التعليم بين حقٍ تؤكده الدولة وأحكامٍ لا تُنفذ!
ليست قضية التعليم في مصر مسألة لوائح عابرة أو مسميات إدارية متغيرة، ولا هي صراع شكلي بين أنظمة تعليمية مختلفة، بقدر ما تمثل سؤالًا جوهريًا عن طبيعة الدولة نفسها: كيف تفهم الحق؟ كيف تحترم القانون؟ وكيف تترجم الدستور من نصوص مكتوبة إلى واقع ملموس يعيشه المواطن لا يقرأه فقط؟
حين يؤكد رئيس الجمهورىة، بوضوح لا يحتمل التأويل، أن التعليم حق أساسي من حقوق الإنسان، فإن هذا التأكيد لا يُفهم بوصفه شعارًا للاستهلاك الإعلامي أو عبارة إنشائية تُقال ثم تُنسى، بل باعتباره قاعدة حاكمة لفكرة الدولة الحديثة. فالدولة التي تؤمن بحق التعليم لا تختزله في سن محددة، ولا تحصره في مسار واحد، ولا تتعامل معه باعتباره امتيازًا يُمنح أو يُسحب، بل تعتبره حقًا ممتدًا، يرافق الإنسان في كل مراحل حياته، ويمنحه فرصة النهوض كلما تعثر، لا أن يُغلق الباب في وجهه بحجة التنظيم أو التطوير.
غير أن المفارقة تبدأ حين نغادر مستوى المبادئ المعلنة، وندخل إلى ساحة التطبيق العملي. هنا يتبدل المشهد، وتظهر حالة من الارتباك المؤسسي، كأن الحق الذي جرى التأكيد عليه نظريًا أصبح عبئًا عند التنفيذ. تصريحات متضاربة، وروايات متناقضة، ومحاولات مستمرة لتصوير ملف التعليم المفتوح وكأنه صفحة أُغلقت إلى الأبد، بينما الحقيقة البسيطة أن القضايا الكبرى في الدولة لا تُغلق بالكلام، ولا تُحسم بالتصريحات، بل تُحسم بالقانون وحده.
المشكلة لا تكمن في اختلاف الآراء، فالرأي بطبيعته قابل للنقاش والاختلاف، بل في تحويل الرأي إلى بديل عن الحكم القضائي. فالدولة، وفق الدستور، لا تُدار بالانطباعات، ولا تُحكم بالأمزجة، بل تُدار بمؤسسات، وعلى رأس هذه المؤسسات القضاء. وحين يُستبدل حكم القاضي برواية عابرة، أو بتفسير إداري متغير، تختل المعادلة، ويصبح الحق معلقًا بين القول والفعل، لا هو مُلغى بقرار قانوني، ولا هو مُنفذ بحكم واجب النفاذ.
والثابت الذي لا يقبل الجدل أن المجلس الأعلى للجامعات لم يُعلن إغلاقًا نهائيًا لملف التعليم المفتوح، ولم يدخل في تحدٍ مباشر مع أحكام القضاء، بل سبق أن نُفيت كثير من المزاعم المتداولة بشأن هذا الملف. لكن الإشكال الحقيقي لم يكن يومًا في نقص المعلومات، بل في تجاهل ما هو ثابت ومُعلن، والتعامل مع الحقيقة القانونية باعتبارها تفصيلة يمكن تجاوزها بالصمت أو التسويف.
جوهر الأزمة يتجسد في حقيقة قانونية واضحة لا تحتمل اللبس: خمسة أحكام قضائية نهائية وباتة، صادرة باسم الشعب المصري، تقضي بعودة نظام التعليم المفتوح الإلكتروني المدمج، بشهادته الأكاديمية المعتمدة، وتؤكد بطلان قرارات الإلغاء الصادرة في 30 ديسمبر 2023، وما ترتب عليها من آثار قانونية وإدارية.
خمسة أحكام كاملة. لا اجتهاد فيها. ولا تأويل. قضاء قال كلمته بوضوح. لكن التنفيذ غاب.
بل إن أحد هذه الأحكام لم يكتفِ بإقرار الحق، بل أثبت صراحة امتناع وزارة التعليم العالي عن تنفيذ أحكام القضاء، وهو ما ينقل الأزمة من خانة الخلاف الإداري إلى مساحة أكثر خطورة، تتعلق بطبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية ومؤسسة القضاء. وهنا لا نكون أمام اختلاف في الرؤية أو سوء تقدير، بل أمام خلل يمس فكرة الدولة ذاتها، ويضرب في صميم مبدأ سيادة القانون.
