حين يُكافَأ الغريب ويُعاقب ابن البلد
في مدرسة خاصة بإحدى دول الخليج، جلس طالبان في الصف نفسه، درسا المنهج ذاته، وامتحنا تحت السقف نفسه.
الأولى، ابنة مقيم عربي، تقدّمت بأوراقها إلى كلية طب مرموقة بجامعة حكومية مهمة في مصر، فقُبلت بلا تعقيد، وسدّد والدها مصروفات السنة الدراسية الأولى، التي لم تتجاوز نصف ما كان يدفعه سنويًا في مرحلة الثانوية.
الثاني، ابن مصري مغترب في الدولة نفسها، حصل على مجموع أعلى، لكنه فوجئ بأن باب القبول مغلق في وجهه، ولم تُرفض أوراقه لضعف المستوى، بل لأن “النسبة لا تسمح”، وانتهت الرحلة بإلحاقه بكلية طب في جامعة خاصة داخل مصر… بتكلفة مضاعفة!
هذه ليست حالة فردية، ولا واقعة استثنائية، بل نموذج صارخ شهدتُ شخصيًا حالتين منه، لأزمة تتسع بصمت، أزمة قبول أبناء المصريين بالخارج في الجامعات الحكومية.
على الورق، تقول اللوائح إن الطلاب الحاصلين على شهادات معادلة من الخارج لهم مسارات قبول محددة ونسب مقررة.
لكن على الأرض، تحوّلت هذه النسب إلى سقف زجاجي يستحيل اختراقه، مهما ارتفع المجموع، ومهما كانت الشهادة معترفًا بها رسميًا من وزارة التعليم.
النتيجة؟ طالب مصري يحمل شهادة معادلة يُعامل كأنه "ضيف ثقيل"، بينما يُفتح الباب نفسه على مصراعيه أمام وافد أجنبي، لا لتميّز علمي، بل لاختلاف خانة الجنسية.
المفارقة المؤلمة أن هذا يحدث في توقيت تعلن فيه الدولة، صباح مساء، حرصها على ربط المصريين بالخارج بوطنهم، وتعزيز شعور الانتماء، والاعتماد على تحويلاتهم باعتبارها أحد أعمدة الاقتصاد الوطني.
لكن ماذا يبقى من هذا الخطاب، حين يُترجم عمليًا إلى سياسات تعليمية تدفع أبناءهم دفعًا نحو الجامعات الخاصة؟
القبول في التعليم الجامعي ليس منحة، بل حق دستوري قائم على تكافؤ الفرص. وعندما يصبح معيار القبول هو مكان حصول الطالب على شهادته لا كفاءته، فإننا لا نخلق نظامًا منضبطًا، بل نُنتج شعورًا عامًا بالتمييز، ونسفًا صامتًا لفكرة العدالة التعليمية.
الخطير في هذه الأزمة أنها لا تُدار بشفافية، لا أرقام واضحة، ولا مبررات مقنعة، ولا تفسير منطقي للفجوة الصارخة بين معاملة الطالب الوافد ومعاملة الطالب المصري المغترب، مجرد قرارات تُنفَّذ، وأسر تُترك أمام خيار واحد: ادفع… وانس حلم الجامعة الحكومية.
وفي المحصلة، لا يمكن التعامل مع هذه الأزمة باعتبارها خللًا إداريًا عابرًا، إذ أن ما يحدث يعكس نمطًا متكررًا في إدارة العلاقة مع المصريين بالخارج: قرارات متفرقة، لكنها جميعًا تصب في اتجاه واحد.
وبينما يُغلق باب التعليم الحكومي عمليًا أمام طالب مصري حاصل على شهادة معادلة، جاء قرار إلغاء إعفاء المصريين بالخارج من إدخال هاتف محمول دون جمارك ليضيف طبقة جديدة من الإحباط، ويعزز الإحساس بأن الامتيازات التي ارتبطت طويلًا بفكرة “المصري المغترب” تتآكل واحدة تلو الأخرى.
الرسالة التي تصل، سواء أُريد لها ذلك أم لا، واحدة: الانتماء لم يعد قيمة تُكافَأ، بل عبئًا إداريًا، والمصري بالخارج مرحّب بتحويلاته، لا بأسئلته، ولا بحقوق أبنائه!
وهنا يتحول الملف من قضية قبول جامعي إلى سؤال شائك: كيف تُدار علاقة الدولة بأبنائها في الخارج؟ كشركاء في الوطن؟ أم كمصدر عملة صعبة فقط؟ لأن الوطن لا يُقاس بعدد البيانات الرسمية، بل بعدد الأبواب التي تظل مفتوحة لأبنائه، حين يطرقونها..
الأكثر قراءة
-
بعد فيديو جابر ومؤمن، "تليجراف مصر" تكشف تفاصيل حصرية عن مالك Egypt Keda Keda
-
إحالة 6 متهمين في قضية "صغار مدرسة سيدز" للمفتي
-
جريمة غامضة، العثور على جثة شاب متحللة داخل مسجد في قنا
-
"لعبة الخوف بغرفة الحرام".. اعترافات صادمة للمتهم الأول بقضية مدرسة سيدز (خاص)
-
بسبب جناية.. طعن في لجنة شؤون الأحزاب بعد فوز السيد البدوي برئاسة "الوفد"
-
تفاصيل سقوط صانع المحتوى المسيء لوالدي الرسول في قبضة الأمن
-
بمناسبة رمضان، المالية تعلن تبكير صرف مرتب شهر فبراير
-
تشكيل برشلونة وأتلتيكو مدريد المتوقع في كأس ملك إسبانيا
مقالات ذات صلة
ما وراء زيارة الرئيس إلى أبوظبي
12 فبراير 2026 02:11 م
المستشار محمد نجيب يكتب: الغلاء الصامت.. والوجع المكتوم!
09 فبراير 2026 07:09 م
وثائق إبستين: حين صرخت الأوراق.. وخرس الإنسان!
03 فبراير 2026 03:45 م
إمام عاشور.. هذه بضاعتكم رُدّت إليكم!
30 يناير 2026 01:22 م
أكثر الكلمات انتشاراً