الأربعاء، 15 أبريل 2026

03:00 م

بني بحجارة الدير ولاذ به رئيس راحل، مسجد القاياتي نموذج فريد للعمارة الإسلامية بالمنيا

مسجد القاياتي بمحافظة المنيا

مسجد القاياتي بمحافظة المنيا

“يا زائراً هذا المقام لك الرضا.. ففيه همام مثله لا يوجدا .. دعاه إله العرش لبى مؤرخاً.. بظهر البقاء عبداللطيف مخلدا”.. بهذه الأبيات المحفورة على مقدمة الضريح، يستقبلك مسجد القاياتي في مركز العدوة بمحافظة المنيا؛ الأثر الإسلامي الوحيد في المركز، حيث يعد شاهد العيان الأقدم، على عدة قرون من الزمان، فلم يكن هذا المسجد مجرد دار للعبادة، بل كان "حصناً" لاذ به الثوار، وملاذاً للأدباء المطاردين، ومخبأً سرياً لبعض الزعماء.

تاريخ التأسيس ونسب عائلة القاياتي

يعود تاريخ إنشاء مسجد القاياتي إلى العصر المملوكي، وتحديداً عام 1258 هجرية، حين قرر الشيخ عبد اللطيف القاياتي (الجد الأول للعائلة والذي ينتهي نسبه للصحابي الجليل أبو هريرة) بناء مسجد يضم "جبانة" ومدرسة لتعليم القراءة والشعر والآداب، تحولت فيما بعد إلى "مضيفة" تاريخية استقبلت الضيوف وكبار رجال الدولة.

23
مسجد القاياتي بمحافظة المنيا

أسرار التصميم المعماري

ينفرد مسجد القاياتي بتصميم معماري هو الأغرب في صعيد مصر، حيث يجمع بين الروحانية الإسلامية والتخطيط الكنسي،حيث يتخذ المسجد شكلاً مربعاً متداخلاً متأثراً بتخطيط الكنائس القديمة.

كشف الدكتور "صالح محمد القاياتي" الباحث في التاريخ الإسلامي، في تصريح لـ “ تليجراف مصر” أن حجارة المسجد جُلبت على ظهور الجمال من بقايا أحجار سقطت من "دير الأنبا صموئيل المعترف"، بالصحراء الغربية الواقع على بُعد 38 كيلومترًا غرب مدخل مدينة الفشن ببني سويف، بعد استئذان الشيخ عبد اللطيف القاياتي للقساوسة ورهبان الدير، حتى أن بوابة المسجد احتفظت بشكل "الصليب" المربع المتداخل الأصلي، ولم يتغير حتى اليوم.

472896329_996560019164675_8001147327315960010_n
مسجد القاياتي تحف معمارية نادرة ومنبر لا مثيل له

المهندس التركي الذي أراد الرحيل فصُدم

لم تكن رحلة بناء هذا المسجد عادية، فوفقًا للروايات التاريخية، تم إسناد التصميم إلى مهندس معماري تركي، رغم أن المسجد ينتمي للعهد المملوكي، ليكون مزيجًا فريدًا من الطرازين.

ويحكي الدكتور صالح قصة طريفة: قام المهندس التركي بتخطيط الحفر على ربوة مرتفعة، وطلب الرحيل والعودة بعد شهرين لتفقد الأساسات، لكن كبار العائلة أصرّوا على استضافته لمدة 24 ساعة فقط شكرًا له، ففي تلك الليلة، قام الأهالي من كل البلاد المجاورة بتنظيم أنفسهم في مجموعات، وشرعوا في الحفر طوال الليل، وفي صباح اليوم التالي، طلب المهندس الرحيل مجددًا، لكن المشايخ طلبوا منه الانتظار حتى الغداء، وبعد الوجبة، طلبوا منه إلقاء نظرة أخيرة على الموقع.

هنا كانت الصدمة: عندما رأى المهندس أن جميع الأساسات، التي كان يتوقع أن تستغرق شهرين، قد اكتملت في يوم وليلة، صرخ قائلاً: 'هذا من عمل الشيطان!'، لكنه حين رأى آثار أقدام آلاف الأهالي الذين شاركوا في الحفر، بكى وقرر البقاء حتى إتمام بناء المسجد.

