الإثنين، 13 أبريل 2026

08:34 ص

شريف عبد الحميد

واشنطن وطهران.. مفاوضات تحت التهديد في إسلام أباد

لم تبدأ المفاوضات بين واشنطن وطهران في إسلام أباد لأن الطرفين قررا فجأة أن يمنحا السلام فرصة… بل لأن كليهما وصل إلى لحظة يدرك فيها أن الاستمرار في المواجهة لم يعد رفاهية ممكنة، فالحروب لا تنتهي عندما ينتصر أحد، بل عندما يتعب الطرفان من دفع ثمنها؛ وهنا، على طاولة بعيدة جغرافياً عن ساحات القتال، يجلس خصمان قديمان لا لأنهما تصالحا… بل لأنهما تعبا.

إسلام أباد لم تكن مجرد اختيار دبلوماسي محايد، بل كانت رسالة في حد ذاتها، مكان خارج الحسابات التقليدية، وخارج خرائط النفوذ المباشر، وكأن الطرفين يحاولان أن يبتعدا خطوة واحدة عن صخب الميدان… دون أن يخرجا منه تماماً. فالحرب، في الحقيقة، لم تتوقف، بل هي فقط خفضت صوتها قليلاً، لتسمح للكلمات أن تقال.

ستة أسابيع من التصعيد كانت كافية لتعيد التذكير بحقيقة قديمة؛ أن الحروب الحديثة لا تحسم بسهولة، وأن كلفتها لا تقاس فقط بعدد الضحايا، بل بحجم القلق الذي تزرعه في العالم كله؛ هدنة مؤقتة وقعت، لكنها لم تكن سلاماً، بل استراحة محارب… أو ربما استراحة نظام دولي مرتبك، يحاول أن يلتقط أنفاسه قبل جولة جديدة.

على الطاولة، تبدو المطالب وكأنها كتبت لترفض، فواشنطن تريد تقليص نفوذ، وضبط برنامج، وكبح أدوات قوة تراها تهديداً مباشراً، وطهران، في المقابل، تريد اعترافاً بدورها، ورفعاً للضغوط، وضمانات لا تبدو في متناول أحد. كل طرف يطلب من الآخر أن يتراجع… دون أن يقدم هو خطوة واحدة إلى الخلف؛ وهنا تحديداً، لا تكمن الأزمة في غياب الحلول، بل في غياب من يقبل بثمنها.

لكن قراءة المشهد من زاوية المطالب فقط، تخفي ما هو أعمق، فهذه المفاوضات لا تدور حول "ماذا يريد كل طرف"، بقدر ما تدور حول "ما الذي يمكن لكل طرف أن يتحمله"؛ فالولايات المتحدة لا تتفاوض لأنها ضعفت، بل لأنها تدرك أن تكلفة الحسم العسكري الكامل قد تتجاوز قدرتها على التحكم في نتائجه، وإيران لا تجلس إلى الطاولة لأنها تراجعت، بل لأنها تعرف أن استمرار الضغط الاقتصادي والعسكري قد يفتح جبهات لا تريدها الآن.

المفارقة أن التفاوض نفسه لا يجري في أجواء سلام، بل تحت ظل تهديد واضح؛ فالقوات لم تُسحب، والتصريحات لم تهدأ، والاستعدادات العسكرية لم تتوقف، كأن الرسالة غير المعلنة تقول؛ نحن نتحدث… لكننا لم نضع السلاح بعد. في مثل هذه اللحظات، لا تكون الكلمات بديلاً عن القوة، بل امتداداً لها بشكل آخر. فالحرب لم تغادر الغرفة… هي فقط جلست في الخلف، تراقب.

وإذا كان ظاهر المشهد يوحي بصراع بين دولتين، فإن باطنه يكشف عن إعادة ترتيب أوسع؛ ما يناقش في إسلام أباد لا يخص البرنامج النووي فقط، ولا العقوبات فقط، بل يمتد إلى شكل النفوذ في المنطقة، إلى من يملك القرار في ممرات الطاقة، إلى حدود الدور الأمريكي ذاته في شرق أوسط لم يعد كما كان. كأن كل طرف لا يبحث عن نهاية للصراع، بل عن تعريف جديد له.

في هذا السياق، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات لما قد تنتهي إليه هذه المفاوضات.

السيناريو الأول هو اتفاق محدود… لا يرضي أحداً بالكامل، لكنه يمنع الانفجار؛ تنازلات جزئية، ربما تخفيف للعقوبات مقابل قيود مؤقتة، تفاهمات غير مكتملة لكنها كافية لشراء الوقت. هذا النوع من الاتفاقات لا يصنع سلاماً، لكنه يؤجل الحرب؛ فهو هدنة طويلة بوجه دبلوماسي، تُبقي كل شيء قابلاً للانفجار… لكن ليس الآن.

السيناريو الثاني هو فشل تفاوضي هادئ؛ لا إعلان رسمي بالانهيار، لكن لا تقدم حقيقي، حيث تستمر اللقاءات، تتكرر التصريحات، بينما يعود التصعيد تدريجياً على الأرض. في هذا السيناريو، لا يكون الفشل لحظة واضحة، بل عملية بطيئة، يتآكل فيها الأمل خطوة خطوة، حتى يجد الجميع أنفسهم مرة أخرى أمام واقع لم يتغير… فقط أصبح أكثر توتراً.

أما السيناريو الثالث، فهو الأخطر، وهو انهيار سريع يعيد الجميع إلى مربع المواجهة المباشرة؛ هنا، لا تعود المفاوضات سوى فصل قصير بين جولتين من التصعيد، ومع وجود قوات جاهزة، وتحالفات متحفزة، فإن أي شرارة صغيرة قد تكون كافية لإشعال مواجهة أوسع، تتجاوز حدود ما بدأته.

لكن بين هذه السيناريوهات، يبقى احتمال رابع غير معلن… وهو أن تستمر المفاوضات نفسها كهدف، لا كوسيلة؛ حيث يتحول التفاوض إلى حالة دائمة، لا تنتهي باتفاق ولا تنهار بالكامل، بل تبقى قائمة لأنها تخدم الطرفين: تُخفف الضغط، وتمنح الوقت، وتبقي الخيارات مفتوحة. في عالم مرتبك، قد يكون "اللا حسم" هو الشكل الجديد من الاستقرار.

ربما تنتهي هذه المفاوضات باتفاق، وربما تتعثر كما تعثرت محاولات كثيرة قبلها، لكن المؤكد أن ما يحدث في إسلام أباد لا يمكن قراءته باعتباره مجرد جولة دبلوماسية عابرة، فهو لحظة كاشفة، تظهر كيف تدار الصراعات حين لا يستطيع أحد أن يحسمها، ولا يملك أحد رفاهية الهروب منها.

في النهاية، لا يبدو أن السلام هو الهدف المباشر، بقدر ما هو محاولة لضبط إيقاع الخوف؛ فالعالم، كما يبدو الآن، لم يعد يبحث عن إنهاء الحروب… بل عن طرق تجعلها أقل انفجاراً، وأكثر قابلية للاحتواء، وفي هذه المسافة الضيقة بين الحرب والسلام، تكتب تفاهمات هشة، قد تصمد قليلاً… أو تنهار مع أول اختبار حقيقي.

search