فالدولة التي تطالب مواطنيها باحترام القانون، لا يجوز لها أن تتباطأ في تنفيذ أحكامه. والدولة التي تتحدث عن هيبة المؤسسات، لا يمكنها أن تتعامل مع القضاء باعتباره رأيًا قابلًا للأخذ والرد. لأن هيبة الدولة لا تُقاس بقدرتها على إصدار القرارات، بل بقدرتها على الالتزام بما يصدر باسمها.
السؤال المطروح هنا ليس سؤال خصومة، ولا محاولة لتسجيل موقف، بل سؤال منطق مباشر: كيف نطالب المواطن بالالتزام بينما يتعطل الحكم؟ كيف نُرسخ الثقة في العدالة بينما تُؤجل أحكامها؟ كيف نتحدث عن بناء الإنسان ثم نغلق أحد مسارات التعليم في وجه آلاف المواطنين بحكم الواقع لا بحكم القضاء؟
التعليم المفتوح لم يكن يومًا مسارًا هامشيًا أو التفافًا على النظام، بل كان استجابة اجتماعية لواقع غير متكافئ، ومحاولة لفتح باب أُغلق مبكرًا أمام فئات واسعة من المجتمع. وإلغاؤه دون بديل عادل، ثم تجاهل أحكام عودته، لا يمكن وصفه بالإصلاح، بل بإدارة الأزمة عبر الإنكار.
ومن هنا يصبح السؤال الموجه إلى وزارة التعليم العالي سؤال دولة لا سؤال رأي: لماذا لم تُنفذ الأحكام القضائية النهائية واجبة النفاذ؟ من صاحب القرار في تعطيلها؟ وأي تصور يحكم العلاقة بين الوزارة ومؤسسة القضاء؟
الدولة القوية لا تخشى تنفيذ الحكم، حتى لو أربك حساباتها أو فرض عليها مراجعة سياساتها. لأن القوة الحقيقية ليست في العناد، بل في احترام القواعد التي وضعتها لنفسها. والقضاء ليس طرفًا في معادلة سياسية، بل الميزان الذي تستقيم به الدولة، فإذا اختل الميزان، اختل البناء كله.
إن ترك ملف التعليم معلقًا بين خطاب رسمي يؤكد الحق، وأحكام قضائية مهملة، وصمت إداري ممتد، يفتح الباب لفوضى المفاهيم، ويُضعف ثقة المواطن في عدالة الدولة، وهي ثقة لا تُبنى بالشعارات، بل بالفعل والالتزام.
فالتعليم ليس تفصيلة إدارية.
والقضاء ليس اقتراحًا.
والدولة لا تُدار بالارتباك، بل بالمسؤولية.
وهنا، يبقى الاختيار واضحًا: إما الانحياز الصريح للدستور وتنفيذ أحكامه،
أو ترك التناقض يتسع… حتى يُفرغ المعنى من مضمونه.
الأكثر قراءة
-
رابط الاستعلام عن نتيجة الصف الأول الثانوي محافظة الإسكندرية 2026
-
نتيجة الطلاب برقم الجلوس 2026 عبر بوابة التعليم الأساسي، الرابط والخطوات
-
مسلسلات رمضان 2026، قائمة بأبرز الأعمال والقنوات الناقلة
-
"يا رب يترد لك في أمك"، مايوه بكيني يشعل غضب ياسمين عبدالعزيز
-
مواعيد عرض مسلسل لعبة وقلبت بجد، والقنوات الناقلة
-
رابط نتيجة الصف الأول الثانوي الترم الأول بمحافظة المنوفية
-
ماذا تريد الحكومة من المصريين في الخارج؟!
-
"عياره فلت".. أسعار الذهب اليوم تواصل الجنون وتلامس 7 آلاف جنيه
مقالات ذات صلة
الدراما في زمن الورش.. سقوط المعنى
12 يناير 2026 09:47 ص
وهم الإمبراطورية.. كيف يُصنَع الخوف من أمريكا أكثر مما تصنع أفعالها؟
04 يناير 2026 07:23 م
الإنسان بين وعي مفقود وثقافة سمعية مهيمنة
29 ديسمبر 2025 09:26 ص
الدفاع عن محمد صبحي دفاع عن فن مصر وريادته
22 ديسمبر 2025 02:47 م
أكثر الكلمات انتشاراً