الإثنين، 19 يناير 2026

04:47 ص

في قبضة أهواء المنسقين.. الوجه الخفي لأزمة البحث العلمي

حين يصبح التميز جريمة، والاستقامة عبئا، والكفاءة خطرا يجب تحييده، فاعلم أن الخلل لم يعد في الباحث ولا في البحث، بل في العقول التي اعتلت مقاعد القرار وهي خاوية من الشجاعة العلمية، هناك حيث تدار المعرفة بمنطق الخوف، ويحاكم الإبداع بميزان الأهواء، ويكافأ الصمت ويعاقب الاجتهاد، لا لأن العلم أخطأ، بل لأن الرداءة الأكاديمية حين تمسك بقرار البحث لا ترى في التفوق إلا تهديدا يجب إقصاؤه.

في زمن يفترض أن يكون البحث العلمي هو العقل المفكر للأمم، والبوصلة التي تهدي خطاها نحو المستقبل، وأن تدار منظومته بميزان دقيق من النزاهة والعدل والكفاءة، غير أن الحقيقة، كما تتجلى في كثير من البيئات البحثية، تكشف انكسار هذا الميزان، وانحراف البوصلة، حين يصبح القائمون على البحث أنفسهم أول من يطعنه في خاصرته، فعدو البحث العلمي لا يقف دائما خارجه، بل كثيرا ما يجلس في قلب مؤسساته، متشحا بثوب المنسق البحثي، وممسكا بمفاتيح النشر والقبول والإقصاء.

لقد تحولت معايير الجودة في بعض مفاصل المنظومة البحثية من قواعد علمية صارمة إلى اعتبارات شخصية رخوة، تدار بمنطق الشلل، وتحكم بروابط المجاملة والمحاباة، لم يعد السؤال: ما قيمة البحث؟ بل من صاحبه؟ ولم يعد المعيار ما جدته وإسهامه؟ بل إلى أي دائرة ينتمي؟ وهكذا يداس الجهد العلمي تحت أقدام العلاقات، ويختزل العقل في بطاقة انتماء غير معلنة.

في هذا المناخ المختل، يقصى المتميز لأنه متميز، ويضيق عليه لأنه لا يجيد الاصطفاف، أو لأنه يملك من الكفاءة ما يربك أصحاب المقاعد الثابتة، يحرم من المشاركة، ويعطل نشره، وتغلق في وجهه الأبواب لا لعيب في علمه، بل لجرأته، أو لاختلافه، أو لأنه ببساطة لا يجيد لعب اللعبة الخفية، وفي المقابل، يكافأ الضعيف، ويقدم الهش، ويفسح المجال لمن لا يشكل خطرا، لأن الرداءة في نظر بعضهم أكثر أمانا من التميز.

وكم من باحث انكسر تحت وطأة باحث أقل شأنا ووزنا وأقل علما وأفقر إنتاجا، لكنه أكثر نفوذا وأوسع سلطة في مجال البحث، مشهد يتكرر، ويتداول همسا، ويعرف يقينا، لكنه نادرا ما يكتب، لأن الكتابة عنه مكلفة، ولأن قول الحقيقة في منظومة مأزومة يعد خروجا عن الصف، وخطرًا غير محسوب.

وليس هذا نقدًا للعلاقة الأكاديمية الطبيعية، ولا انتقاصا من دور التعليم أو البحث كرسالة سامية، بل هو تشخيص لخلل أعمق وأكثر خطورة، خلل اختيار من يمسكون بدفة التنسيق البحثي، ومن يقررون مصير الأبحاث، ومن ينصبون أنفسهم أوصياء على المجلات كأنها ورثة آبائهم، فهؤلاء لا يراجعون ورقة فحسب، بل يرسمون مسارا، ويصنعون سمعة، ويشكلون مستقبلا علميا كاملا.

وحين تدار سلطة التنسيق البحثي بلا ضابط، وتمارس بلا مساءلة، تتحول من أداة لضمان الجودة إلى سكين مسلط على رقبة الإبداع، يرفض البحث الجيد بصمت، ويمرر الضعيف بلا حرج، ويستبدل التحكيم العلمي بآراء شخصية، أو حسابات ضيقة، أو مزاج عابر.

