الثلاثاء، 10 فبراير 2026

04:23 م

جوهر نبيل.. من شوارع السيدة زينب إلى أسطورة كرة اليد

جوهر نبيل

جوهر نبيل

لم يكن جوهر نبيل، نجمًا تقليديًا يبحث عن الأضواء، بقدر ما كان أحد الأعمدة الأساسية في أكثر إنجاز جماعي استثنائي عرفته الرياضة المصرية بعيدا كرة القدم.

جوهر كان لاعبا تشكّلت ملامحه في شوارع السيدة زينب، وحمل في داخله حلم الأهلي، قبل أن تقوده الصدفة والانتماء إلى كرة اليد، ليصبح جزءا من جيل ذهبي فرض اسمه على خريطة اللعبة عالميًا، وأحد أساطير كرة اليد عبر تاريخها.

عشق الخطيب وكرة القدم

نشأ جوهر نبيل كأي طفل مصري في بيئة شعبية بمنطقة السيدة زينب، حيث ارتبط منذ سنواته الأولى بكرة القدم، ومارسها في الشوارع والحارات، متأثرًا بحبه العميق للنادي الأهلي. 

وعشق جوهر، أسماء كبيرة صنعت مجد القلعة الحمراء، مثل محمود الخطيب، وطاهر الشيخ، كما أحب حسن شحاتة، وغيرهم من نجوم تلك الحقبة.

وفي النادي الأهلي، قرر جوهر نبيل، خوض تجربة الاختبارات في قطاع الناشئين، إلا أن التوفيق لم يحالفه، ولم يتم قبوله، وهو ما شكّل له صدمة نفسية وإحباطًا شديدًا، خاصة في ظل تعلقه الكبير بالنادي الذي كان يمثل له حلم الطفولة.

حلم الطفولة

جاءت نقطة التحول الحاسمة في حياة جوهر نبيل عبر صديقه المقرب تامر عادل، لاعب كرة اليد بالنادي الأهلي آنذاك، حين أخبره بأن الجهاز الفني يبحث عن لاعبين أصحاب قامة طويلة لدعم الفريق. 

ولم يكن الدافع الأساسي لـ جوهر نبيل، حب اللعبة في بدايتها، بل الانتماء العميق للنادي الأهلي، الذي مثّل حلم الطفولة بالنسبة له.

وخلال 6 أشهر فقط، انقلبت المعادلة تمامًا؛ إذ انجذب جوهر بسرعة إلى كرة اليد، وأظهر قدرات لافتة مكّنته من تثبيت أقدامه في التشكيل الأساسي، وفي مفارقة طريفة جاء فيها هذا الظهور على حساب صديقه نفسه.

جوهر نبيل

الغريم التقليدي

في الرابعة عشر من عمره، عاد الحنين إلى كرة القدم، فقرر الابتعاد عن كرة اليد لمدة عام كامل، وخاض تجربة جديدة داخل نادي الزمالك.

ورغم قبوله مبدئيًا، ظل يتدرب لمدة 6 أشهر دون تسجيل رسمي، ما ولّد شعورًا بعدم الاستقرار.

ومع تلاشي الحلم، عاد جوهر، مجددًا إلى الأهلي عبر بوابة كرة اليد، غير أن تجربته السابقة في الزمالك تحولت إلى مادة للمزاح الدائم بين زملائه، وكذلك مدربه أحمد عبدالسلام، الذين أطلقوا عليه لقب "الجاسوس"، في إطار تنافسي تقليدي لم يخلُ من الكوميديا.

جيل ذهبي

تم تصعيد جوهر نبيل إلى الفريق الأول بالنادي الأهلي تحت قيادة جمال شمس، ضمن جيل استثنائي ضم أسماء بارزة مثل خالد العوضي وسامح عبدالوارث. 

ونجح هذا الجيل في فرض هيمنته على البطولات المحلية والقارية، واستعادة التفوق الأهلي على الزمالك وبقية المنافسين، خلال واحدة من أزهى الفترات في تاريخ اللعبة داخل القلعة الحمراء.

وبفضل تألق جوهر نبيل، مع الأهلي، انضم إلى منتخب مصر للشباب، وتوج مع الفراعنة بكأس أمم أفريقيا للشباب عام 1990، ثم شارك في بطولة العالم باليونان وحقق المنتخب المركز الثالث عشر، قبل أن يبلغ يتوج ببطولة العالم للشباب التي أقيمت في القاهرة عام 1993.

