة رب الأسرة، وفي ظل غياب الوعي أو وجود انحرافات سلوكية، قد ينفق الدعم على الملذات الشخصية أو حتى الإدمان، مما سيخلق صراعات أسرية قد تصل للطلاق".
وترى أن مبلغًا زهيدًا للفرد (مثل 300 جنيه) لن يحل المشكلة، بل سيزيد من الضغوط النفسية على الأسر التي ستجد نفسها وجهًا لوجه أمام التزامات لا تنتهي.

التجار يعترفون: "الغول" الذي لا يمكن ترويضه
على الجانب الآخر من المعادلة يقف التجار فهل هم مستفيدون حقاً؟ أم أنهم ضحايا أيضا؟، "رأفت"، بقال تمويني، يرفض الاتهامات الموجهة للتجار بالجشع، لكنه يعترف بحقيقة السوق فيقول: "تحويل الدعم لفلوس من غير رقابة يعني إننا بنرمي الغلبان في البحر".
يرى “رأفت” أن القوة الشرائية للدعم العيني "المدعوم من الدولة" أكبر بكثير من قيمته النقدية في السوق الحر، محذرًا من أن "الفلوس مش هتحل حاجة طالما مفيش رقابة".

فزع شرائي
أما "محمود"، صاحب سوبر ماركت، فيرسم صورة لتغير سلوك المستهلك المصري تحت وطأة التضخم، فيقول: "الزمن اتغير، اللي كان بيملى الشنطة بقى يسأل على أرخص نوع، وممكن يستغنى عن حاجات كانت أساسية زي الجبنة والعصائر".
ويشير “محمود” إلى أن ارتفاع الأسعار المتكرر، خاصة في السلع الاستراتيجية، جعل المواطن في حالة "فزع شرائي"، مؤكدًا أن عبارة "الفلوس مبقتش تكفي" أصبحت لسان حال الجميع.

بين "مشرط الجراح" و"المسكنات"
بعيداً عن عواطف الشارع، كيف يقرأ الاقتصاديون المشهد؟ الانقسام هنا لا يقل حدة، فيرى الفريق المؤيد للدعم النقدي، وعلى رأسهم الخبير الاقتصادي، الدكتور مصطفى بدرة، أن الخطوة ضرورة حتمية وليست رفاهية.
يوضح “بدرة” أن منظومة الدعم العيني الحالية تعاني من "ترهل" شديد، حيث تلتهم تكاليف النقل والتخزين والتوزيع (سلاسل الإمداد) جزءًا كبيرًا من الميزانية لا يصل للمواطن، ويؤكد: "التحول للنقدي لا يعني إلغاء الدعم، بل هو عملية جراحية لإزالة أورام الفساد والهدر، بشرط وجود بنية تكنولوجية دقيقة تحصر المستحقين فعليًا".

على الجانب الآخر، يرى الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب، أن المعركة الحقيقية يجب أن تكون ضد التضخم أولًا، ورغم تأييده لفكرة الدعم النقدي كأداة لمنع تلاعب التجار في السلع التموينية ومنح المواطن حرية الاختيار والادخار، إلا أنه يشدد على أن "قيمة الدعم" هي المعيار، فإذا تآكلت القيمة بسبب التضخم، أصبح الدعم بلا معنى. ويشير إلى ضرورة الإبقاء على دعم الوقود كخط أحمر لأنه يؤثر على كافة الأسعار الأخرى.

خارطة الطريق الحكومية.. أرقام وتواريخ
وسط هذا الجدل، تحاول الحكومة تقديم تطمينات عبر لغة الأرقام والخطط الزمنية لتفعيل الكارت الموحد، حيث أعلن وزير التموين، الدكتور شريف فاروق، أن الوزارة تعمل على قدم وساق لتجهيز منظومة "الكارت الموحد"، المتوقع إطلاقها بحلول فبراير 2026، بدءًا بتجربة استرشادية في محافظة بورسعيد، كما رصدت الحكومة زيادة في مخصصات الدعم العيني بنسبة 19%، لترتفع من 143 مليار جنيه في 2024 إلى 160 مليار جنيه في موازنة 2025.
تنقية البطاقات
وفقًا لتصريحات النائب زكي عباس، الهدف الرئيسي هو "تنقية الجداول"، فمن غير المقبول أن يحصل ميسورو الحال على دعم، بينما يُحرم منه الأكثر احتياجًا.
وتشير التقديرات إلى أن عدد الأسر المستهدفة في النظام النقدي قد يصل لـ 8.1 مليون أسرة، مقارنة بـ 4.7 مليون أسرة تستفيد حاليًا بشكل كامل من المنظومة العينية، مما يعني توسيع مظلة الحماية ولكن بآلية مختلفة.

