الإثنين، 19 يناير 2026

04:46 ص

دكتور عبدالحافظ متولي

دراسة تحليلية في السياسات الثقافية المصرية

قد يتصور البعض أنني أنافق وزير الثقافة من أجل الحصول على مكسب معين أو مصلحة معينة، والله يشهد أنني لا أريد إلا الصالح العام، وليس لي مصلحة إلا هذا الوطن، وقد اختلفت كثيرًا مع وزير الثقافة الدكتور أحمد هنو، وهاجمته – مندفعًا – من أجل المصلحة العامة، وكان ذلك في بداية توليه الوزارة ومرحلة بلورة رؤية الوزير للثقافة في مصر، وماذا سيفعل غدًا، وذلك في إطار التجريب من أجل البناء. 

وإذا كانت وزارة الثقافة هي أحد أهم المرتكزات في بناء الوعي المصري وصياغة هوية مصرية حقيقية، فإننا لا يمكننا فصل السياسات الثقافية عن مسارات التنمية الشاملة في الجمهورية الجديدة. 

وفي هذا السياق، تكتسب وزارة الثقافة أهمية خاصة نظرًا لوجود ذلك الإرث الحضاري والتاريخي الخاص الذي تتميز به مصر عن بقية دول الوطن العربي والشرق الأوسط.

منذ تولي الدكتور أحمد فؤاد هنو منصب وزير الثقافة المصري في 3 يوليو 2024، وهو يعمل على إيجاد رؤية ثقافية تناسب ذلك الإرث الحضاري المصري من ناحية، وتعمل على استشراف المستقبل الأفضل للثقافة المصرية من ناحية أخرى، بعيدًا عن منطق النقل التاريخي والثقافي، وتجاوزًا لحالة الجمود التي كانت عليها الثقافة المصرية. 

وعمل أيضًا على تصحيح مفهوم الثقافة في الوعي الجمعي المصري، من كونها ترفًا إلى كونها المعنى الحقيقي للتنمية – أية تنمية – وتربية الوجدان، وتحقيق أعلى مستويات الانتماء والهوية الوطنية المصرية.

وفي ذلك استطاع وزير الثقافة أن ينتقل بالثقافة من النخبة المؤسسية إلى الفعل المجتمعي الواسع، الذي يستهدف القطاعات المختلفة من شرائح المجتمع المصري، وذلك في إطار الرؤية التي تستند إلى المعرفة الأكاديمية والخبرة الفنية، وهذا لأن الوزير يمتلك خلفية علمية وفنية تؤهله لأن يكون قادرًا على إيجاد رؤية ترتبط بالتكوين العلمي والممارسة الفنية.

وفي تقديري، فإن رؤية وزير الثقافة الدكتور هنو تنطلق من مفهوم أن الثقافة ليست نشاطًا ترفيهيًا، بل أداة وعي وبناء اجتماعي، وقد أكد في أكثر من مناسبة أن الهدف الأساسي للسياسات الثقافية هو:
بناء الشخصية المصرية الواعية
وترسيخ قيم الانتماء والهوية
ودعم حرية الإبداع في إطار المسؤولية المجتمعية

كما تتأسس هذه الرؤية على توسيع نطاق الفعل الثقافي ليشمل الأقاليم والمحافظات، وكسر المركزية الثقافية، مع الاستفادة من التحول الرقمي بوصفه وسيلة لنشر الثقافة وتعزيز الوصول العادل إلى المنتج الثقافي. 

وفي سبيل ذلك، عمل وزير الثقافة على تحقيق بعض الإنجازات التي تؤكد هذا الوعي الثقافي، منها على سبيل المثال:

1- تفعيل العدالة الثقافية
حيث شهدت الفترة الأخيرة توسعًا ملحوظًا في الأنشطة الثقافية الموجهة إلى الأقاليم، من خلال:

دعم قصور وبيوت الثقافة وتنظيم مهرجانات وملتقيات أدبية وفنية خارج العاصمة.

تعزيز دور الهيئة العامة لقصور الثقافة، ويأتي ذلك في إطار رؤية تسعى إلى جعل الثقافة حقًا عامًا لا امتيازًا نخبويا. 

ومن هنا خرجت الهيئة العامة لقصور الثقافة بالعمل الثقافي من داخل الغرف المغلقة في الفضاء الضيق إلى فضاءات أكثر اتساعًا في الميادين والقرى والنجوع وغيرها.

2- دعم الفنون والآداب
أولى الوزير اهتمامًا خاصًا بالفنون الحية، لا سيما:
المسرح
الموسيقى
الفنون التشكيلية
وتفعيلها في كل قطاعات وزارة الثقافة، كلٌّ فيما يخصه، من خلال المجلس الأعلى للثقافة، وصندوق التنمية الثقافية، والمركز القومي للترجمة، ودار الأوبرا، والهيئة العامة للكتاب، ودار الكتب، وغيرها.
كما تم دعم المبادرات التي تعيد الاعتبار إلى الرموز الثقافية المصرية، من خلال فعاليات تكريمية وملتقيات فكرية، بما يعزز الذاكرة الثقافية الوطنية وربط الأجيال الجديدة برموز الإبداع المصري.