وتزداد الصورة قتامة حين تدخل بعض المجلات العلمية دائرة التجارة، فتختزل الرسالة في رسوم، ويستبدل الضمير العلمي بحسابات العائد، فيغيب التحكيم الجاد، وتضعف المنهجية، وتنتشر أبحاث ركيكة لا لشيء سوى أنها دفعت الثمن، لا حوكمة حقيقية، ولا شفافية، ولا سؤال بسيط يطرح: من يراجع هؤلاء؟ ومن يقيم من يدعون التقييم؟.

إن أخطر ما في الأمر ليس وجود أخطاء، فالأخطاء جزء من أي عمل بشري، بل غياب المحاسبة، وادعاء العصمة، والتعامل مع المنظومة البحثية كملكية خاصة لا كمجال عام، وكأن بعض المواقع البحثية كراسي أبدية، لا تراجع، ولا تساءل، ولا تمس، مهما تدهورت المخرجات، وتراجع المستوى، وتآكلت الثقة، إن إصلاح البحث العلمي لا يبدأ من الباحث وحده، بل من أعلى هرم الإدارة والتحكيم، يبدأ بوضع قواعد واضحة لأختيار منسقي الأبحاث العلمية، ومعايير شفافة، ومراجعات دورية، وفصل صارم بين العلاقات الشخصية والقرار العلمي، فلا علم ينهض في بيئة تكافئ الولاء بدل الكفاءة، وتشجع الصمت بدل الجرأة، وتخشى التميز لأنه يفضح الرداءة.

الخطر الحقيقي على البحث العلمي ليس نقص الموارد فقط، ولا محدودية الإمكانات، بل انهيار القيم التي تحكمه، وعندما يصبح من يفترض بهم حماية العلم سببا في إجهاضه، فإن الخسارة لا تكون بحثا مرفوضا، بل مستقبلا مؤجلا، وعقولا مُحبطة، وأجيالا تعلم أن الاجتهاد لا يكفي، وإن كانت النهضة العلمية هدفا صادقا، فلا مفر من مواجهة الذات أولا، ومساءلة من بيدهم القرار، قبل مطالبة الباحثين بالإبداع داخل منظومة عليلة لا تكافئ إلا من يُجيد التكيّف مع عطبها.

وكم من باحث همس في ليلته الموحشة، وهو يخط هذه الكلمات، لا ليشكو ضعفا فيه، بل ليكتب جوابا أخيرا إلى كل من وظن أن الصمت هزيمة وأن القهر ينسي، رسالتي لكم ليست سجالا فكريا على طريقة طه حسين وعباس العقاد، فليست بيننا مدرسة ولا اختلاف رؤى، وليست معركة أقلام ولا حوار عقول، لأننا – ببساطة – لسنا سواء، أننا نعرفكم أكثر مما تظنون، نعرف خبثكم حين تتخفون خلف الهدوء، ونعرف نواياكم حين ترتدي قناع الحرص، ونعرف أنكم حيثما وجدتم كنتم عبئا أكثر منكم إضافة، ومصدر إفساد أكثر منكم نفعا، وأن ما تفعلون ليس اختلافا مشروعا بل إضرارا مقصودا، لا يصدر عن قوة موقف بل عن خوف دفين.

رسالتي إليكم جميعا أنتم، يا من ضاق صدركم بالتميز فحولتم الحقد إلى منهج، والعجز إلى سلطة، كم من زميل اشتكى لا لضعف فيه بل لظلم صنعتموه، وكم من باحث قهر لأنكم لم تحتملوا أن يسبقكم علما أو نزاهة، وكم من فرصة أهدرتموها وأنتم تتوهمون أنكم أقوياء، بينما الحقيقة أنكم أذلة أمام أي عقل حر لا يجامل ولا ينحني؛ رفضتم الجيد خوفا، واحتضنتم الرديء تشابها، وتحدثتم عن المعايير وأنتم أول من دهسها، فظننتم أنكم تحمون المنظومة، وما فعلتم إلا أن عريتم أنفسكم، لأن من يحارب الكفاءة لا ينتصر، بل يعلن فشله بصوت مكتوم، ويترك للتاريخ مهمة قول ما لم تجرؤوا أن تسمعوه.

search