بيان رئاسة مجلس الوزراء المصري
وقبل عدة سنوات نفت رئاسة مجلس الوزراء، شائعات حذف 14 مليون مواطن من مستحقي الدعم التمويني ومنظومة الخبز المدعم، موضحةً استمرار مستحقي الدعم التمويني ومنظومة الخبز في صرف جميع مقرراتهم بشكل طبيعي ومنتظم، مشددةً على أن عملية الحذف والاستبعاد تتم وفقًا لمعايير محددة ودقيقة، وأن ما تم حذفة هو غير المستحقين للدعم مثل: الأسماء المكررة، والأرقام القومية الخاطئة وامتلاك سيارة ودخل شهري عال والتوقف عن صرف الخبز والسلع التموينية لمدة 6 أشهر متتالية وكذلك الوفيات، وقد تم توفير احتياجات 71 مليون مواطن يستفيدون من منظومة الخبز المدعم، وكذلك 64 مليون مواطن يستفيدون من المقررات التموينية"
وفيما لم تعلن وزارة التموين بشكل واضح عن عدد المواطنين التي يتم حذفهم من بطاقات التموين، كشفت عن تحديث دائم لمنظومة بطاقات التموين حيث يتم استبعاد غير المستحقين وفقًا للقواعد بشكل دوري والتي تشمل حذف المسافرين بالخارج ،أو الأفراد غير ذات الصلة المدرجين على بطاقات التموين وكذلك المتوفين الذين يصرف لهم دعم تمويني شهريًا،وكذلك الأسماء المكررة ومن يمتلكون سيارة وأصحاب الدخل الشهري المرتفع.
معادلة الفقر والتضخم
لفهم أكثر عمقًا للقضية الدعم النقدي والعيني، يحب النظر إلى المؤشرات الكلية للاقتصاد التي حكمت المشهد خلال عام 2025 وفقًا للدكتور محمد عبدالرحيم الخبير الاقتصادي، أكد أنه بالرغم من تراجع التضخم بنسبة 11.6% في نوفمبر 2025، مقارنة بنحو 24% في يناير من نفس العام، إلا أن الأسعار استقرت عند مستويات مرتفعة، ما يعني أن الغلاء ثابت ولم ينخفض، نتيجة لضعف الرقابة على الأسواق رغم كافة الجهود الحكومية والمبادرات لخفض الأسعار من خلال الأوكازيون أو السلاسل التجارية والعروض التي استهدفت خفض الأسعار.