اعتبر جوهر في حوار له عبر برنامج "صاحبة السعادة" أن بطولة العالم للشباب عام 1993، التي قيمت أفي مصر، كانت نقطة التحول الفاصلة في علاقة الجماهير بكرة اليد. 

ففي البداية، خاض المنتخب، مبارياته أمام أعداد محدودة من الجماهير، لكن مع الانتصارات المتتالية، امتلأت الصالات عن آخرها، حتى وصل العدد إلى نحو 25 ألف متفرج، وهو رقم غير مسبوق في لعبة جماعية غير كرة القدم.

وأوضح أن الفوز على منتخبات قوية مثل رومانيا والبرتغال ثم أيسلندا، خلق حالة جماهيرية متصاعدة، جعلت كرة اليد حديث الشارع، خاصة مع وجود جهاز فني قدير بقيادة الكابتن جمال شمس، ودعم إداري وفني وفر بيئة مثالية للنجاح.

كما شارك في 3 دورات أولمبية متتالية، هي برشلونة 1992، أتلانتا 1996، وسيدني 2000، إلى جانب عدة مشاركات في بطولات العالم.

وشارك جوهر مع منتخب مصر في بطولة العالم 1995 في أيسلندا، حيث حقق أبناء النيل المركز السادس في إنجاز تاريخي، بعد مباراة شهيرة أمام فرنسا حُسمت برمية جزاء في الثواني الأخيرة، نفّذها جوهر بنفسه رغم صغر سنه آنذاك.

المجد المنقوص

وفي بطولة العالم بفرنسا عام 2001، حقق المنتخب المصري، إنجازًا تاريخيًا غير مسبوق بالحصول على المركز الرابع، تحت قيادة المدرب الصربي زوران زركوفيتش، ليصبح حديث الوسط الرياضي العالمي، ويتحول لاعبوه إلى نجوم حقيقيين.

وأقصى المنتخب المصري، نظيره الروسي في دور الثمانية، قبل مواجهة فرنسا صاحبة الأرض والجمهور في نصف النهائي، بحضور الرئيس الفرنسي آنذاك جاك شيراك. 

جوهر نبيل

وقدم المنتخب، مباراة كبيرة وكان قريبًا من الفوز، لكن قرارات تحكيمية مؤثرة، وضغوط الجماهير، حالت دون الوصول إلى النهائي ليحقق المركز الرابع.

غير أن فرحة الإنجاز اصطدمت بواقع صادم، بعدما حصل كل لاعب على مكافأة مالية لم تتجاوز 50 ألف جنيه، وهو مبلغ بدا متواضعًا قياسًا بحجم الإنجاز، لا سيما عند مقارنته بمكافآت منتخب كرة القدم في الفترة ذاتها.

وأكد جوهر أن كرة اليد لم تكن بطولة فردية أو مجهود لاعب واحد، بل ثمرة منظومة متكاملة، حيث كان كل لاعب يؤدي دوره بدقة، حتى وإن لم يكن صاحب الهدف الأخير.

وأوضح أن دوره كمركز دائرة جعله دائمًا حاضرًا في اللحظات الحاسمة، يلتقط الكرات المرتدة، ويستفيد من تمريرات زملائه، مستفيدًا من مهارات فنية وتكتيكية تطورت عبر سنوات طويلة من الاحتكاك بأقوى منتخبات العالم مثل روسيا وألمانيا وفرنسا.

الرياضة تصنع الإنسان وشعور بالقشعريرة

ووصف جوهر نبيل خلال استضافته في برنامج صاحبة السعادة، شعوره بعد الفوز بالمركز الرابع مع منتخب مصر أن أحد أهم أسباب النجاح تمثّل في التربية على الولاء والانتماء، حيث نشأ اللاعبون على احترام العلم والنشيد الوطني، والشعور بالمسؤولية تجاه تمثيل مصر، وهو ما كان يخلق رهبة إيجابية قبل كل مباراة، وشعورًا بالقشعريرة يدفع اللاعبين لتقديم أقصى ما لديهم.

وشدد جوهر نبيل على أن الرياضة لم تصنع منه لاعبًا فقط، بل إنسانًا مختلفًا، قادرًا على القيادة وتحمل المسؤولية. واعترف بصراحة أنه لولا دخوله عالم الرياضة، ربما كان سينجرف في مسارات أخرى، بحكم نشأته في منطقة شعبية مليئة بالطاقة والصراعات.

وأكد أن الرياضة تفرغ الطاقات الكامنة لدى الأطفال والشباب، وتحميهم من الانحراف، داعيًا الأسر إلى تشجيع أبنائهم على ممارسة أي نوع من الرياضة، دون التركيز على لعبة بعينها.