تحف معمارية نادرة ومنبر لا مثيل له

من الخارج، تتصدر الواجهة الشمالية للمسجد، حيث المدخل البارز المتوج بـ صفوف من المقرنصات والدلايات، وعلى جانبيه "مكسلتان" من الحجر، وزخارف "الجفت اللاعب" النادرة، يعلو الباب كتابات قرآنية بارزة، منها "إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا" و"الله خيرُ حافظًا".

أما الداخل، فالمسجد مربع الشكل، يبلغ طول ضلعه 20 مترًا، وترتفع بواكي العقود على أعمدة رخامية إيطالية الصنع، نُقلت من القاهرة أيضًا على ظهور الجمال وصولاً إلى البحر.

لكن الكنز الحقيقي هو المنبر الخشبي، والذى صُمم على طراز عثماني فريد، يتكون من ثلاثة آلاف قطعة "أرابيسك" بنظام "التعشيق" دون استخدام مسمار واحد، كما يحتوي على أول باب بنظام الأكورديون في العالم، ولا يوجد مثيل لهذا المنبر سوى في مسجد آيا صوفيا (الجامع الكبير) في تركيا.

كما يضم المسجد مقامًا (ضريحًا) لأجداد العائلة، وفي مقدمتهم الشيخ عبد اللطيف القاياتي، والشيخ العارف بالله مصطفى القاياتي، خطيب ثورة 1919، والشيخ عثمان عبد الجواد القاياتي.

"مضيفة" للهاربين والزعماء.. من ثورة 1919 إلى الرئيس السادات

لم يكن مسجد القاياتي مجرد معلم ديني، بل كان ملاذًا آمنًا لكل من هرب من بطش السلطات، بدءًا من الاحتلال الإنجليزي وصولاً إلى العهد الملكي.

ارتبط المسجد بأسرة "القاياتي" العريقة، التي جمعت بين الوجاهة الدينية والدور الوطني، فمن قلب هذه المضيفة، خرج الشيخ محمد وأحمد القاياتي لدعم الثورة العرابية، وتبعهما الشيخ مصطفى القاياتي "خطيب ثورة 1919"، الذي حول المسجد إلى منفى اختياري وإقامة جبرية تحت وطأة ملاحقات الإنجليز، بعد أن نُزع من منصبه الأزهري لدوره في تحريك الوفد البرلماني.

الملاذ الغامض: حافظ نجيب "الأديب الطريد"

على الجانب الآخر، لجأ إلى المسجد الأديب المثير للجدل، حافظ نجيب، متخفياً في جلباب أزرق ونعال بالية، ثم كشف عن هويته الحقيقية لشيوخ العائلة فور وصوله، قائلاً: "لا أريد خداع أهل البيت"، فرد عليه الشيخ عبد الوهاب بعبارة شهيرة: "ما أقساك يا حافظ. لقد أحرجتني.. نحن رجال دين لا رجال عدالة والمروءة ترغمني على إيوائك".

image
image (1)
اعترافات حافظ نجيب "الأديب الطريد" عن مسجد القاياتي بالمنيا

من "هارب" في المضيفة إلى "رئيس" للجمهورية

لعل المحطة الأبرز في تاريخ المسجد هي استضافته للرئيس الراحل أنور السادات عام 1946، عقب اتهامه في قضية اغتيال أمين عثمان، حيث اختار "السادات" أن يختبئ في مضيفة القاياتي.

رر
مخبأ السادات في المضيفة 

 تنكر السادات في هيئة فلاح بسيط، ولم يعرف حقيقته سوى شخصين فقط من العائلة، ومكث في المضيفة حتى انتقل إلى قرية أخرى، لكنه لم ينسَ أبدًا الجميل لأبناء العائلة، حيث أصبح أحدهم (كامل القاياتي) سكرتيرًا للرئيس لشؤون الحكم المحلي لمدة 40 عاماً، تخليداً لوفاء الصعيد وذكريات "حصن الأمان" في قرية القايات.

اقرأ أيضا:
بعد أطول فترة إغلاق.. إعادة فتح المسجد الأقصى وسط فرحة المصلين

search