البنك الدولي ومعدل الفقر
أشار البنك الدولي إلى أن معدل الفقر الوطني وصل إلى 32.5% في عام 2022، بناءً على بيانات حصل عليها من الحكومة المصرية، وذلك في تقرير صدر عام 2024، حيث اعتبر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هي الوحيدة التي شهدت ارتفاعاً في معدلات الفقر منذ عام 2010.
وقياسًا على خط فقر يومي قدره 48 جنيها (وفقاً لتعادل القوة الشرائية لعام 2021)، فقد ارتفع معدل الفقر المدقع من 4% في عام 2010 إلى 8.6% في عام 2021، ومن المتوقع أن يبلغ 9.4% في عام 2025.
وخلال الفترة نفسها، انخفض معدل الفقر العالمي من 21% في عام 2010 إلى 9.9% في عام 2025، ويُعطي خطُ الفقر للشريحة الدنيا من البلدان متوسطة الدخل وهو 68 جنيها للفرد في اليوم، وهو الأكثر ملاءمة لبلدان المنطقة، صورةً أكثر دقة، حيث ارتفع معدل الفقر من 11.7% إلى 15.7% بين عامي 2010 و2021. وبسبب ما شهدته المنطقة من انتعاش اقتصادي، فقد انخفض معدل الفقر بصورة طفيفة إلى 15% في عام 2022، ثم بدأ في الارتفاع مرة أخرى في الأعوام التالية، ومن المتوقع أن يبلغ 15.6% في عام 2025. ويُظهر خط الفقر البالغ 135 جنيه الخاص بالشريحة العليا من البلدان متوسطة الدخل زيادةً في معدل الفقر، من 49% في عام 2010 إلى 51.5% في عام 2021، وانخفاضاً تدريجياً بعد ذلك إلى 48.7% في عام 2025.
المجهول ينتظر في 2026
وبينما أعلن رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي انتهاء لجنة العدالة الاجتماعية من وضع اللمسات النهائية واتخاذ الإجراءات التنفيذية لعملية التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي تمهيدًا لبدء التطبيق، يؤكد المتحدث الرسمي باسم مجلس الوزراء المسشتار محمد الحمصاني، أنه لا يوجد حتى الآن أي قرار رسمي باللجوء إلى الدعم النقدي، وأن الملف تحت الدرسة ولم يتم اتخاذ القرار النهائي بشأن التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي، مشيرًا إلى أن منظومة الكارت الموحد تم تشغيلها بصورة تجريبية في محافظة بورسعيد وتم تسجيل 41 ألف أسرة ضمن المنظومة على أن يتم التوسع فيها تدريجيًا لكافة المحافظات.

السلعة هي الأمان
ووفقًا لتصريحات الدكتور فخري الفقي رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب السابق، فإن منظومة الدعم النقدي ستتم وفق قاعدة بيانات دقيقة تعمل عليها الحكومة منذ 10 سنوات وسيتم تخصيص المبالغ المخصصة للدعم في صورة كارت ذكي، يتم من خلاله توزيع 124 مليار جنيه المخصصة للدعم على عدد المستحقين.
النظريات الاقتصادية تؤكد أن الكاش هو الملك والأكثر كفاءة وعدالة لضمان التوزيع، لكن الواقع في الأحياء الفقيرة يقول إن السلعة هي الأمان وهي العملة الصعبة للأسر أمام غدر الأسواق.
اقرأ أيضا:
وزير التموين: الدعم النقدي ممكن مع الكارت الموحد، وهذا موعد التطبيق
الحكومة تكشف موعد تحويل الدعم العيني إلى نقدي
موعد تطبيق الدعم النقدي وإلغاء بطاقات التموين.. كل ما تريد معرفته
الأكثر قراءة
-
هل البنوك إجازة غدًا الخميس 8 يناير 2026؟
-
مفأجاة، سفينة النفط الروسية المحتجزة من أمريكا رست 498 ساعة في مصر (تفاصيل الرحلة)
-
موعد مباراة برشلونة وأتلتيك بلباو في السوبر الإسباني والقنوات الناقلة
-
"لو شاكة إنه متجوز عليكي"، خطوات استخراج شهادة القيد العائلي 2026
-
شهادات ادخار إسلامية 2026، تعرف على أعلى عائد شهري
-
نماذج الوزارة الاسترشادية للصف الثالث الإعدادي 2026 PDF بالإجابات
-
بعد 3 سنوات، أسامة جمال يكشف تفاصيل العثور على جثة مستأجر داخل شقته بطنطا
-
أمام محل بلايستيشن، مراهقون ينهون حياة طفل بحدائق القبة
أخبار ذات صلة
بعد ظهور المشجع التمثال، كيف تناولت السينما حياة المناضل الكونغولي؟
07 يناير 2026 06:13 م
أزمة مراقبين تضرب الثانوية العامة مبكرا، المكافآت تهدد بكالوريا "عبد اللطيف"
06 يناير 2026 03:46 م
تأجير هرمل، هل يمهد الطريق لمستشفى العجوزة؟
06 يناير 2026 07:20 ص
عبدالمنصف وزواجه الخفي، ماذا يقول الدين عن الزواج الثاني والإشهار؟
05 يناير 2026 11:09 م
أكثر الكلمات انتشاراً