شوارع مصر 

حظي لاعبو المنتخب باستقبال جماهيري لافت، في صورة اقتربت من احتفالات أبطال كرة القدم. وخلال بطولة 2001، بدت شوارع مصر شبه خالية أثناء مباريات المنتخب، بينما امتلأت المقاهي بالمشجعين، في مشهد عكس قدرة كرة اليد، ولو لفترة محدودة، على التغلغل في وجدان الشارع الرياضي المصري.

وتحوّلت تلك اللحظات إلى علامة فارقة في تاريخ اللعبة، بوصفها إنجازًا جماعيًا أجبر قطاعًا واسعًا من الجماهير على اكتشاف كرة اليد ومتابعتها، وصناعة حالة من الفرح الجماعي ظلت راسخة في ذاكرة الرياضة المصرية.

في المقابل، شهدت تلك المرحلة قرارات إدارية من الاتحاد المصري لكرة اليد أثارت جدلًا واسعًا، وأسهمت في تقليص عمر هذا الجيل. 

ومن أبرزها فرض الاعتزال الإجباري على اللاعبين الذين تجاوزوا سن الثانية والثلاثين حال خروجهم من حسابات المنتخب، حتى وإن كانوا لا يزالون قادرين على تقديم الإضافة الفنية مع أنديتهم، وذلك بدعوى إفساح المجال أمام عناصر شابة.

كما مثّل قرار منع الاحتراف الخارجي في أوروبا عائقًا أمام تطور اللاعبين، إذ حرم جيلًا كاملًا من فرص الاحتكاك بالمدارس العالمية واكتساب الخبرات الدولية، وهو ما انعكس سلبًا على مستوى كرة اليد المصرية في السنوات اللاحقة، وأسهم في تراجع حضورها بعد واحدة من أكثر فتراتها إشراقًا.

مجلس إدارة الأهلي

وبعد اعتزال كرة اليد بعد مسيرة أسطورية مع الأهلي ومنتخب مصر، اتجه جوهر نبيل إلى التحليل، كما يدير في الوقت الحالي أكاديمية خاصة متخصصة في تعليم كرة اليد، تستهدف اكتشاف ورعاية المواهب الشابة في المراحل العمرية المبكرة، والعمل على إعدادها فنيًا وبدنيًا وفق أسس تدريبية حديثة.

وعلى الصعيد الإعلامي، يشارك جوهر بانتظام كمحلل فني لمباريات كرة اليد على المستويين المحلي والعالمي، عبر عدد من القنوات الرياضية، من بينها قناة "أون تايم سبورتس".

وفاة والد جوهر نبيل عضو مجلس إدارة النادي الأهلي

وترشح جوهر نبيل لانتخابات الأهلي في عام 2017 لينجح ضمن قائمة رئيس النادي محمود الخطيب، وقال عنه جوهر حينها: "الخطيب يمثل قيم ومبادئ النادي الأهلي".

وأضاف: "الخطيب كان قاطرة بشرية عندما كان في الملعب، وكذلك في أي مجال يشهد تواجده، هو أدار القائمة بشكل جيد جدا في الاختيارات وكذلك في إدارة الأزمات التي مرت بنا خلال العملية الانتخابية".

جوهر نبيل مع محمود الخطيب

وتعد تجربة جوهر نبيل تمثل نموذجًا نادرًا لرياضي جمع بين الموهبة، والانضباط، والالتزام الجماعي، في واحدة من أهم الفترات الذهبية لكرة اليد المصرية. 

مسيرة جوهر نبيل لم تُختصر في بطولات أو مراكز، بل ارتبطت بلحظة تاريخية نجحت فيها لعبة غير كرة القدم في اقتحام الوعي الجماهيري، وصناعة حالة وطنية جامعة.

وبين إنجازات دولية غير مسبوقة، وقرارات إدارية حدّت من استمرار هذا الجيل، تبقى قصة جوهر نبيل شاهدًا على ما يمكن أن تصنعه المنظومة المتكاملة حين تتوافر الرؤية والدعم. 

ورغم الاعتزال، ظل حضوره ممتدًا عبر الأكاديميات والتحليل الفني والعمل الإداري، في استمرار طبيعي لدور لاعب لم يبحث يومًا عن الأضواء.

اقرأ أيضا:

الزمالك يتمسك بموقفه الرافض لموعد مواجهة سيراميكا في كأس مصر

search