3- تطوير المؤسسات الثقافية
عملت الوزارة من خلال رؤيتها الجديدة على:
تطوير المتاحف الفنية،
وتحديث آليات العرض والتوثيق،
وتحسين البنية الإدارية لبعض المؤسسات التابعة للوزارة.
ويعكس هذا التوجه إدراكًا لأهمية الإدارة الثقافية الحديثة في الحفاظ على التراث ودعم الإبداع المعاصر.

4- الحوار مع النخب الثقافية
حرص وزير الثقافة على فتح قنوات تواصل منتظمة مع:
نقابة اتحاد الكتاب
والفنانين والمثقفين
والمؤسسات الأكاديمية

وذلك بهدف صياغة استراتيجية ثقافية تشاركية تعكس التنوع الفكري والإبداعي في المجتمع المصري، وإشراك الشباب والمجتمع المدني في الفعاليات الثقافية داخل المحافظات وخارجها، وتشجيع الثقافة الرقمية، واستخدام التكنولوجيا في نشر المحتوى الثقافي، والتعاون مع النقابات والجمعيات الثقافية لوضع استراتيجية وطنية للثقافة.

إقامة فعاليات ثقافية وطنية شاملة، فقد أطلق وزير الثقافة سلسلة فعاليات ثقافية تحت عناوين مختلفة، من بينها احتفالات «محفوظ في القلب» التي كرّمت الأديب العالمي نجيب محفوظ، ونُظّمت في عدة محافظات بمشاركة واسعة من الجمهور.

ومع كل هذا، فإن يد الوزارة مغلولة بعض الشيء من خلال عدة تحديات تقابلها في سبيل النهوض بالعمل الثقافي، منها:

1- محدودية الموارد المالية، فنصيب الفرد في ميزانية الدولة فيما يتعلق بالثقافة أقل بكثير جدًا من نصيبه في القطاعات الخدمية في الوزارات الأخرى، ولا بد أن تحرص الدولة على زيادة ميزانية وزارة الثقافة؛ لأن الثقافة هي المدخل الحقيقي لأي تنمية في كل القطاعات، وهي الركيزة الأساسية في بناء الوعي السليم القادر على تحقيق المواطنة وتعميق الهوية الوطنية.

2- التغيرات الاجتماعية المتسارعة، وبخاصة التحولات السريعة للطبقات الاجتماعية، وتنوع التعليم، ومزاحمة الثقافات الأخرى من خلال انتشار التعليم باللغات الأجنبية، التي تفرض ثقافة هذه اللغات على المتعلمين، مما يصنع ازدواجية ثقافية تضعف الهوية الوطنية.

3- المنافسة الشديدة للوسائط الرقمية غير المنضبطة، وتراجع معدلات القراءة لدى بعض الفئات، وغياب دور الكتاب الورقي في مواجهة الكتاب الإلكتروني.

4- ضعف الكادر الإداري وعدم قدرته على مواجهة تطورات العصر وتحولات البنيات الاجتماعية وتفوقها في الطفرات السريعة، كما أن الكادر الإداري الحالي يدور في فلك مفاهيم إدارية قديمة وعقيمة تجعله عاجزًا عن تحقيق النهضة الثقافية المطلوبة، كما أنه كادر غير مؤهل أو غير مُدرَّب على استيعاب تطورات العصر الثقافية.

وتتطلب هذه التحديات حلولًا مبتكرة تقوم على الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني، وربط الثقافة بالتعليم والإعلام، وتأهيل العاملين بالثقافة تأهيلًا جيدًا، وإتاحة الفرصة للشباب لتولي قيادات المواقع الثقافية، وعمل مجلس استشاري لكل موقع من فئات المواطنين والمثقفين التابعة لهذا الموقع.

ومن هنا يمكن القول إن تجربة الدكتور أحمد فؤاد هنو في وزارة الثقافة تمثل محاولة جادة لإعادة تعريف الدور الوظيفي للثقافة في مصر، بوصفها عنصرًا فاعلًا في التنمية وبناء الوعي. 

وتُظهر السياسات المتبعة في عهده توجهًا واضحًا نحو دمج البعد الأكاديمي بالفعل الثقافي الميداني، مع السعي إلى تحقيق العدالة الثقافية وترسيخ الهوية الوطنية في مواجهة تحديات العصر.

وتظل هذه التجربة مفتوحة على التقييم المستقبلي بقدر ما ستنجح في تحويل الرؤية النظرية إلى أثر ثقافي مستدام في حياة المواطن المصري وتحقيق الدور الثقافي المطلوب، وأعتقد أنه قادر على ذلك في إطار ما وضعه من خطط واستراتيجيات للمستقبل، حتى يحقق الأهداف والمشروعات الثقافية الكبرى التي تخدم الوطن والمواطن، وتعيد إلى مصر تفوقها الثقافي والفني والحضاري أيضًا.

اقرا ايضا:

الثقافة الرسمية خارج العصر.. حين تدار جوائز الدولة بلا منصة رقمية

search