السبت، 14 مارس 2026

04:57 م

دقائق أمام القبر ثم نعود إلى الدنيا

في جنازة الأمس أدركت كم هي قصيرة المسافة بين صخب الحياة وسكون النهاية.. كان المشهد وداعاً لإنسان رحل وفرصة صامتة للتأمل في الحقيقة التي يفضل الإنسان إبعادها عن ذهنه.

وقفت بين المشيعين أتابع حركة الناس حول القبر ثم انسحبت عيناي بعيداً عن المشهد إلى جدران المقابر حيث الأسماء المنقوشة والتواريخ الصامتة.

هناك من مرّ على رحيله عقود طويلة وهناك من غاب منذ سنوات قليلة وآخرون لم يمض على دفنهم إلا أيام. 

قبور قديمة تآكلت أطرافها وأخرى جديدة ما زالت تحتفظ بلون التراب الرطب، المكان كله بدا كأنه سجلّ طويل لحكايات بشرية انتهت فجأة، قبور فخمة تلمع فوقها ألواح الرخام وأخرى متواضعة بالكاد تعرف صاحبها. 

هنا يرقد رجل عاش ميسور الحال وعلى بعد خطوات منه من لم يملك في حياته شيئاً يذكر، طفل لم يمهله العمر ليرى الدنيا وشاب رحل قبل أن تكتمل أحلامه وشيخ طوى سنواته الطويلة وانتهت رحلته أخيراً.

اللافت أن كل تلك الفروق التي كانت تميز أصحابها في الحياة اختفت هنا تماماً، لا مهنة تُذكر ولا لقب يسبق الاسم ولا مكانة اجتماعية تفرض نفسها، الجميع في هذا المكان سواء.

في تلك اللحظة أحسست وكأن الدنيا التي نعرفها تبتعد قليلاً وكأننا نقف على حافة عالم آخر أكثر هدوءاً وأشد صدقاً، هؤلاء الذين يرقدون خلف الأبواب الحديدية كانوا يوماً جزءاً من الضجيج نفسه الذي نعيشه الآن؛ كانوا يعملون، ويتنافسون، ويختلفون، ويحلمون بمستقبل يظنونه بعيداً
لكن النهاية لا تستأذن أحداً، ولم يبق معهم من تلك الرحلة الطويلة إلا ما صنعته أيديهم، عمل صالح ترك أثراً طيباً أو خطأ يتمنى صاحبه لو مُنح فرصة أخرى ليمحوه.

هنا يفهم الإنسان أن ما يظل بعد الرحيل هو العطاء أما ما جُمِع في الدنيا فيبقى خلفه، وبينما كانت هذه الأفكار تتدفق في رأسي استمر المشهد حولي في هدوئه المعتاد، كلمات عزاء خافتة، طريق يفتح بين الناس لمرور النعش، وأحد الأقارب يحاول الوصول متأخراً قبل أن يوارى التراب. 

حتى بعض الطقوس الاجتماعية المعتادة حضرت في صمت؛ يفسح البعض الطريق لمن جاء من أصحاب المكانة أو الوجاهة.

وللحظة تخيلت أن أولئك الساكنين خلف الأبواب المغلقة يتمنون لو عاد بهم الزمن قليلًا، ربما ليعيدوا حقاً إلى صاحبه أو ليجبروا قلبًا كسروه أو ليقولوا كلمة خير تأخروا عنها، لكن الزمن لا يعود.

قطع هذا الشرود صوت أحد الوعاظ وهو يرفع الدعاء للمتوف، فارتفعت الأيدي خلفه بالتأمين، وبعد دقائق بدأ الجمع يتفرق.

بعض أهل الفقيد جلسوا قرب القبر يقرأون القرآن ويواسي بعضهم بعضاً، بينما اتجه الآخرون نحو بوابة المقابر عائدين إلى حياتهم.

وعندما تجاوزت الباب الضيق للمقابر عاد ضجيج الدنيا سريعاً كأن شيئاً لم يكن.\

وقفت لحظة أستعيد أنفاسي فمرّ بجواري رجلان كانا قد حضرا الجنازة يتبادلان الحديث بصوت خافت،
قال أحدهما متنهّداً: «واضح إن الدنيا داخلة على موجة غلاء جديدة… البنزين زاد تاني»، فردّ الآخر وهو يهز رأسه: «واللي جاي أصعب… كل حاجة هتغلى وراها».

مضيا في طريقهما يواصلان الحديث عن الأسعار والغلاء، بينما بقيتُ واقفاً لحظة أفكر في المفارقة الغريبة.

قبل دقائق كنا جميعاً نقف أمام قبر نتأمل النهاية التي تنتظرنا جميعًا ثم ما إن خرجنا من بوابة المقابر حتى عادت بنا الحياة فوراً إلى حساباتها الصغيرة.

وهكذا… عدنا إلى الدنيا من جديد بعد زيارة قصيرة لذلك العالم الصامت الذي ينتظرنا جميعاً، وهكذا انتهت الرحلة القصيرة، خطوات قليلة خرجتُ بها من صمت المقابر إلى صخب الحياة لكن الحقيقة التي بقيت في ذهني أن المسافة بين العالمين أقصر مما نظن.

اقرأ أيضًا..

فرصة أم كارثة أم نبوءة ؟.. انقسام إسرائيلي حول إسقاط نظام الملالي

title

مقالات ذات صلة

اختطاف رئيس فنزويلا

03 يناير 2026 02:53 م

غزة في حسابات نتنياهو

19 ديسمبر 2025 08:19 ص

search